في عالمٍ يلتقي فيه التاريخ بالأسطورة والبحث العلمي بالمعتقدات الغامضة، يطرح كتاب علم آثار الشر Evil Archaeology للمؤلفة والباحثة الأمريكية هيذر لين Heather Lynn رؤية مثيرة للجدل: هل يمكن أن تحمل الآثار القديمة أدلة على وجود قوى شريرة، أو كيانات غير بشرية، أو حتى تلك المعروفة في ثقافات مختلفة بالشياطين والجن ؟

هذا الكتاب لا يكتفي بسرد قصص مرعبة أو حكايات فولكلورية، بل يحاول التتبع بمنهج شبه تحقيقي ، ليحاول الإجابة عن كيفية ظهور فكرة "الشر المتجسد" في الحضارات القديمة وكيف انعكست في الإكتشافات الأثرية والطقوس والنصوص التاريخية.

ما الذي يبحث عنه الكتاب ؟

تنطلق هيذر لين من سؤال جوهري:

هل يمكن لعلم الآثار، الذي يعتمد على الأدلة المادية، أن يقترب من مفاهيم غير مادية مثل "الشر" أو "الكيانات الخارقة" ؟

لا يقدم الكتاب إجابة قاطعة، بل يستعرض حالات وأدلة مثيرة مثل تمائم وتماثيل يُعتقد أنها لدرء الشياطين ومواقع دفن "غير طبيعية" جرى تفسيرها كإجراءات لمنع عودة الموتى ونصوص قديمة تصف طقوس استحضار أو طرد كيانات غير مرئية.

ومن خلال هذه الأمثلة، يحاول الربط بين المعتقدات القديمة والسلوك البشري، مشيراً إلى أن الخوف من "قوى غير مرئية" كان جزءاً أصيلاً من تشكيل الحضارات.

شياطين سومر: أقدم سجل للخوف

واحدة من أبرز المحاور التي يتناولها الكتاب هي الحضارة السومرية حيث ظهرت بعض أقدم النصوص التي تصف كائنات شريرة، مثل لاماشتو Lamashtu وهو كيان أنثوي يُعتقد أنه يهاجم الأطفال والحوامل وبازوزو Pazuzu وهو شيطان رياح كان يُستخدم للحماية من لاماشتو !  ، هذه المفارقة أي استخدام شيطان لطرد شيطان آخر تكشف عن منطق ديني-نفسي عميق وهو أن الشر ليس فقط قوة تُخشى، بل أداة يمكن تسخيرها ، يذكر الكتاب أن هذه الكيانات لم تكن مجرد خرافات، بل انعكاس لمحاولات الإنسان القديم تفسير الأمراض الإجهاض والكوارث الطبيعية.

هل كان القدماء يخافون من عودة الموتى ؟

من أكثر الموضوعات إثارة في الكتاب ما يُعرف بـ "قبور مصاصي الدماء" في أوروبا الشرقية، خاصة في بولندا وبلغاريا ، في هذه القبور تم العثور على هياكل عظمية مدفونة بطرق غير مألوفة ، مثل وضع مناجل حديدية على الرقبة ، تثبيت الجسد بأوتاد وفصل الرأس عن الجسد ، لا يمكن فهم تلك الممارسات كطقوس جنائزية عادية بل كإجراءات احترازية لمنع "العودة من الموت"  إذ يستعرض الكتاب هذه الحالات كدليل على أن فكرة "الموتى العائدين" لم تكن مجرد أسطورة، بل خوفاً اجتماعياً حقيقياً.

اللُقى الملعونة: هل يمكن للأشياء أن تحمل الشر ؟

يتناول الكتاب أيضاً مفهوم "الأشياء المسكونة" أو "الأغراض الملعونة"  وهي فكرة موجودة في ثقافات عديدة، من الشرق إلى الغرب ، من الأمثلة التي يناقشها:  تماثيل يُعتقد أنها تجلب سوء الحظ وقطع أثرية ارتبطت بحوادث غامضة بعد اكتشافها ونصوص تحذيرية من "لعنات" مرتبطة بالقبور ، ورغم أن العلم الحديث يفسر هذه الظواهر غالباً بالصدفة أو التأثير النفسي، إلا أن الكتاب يطرح سؤالاً مثيراً:

هل يمكن أن تكون بعض هذه "اللعنات" انعكاساً لطقوس حقيقية ذات تأثير نفسي عميق على من يتعرض لها ؟

الملك سليمان واستحضار الكيانات

يشير الكتاب إلى شخصية الملك سليمان عليه السلام التي ارتبطت في التراثين اليهودي والإسلامي بقدرة السيطرة على الجن ، ففي النصوص القديمة نجد أن سليمان استخدم "خاتماً" أو رموزاً خاصة لتسخير هذه الكيانات في البناء ، خصوصاً بناء الهيكل ، لا يؤكد الكتاب هذه الروايات لكنه يعرضها كجزء من تاريخ طويل لفكرة "التحكم في القوى غير المرئية"، وهي فكرة تتكرر في ثقافات عديدة، إقرأـ  المزيد عن قصة من  الفلكلور الجني صخر وخاتم سليمان

هل كان المسيح يمارس طرد الأرواح ؟

من النقاط المثيرة التي يناقشها الكتاب أيضاً هو دور يسوع/عيسى عليه السلام في طرد الأرواح الشريرة، كما ورد في الأناجيل ، هذه الروايات تُعتبر من أقدم التوثيقات لما يُعرف اليوم بـ "طرد الأرواح" Exorcism، حيث يُنظر إلى المرض أو السلوك غير الطبيعي كدليل على حالة مس أو تلبس ، يربط الكتاب هذه الممارسات بين الدين والطب القديم، حيث لم يكن هناك فصل واضح بين المرض الجسدي والروحي.

هل يثبت علم الآثار وجود الشر؟

رغم الطابع المثير للكتاب، إلا أن أهم ما يميزه هو أنه يترك الباب مفتوحاً للتفسير ، من منظور علمي بحت لا يوجد دليل مادي مباشر على وجود "كيانات شريرة" ومعظم الأدلة هي انعكاس لمعتقدات بشرية ، ويمكن تفسير السلوكيات الجنائزية الغريبة اجتماعياً ونفسياً، لكن في المقابل يطرح الكتاب فكرة مهمة: حتى لو لم يكن "الشر" كياناً مستقلاً فإن الإيمان به كان قوة حقيقية شكّلت التاريخ البشري.

بين الرهبة والمعرفة

ليس كتاب علم آثار الشر Evil Archaeology موجه لإثبات وجود الشياطين بل محاولة لفهم لماذا آمن الإنسان بها، وكيف ترك هذا الإيمان أثره في الأرض في القبور، التمائم، والآثار ، بالنسبة للقارئ العربي يقدم الكتاب زاوية مثيرة للتقاطع مع مفاهيم مألوفة مثل الجن، السحر، والتلبس، لكنه يدعو أيضاً إلى قراءة نقدية تفصل بين: الدليل الأثري والتفسير الثقافي أو الديني.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نكتشف آثار "كيانات شريرة"… أم آثار خوف الإنسان منها ؟