في أطراف الغابات الرطبة شمالي جزيرة سومطرة الأندونيسية، حيث عاشت قبائل الباتاك قروناً طويلة بعيداً عن مراكز السلطة الكبرى، لم يكن السحر مجرد خرافة هامشية أو حكاية تروى للأطفال قبل النوم، بل كان جزءاً من نسيج الحياة نفسها ، هناك في عالم يختلط فيه المرض باللعنة، والخصب بالحسد، والموت بإرادة الأرواح، ظهر كتاب غريب يحمل اسماً بسيطاً في ظاهره، لكنه مهيب في معناه: "بوستاها" Pustaha .
هذا الكتاب لم يكن رواية مقدسة ولا نصاً دينياً بالمعنى المعروف، بل كان أقرب إلى دليل عملي للكاهن-الساحر، يجمع بين الوصفات العلاجية، والتعاويذ، ووسائل الحماية، وطقوس الأذى، وأساليب العرافة، واختيار الأيام المناسبة. إنه، ببساطة، واحد من أكثر النماذج وضوحاً لما يمكن أن نسميه: "الكتاب السحري الوظيفي" — أي أن الهدف من قراءة الكتاب ليس للمعرفة فحسب بل للفعل والتأثير والتدخل في العالم.
لكن ما الذي يجعل بوستاها مثيراً حقاً ؟
ليس فقط أنه يوثق تقاليد سحرية محلية، بل لأنه يكشف كيف يمكن لمجتمع كامل أن ينظر إلى المعرفة الخفية بوصفها علماً قائماً بذاته، له أدواته ومصطلحاته وأخلاقياته المزدوجة: شفاء أو إيذاء، حماية أو تدمير، بركة أو لعنة.
ما هو "بوستاها" ؟
كلمة Pustaha مشتقة من الأصل السنسكريتي Pustaka، وتعني "كتاب" أو "مخطوط"، وهو ما يكشف مبكراً عن أثر التداخل الحضاري الهندي في تلك المنطقة من جنوب شرق آسيا. لكن "بوستاها" في سياقه المحلي ليس أي كتاب، بل هو مخطوط سحري-طقسي خاص بثقافة الباتاك في شمال سومطرة، وكان يُعد ويُستخدم من قبل شخصية محورية في المجتمع التقليدي تُعرف باسم الداتو Datu، أي الكاهن/المعالج/الساحر.
والداتو لم يكن مجرد "مشعوذ" كما قد يتبادر إلى الذهن الحديث، بل كان شخصية ذات سلطة رمزية وعملية في آنٍ واحد. فهو المعالج، والمفسر، والعراف، وحافظ الطقوس، وصاحب الدراية بما يراه المجتمع " علماً سرياً" يربط بين الإنسان والقوى غير المرئية ، في هذا المعنى يمكن النظر إلى بوستاها بوصفه أرشيفاً سحرياً، أو "مفكرة تشغيل" للعالم الخفي.
كتاب مصنوع من لحاء الأشجار لا من الورق
من أكثر ما يلفت الانتباه في بوستاها شكله المادي نفسه. فهو ليس كتاباً عادياً من صفحات ورقية مجلدة، بل مخطوط مطوي مصنوع غالباً من لحاء الأشجار، ومثبت بين غلافين صلبين من الخشب. وكانت هذه الأغلفة تُنقش أحياناً برموز وزخارف ذات دلالة روحية، من بينها شكل الوزغ/أبو بريص المرتبط بإله أرضي نافع لدى بعض جماعات الباتاك وهو بوراسباتي ني تانو Boraspati ni Tano. كما يتم استخدام الخيزران أحياناً أو حتى عظام الجاموس في بعض النماذج.
هذا الشكل المادي ليس تفصيلاً جمالياً فقط، بل يعكس رؤية قديمة للكتاب نفسه باعتباره أداة طقسية لا مجرد وعاء للنص. فالكتاب هنا شيء يُحمل، ويُفتح في سياق معين، ويُتداول ضمن دائرة ضيقة من المعرفة. إنه جزء من "عدة الساحر"، مثلما يكون الخنجر الطقسي أو القرن الطبي أو العصا السحرية جزءاً من أدوات الممارسة.
