في عالم تختلط فيه الوقائع بالغرابة، تبرز بعض القصص التي تبدو وكأنها خرجت من صفحات رواية غامضة، لكنها في الحقيقة أحداث موثقة حيرت الباحثين وعلماء النفس على حد سواء. من بين هذه القصص تبرز قضية الأمريكية هانا أب، المرأة التي لم تختف مرة واحدة فحسب، بل ثلاث مرات، وعادت مرتين دون أن تتذكر شيئاً مما حدث لها، قبل أن تختفي للمرة الثالثة إلى الأبد.

بداية اللغز في نيويورك

في صباح يوم عادي من أغسطس عام 2008، خرجت هانا، الشابة ذات الثلاثة والعشرين عاماً، لممارسة رياضة الركض بالقرب من منزلها في نيويورك. لم يكن في تصرفها ما يثير الشك، لكنها لم تعد إلى منزلها ذلك اليوم. بقيت أغراضها الشخصية في مكانها، ولم تظهر في عملها كمعلمة في أول يوم دراسي، لتبدأ بذلك واحدة من أكثر قضايا الاختفاء غرابة.

مرت الأيام دون أي أثر واضح، لكن بعض الشهود أكدوا رؤيتها في أماكن مختلفة داخل المدينة. كانت تتحرك بشكل طبيعي، تتحدث مع الآخرين، وتدخل المتاجر، وكأنها تعيش حياة عادية، إلا أن شيئاً واحداً كان مفقوداً: هويتها،  كانت موجودة جسدياً، لكنها غائبة عن ذاتها.

العثور عليها بين الحياة والموت

بعد نحو عشرين يوماً من اختفائها، تم العثور على هانا في مشهد صادم. كانت تطفو على وجهها في مياه ميناء نيويورك، شبه فاقدة للحياة ، ليتم نقلها على الفور إلى المستشفى وتبين أنها تعاني من انخفاض شديد في حرارة الجسم وجفاف حاد. لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في حالتها الجسدية، بل في ذاكرتها.

لم تتذكر هانا أي شيء عن الأيام التي قضتها مختفية. وكأن تلك الفترة قد أزيلت بالكامل من وعيها تاركة فراغاً غامضاً لا يمكن تفسيره بسهولة.

التشخيص: عندما ينفصل الإنسان عن ذاته

بعد تقييم حالتها، توصل الأطباء إلى تشخيص نادر معروف باسم “الشرود التفارقي” Dissociative Fugue ، وهو اضطراب نفسي يفقد فيه الشخص إحساسه بهويته وقد يبتعد عن حياته المعتادة دون إدراك. في هذه الحالة، لا يكون الإنسان فاقداً للعقل أو الإدراك الكامل، بل يبدو طبيعياً في تصرفاته، قادراً على التفاعل والعمل، لكنه منفصل عن ماضيه واسمه وتاريخه الشخصي.

هذا النوع من الاضطرابات غالباً ما يرتبط بضغوط نفسية عميقة أو صدمات غير معالجة، حيث يلجأ العقل إلى “الهروب” كآلية دفاعية، فيفصل الإنسان عن ذاته مؤقتاً.

الاختفاء الثاني… تكرار غير مفسر

بعد سنوات، وفي عام 2013، عادت هانا إلى حياة تبدو أكثر استقراراً، وانتقلت إلى ولاية ميريلاند. لكن الغموض لم ينته. في أحد الأيام، اختفت مرة أخرى في ظروف مشابهة، تاركة خلفها أغراضها الشخصية كما حدث في المرة الأولى.

بعد يومين، تمكنت من الاتصال بوالدتها باستخدام هاتف شخص غريب، لكنها لم تستطع تفسير أين كانت أو ماذا حدث لها خلال فترة اختفائها. مرة أخرى، تكررت نفس الحلقة: اختفاء، غموض، ثم عودة بلا ذاكرة.

الاختفاء الأخير… عندما ينقطع الأثر

في عام 2017، انتقلت هانا إلى جزر فيرجن الأمريكية، حيث بدأت حياة جديدة في جزيرة سانت توماس. في صباح أحد الأيام، خرجت للسباحة على أحد الشواطئ القريبة، لكنها لم تعد بعدها أبدًا.

تم العثور على سيارتها متوقفة بالقرب من الشاطئ، وبداخلها جميع متعلقاتها الشخصية، بما في ذلك هاتفها وجواز سفرها. وكأنها اختفت في لحظة، تاركة خلفها كل ما يثبت وجودها. زاد تعقيد القضية أن اختفاءها تزامن مع اقتراب إعصار مدمر ضرب المنطقة، مما صعّب عمليات البحث وأضعف فرص العثور على أي دليل ، ومنذ ذلك اليوم، لم يُعثر على هانا أب، ولم يظهر لها أي أثر.

بين العلم والغموض

يمكن اعتبار حالة هانا أب واحدة من أكثر الحالات التي تطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الوعي الإنساني. هل يمكن للعقل أن يفصل الإنسان عن ذاته إلى هذا الحد ؟ وهل يمكن أن يقوده ذلك إلى التنقل والعيش دون ذاكرة، ثم يعود وكأن شيئاً لم يكن ؟

رغم أن التشخيص العلمي يقدم تفسيراً قائماً على اضطرابات نفسية نادرة، فإن تكرار الحادثة بهذا الشكل، ثم النهاية المفتوحة، يجعل القصة أقرب إلى لغز لم يجد حلاً بعد. فهي تقف عند تقاطع غريب بين علم النفس، والسلوك البشري، وتلك المنطقة الرمادية التي طالما جذبت اهتمام الباحثين في الظواهر الغامضة.

الفرق بين الشرود التفارقي والسرنمة

رغم التشابه الظاهري بين الحالتين، فإن الفرق بين الشرود التفارقي Dissociative Fugue والسرنمة أو السير أثناء النوم Sleepwalking  جوهري. ففي الشرود التفارقي يكون الشخص مستيقظاً ويتصرف بشكل طبيعي وقد يسافر أو يتفاعل مع الآخرين، لكنه فاقد لهويته وذاكرته الشخصية. أما في السير أثناء النوم، فيكون الشخص نائماً فعلياً ويقوم بحركات تلقائية محدودة دون وعي حقيقي بما حوله. بعبارة مختصرة، الأولى اضطراب نفسي مرتبط بالهوية والذاكرة، بينما الثانية اضطراب عصبي مرتبط بالنوم.

حين يبدو الواقع أكثر غرابة من الخيال

لم تكن قصة هانا أب مجرد حالة طبية، بل تذكير بأن العقل البشري لا يزال يحمل أسراراً لم يتم فك شيفرتها بالكامل. وبينما يحاول العلم تفسير ما حدث، تبقى بعض التفاصيل عالقة في منطقة يصعب إخضاعها للمنطق وحده.

ربما كانت هانا ضحية اضطراب نفسي نادر، وربما كانت هناك عوامل أخرى لم يكشف عنها بعد. لكن المؤكد أن قصتها ستظل واحدة من أكثر قصص الاختفاء تكراراً وغموضاً في العصر الحديث… قصة امرأة اختفت ثلاث مرات، ولم تعد في المرة الأخيرة.