من الذي كان يكتب هذا الكتاب؟
لم يكن كل فرد في المجتمع الباتاكي قادراً على كتابة أو قراءة بوستاها. هذه المخطوطات كانت مكتوبة بلغة أسلوبية خاصة وبخط محلي، على يد الداتو أو من هم ضمن تقليده المعرفي. وتذكر الدراسات أن النصوص كُتبت بما يشبه لغة التعليمات أو الإرشاد، أي أنها لم تكن موجهة للعامة، بل للممارس نفسه أو لتلامذته.
وهنا نقترب من فكرة شديدة الأهمية:
السحر في المجتمعات التقليدية ليس فوضى عشوائية، بل معرفة منضبطة نسبياً، يتم نقلها وتدريسها وحفظها، ومن ثم ممارستها ضمن تقاليد محددة ، وهذا ما يجعل بوستاها أقرب، من الناحية الأنثروبولوجية، إلى "كتاب اختصاص" لا إلى مجرد سجل أساطير. إنه أشبه بدفتر العمليات السرية للداتو.
ما الذي يحتويه "بوستاها" ؟
إذا أردنا تلخيص محتوى هذا الكتاب الغريب، فيمكن القول إنه يدور حول ثلاثة محاور كبرى:
الحماية والشفاء، والإيذاء والتدمير، والعرافة واختيار الأزمنة.
وقد وثق الطبيب والباحث الهولندي يوهانس فينكلر Johannes Winkler، الذي درس هذه المخطوطات بعد إرساله إلى منطقة توبا عام 1901، هذا التقسيم بوضوح. فقد رأى أن معرفة الداتو المدونة في بوستاها يمكن فهمها عبر ثلاث فئات رئيسية: فن حفظ الحياة، وفن تدمير الحياة، وفن التنبؤ.
وهذا التقسيم في حد ذاته مذهل، لأنه يكشف عن رؤية قديمة ترى أن القوة الغيبية محايدة في أصلها؛ فالشيء نفسه الذي يمكن أن يحميك من المرض قد يمكنه أن يصيب عدوك بالهلاك.
1- السحر الأبيض: الحماية، العلاج، ودرء اللعنات
في هذا الجانب، نجد وصفات وتعاليم تهدف إلى الوقاية من المرض، وطرد اللعنات، وصنع التمائم، وتحضير خلطات علاجية. كان الداتو، في هذه الحالة، يُنظر إليه كمن يستطيع إعادة التوازن بين الجسد والروح والعالم غير المرئي. ولم يكن العلاج منفصلاً عن الاعتقاد، بل كان يتداخل معه بعمق.
ومن منظور حديث، يمكن قراءة هذه المواد على مستويين:
الأول هو المستوى الطبي الشعبي، حيث تختلط الأعشاب والمواد الطبيعية بالخبرة المحلية.
والثاني هو المستوى الرمزي-النفسي، حيث تؤدي الطقوس دوراً في منح المريض شعوراً بالسيطرة والمعنى والحماية.
وهذا أمر لا يقتصر على ثقافة الباتاك وحدها؛ فمعظم تقاليد "الطب السحري" في العالم قامت على هذا المزج بين الدواء والمعنى.
2- السحر الأسود: الأذى، الإفساد، واستدعاء الأرواح المؤذية
لكن الوجه الآخر من بوستاها أكثر ظلمة وإثارة للرهبة. إذ تتضمن بعض النصوص ما يمكن تصنيفه بوضوح ضمن السحر العدائي أو الهجومي: وصفات للإضرار بالخصوم، أو إنزال المرض، أو التسبب في الهلاك، أو استدعاء قوى روحية مؤذية لتعمل نيابة عن الممارس.
وفي بعض الأمثلة التي وثقتها الدراسات القديمة، تظهر تصورات قاسية ومخيفة للغاية عن كيفية "صناعة" كيان روحي مؤذ أو تسخيره. وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة:
ليست القيمة الأساسية لهذه النصوص في "إثبات" أن تلك الطقوس كانت تعمل فعلاً، بل في أنها تكشف كيف كان الناس يتصورون الشر المنظم.
إنها تعكس تصوراً قديماً مفاده أن الكراهية من الممكن ترجمتها إلى تقنية، وأن الانتقام ليس مجرد انفعال، بل معرفة يمكن تعلمها وتطبيقها.
وهذه الفكرة ، إذا تأملناها جيداً ، نجدها حاضرة في كثير من ثقافات العالم، من كتب السحر الأوروبية إلى أحجبة الشرق الأوسط إلى دفاتر التعاويذ الإفريقية. الفرق هنا أن بوستاها يحتفظ لنا بهذا العالم في صورة شبه مباشرة.
3- العرافة والتنجيم: متى يكون اليوم مناسباً ؟
لا يقتصر بوستاها على التعاويذ والعلاج والأذى، بل يضم أيضاً مادة واسعة تتعلق بما يمكن تسميته "هندسة الزمن" ، أي معرفة الأيام السعيدة والنحسة، والاتجاهات المناسبة، والساعات المؤثرة، والارتباطات الفلكية.
وقد ارتبط هذا الجانب بما يُعرف باسم بوراهالان Porhalaan، وهو ما يشبه التقويم الباتاكي الطقسي، الذي لا يُستخدم كتقويم مدني بالمعنى اليومي، بل كوسيلة لتحديد أنسب وقت للفعل: متى تُعقد الطقوس ؟ متى يسافر المرء ؟ متى يزرع ؟ متى يُباشر العلاج ؟ ومتى يجب تجنب خطوة معينة ؟
وهنا نرى بوضوح أن المجتمعات التقليدية لم تكن تسأل فقط: "ماذا نفعل؟" ، بل كانت تسأل أيضاً: "متى نفعل؟ "
وهذا سؤال سحري بامتياز، لأن السحر في جوهره ليس مجرد فعل، بل فعل في لحظة ذات معنى.
هل "بوستاها" مجرد خرافة ؟
هذا هو السؤال الذي يطرحه القارئ الحديث عادة:
هل نحن أمام سجل لمعتقدات باطلة، أم أمام وثيقة ثقافية يجب أن تُقرأ بجدية؟
الإجابة الأكثر إنصافاً هي:
بوستاها ليس مهماً لأنه يثبت السحر، بل لأنه يثبت الإيمان المنظم بالسحر.
وهذه نقطة جوهرية جداً.
فعندما نقرأ مثل هذه المخطوطات، نحن لا نبحث فقط عما إذا كانت "التعاويذ تعمل"، بل نبحث في:
كيف يفكر الإنسان حين يواجه المرض؟
كيف يفسر المصادفات؟
كيف يحوّل الخوف إلى نظام؟
كيف يصنع من المجهول لغة، ومن الرهبة تقنية، ومن القلق طقساً؟
في هذا السياق، يصبح بوستاها وثيقة نفسية وثقافية بقدر ما هو وثيقة سحرية.
بين الغريمور الأوروبي و"بوستاها" الآسيوي
قد لا يبدو بوستاها غريباً على القارئ العربي، لأنه في الحقيقة ينتمي إلى عائلة عالمية من النصوص السحرية التي ظهرت في ثقافات مختلفة ، فكما عرف المجتمعات في البلدان العربية كتب مثل شمس المعارف الكبرى الذي يتمحور حول تحضير الأعمال السحرية لمآرب متنوعة من خلال الاستعانة بالجن ، عرفتها أيضاً أوروبا ما يسمى جريموريات Grimoires مثل "مفتاح سليمان" و"الكتاب الأحمر" وكتب الاستحضار، كما عرفت مجتمعات أخرى نسخها الخاصة من كتب الأسرار ، لكن ما يميز بوستاها هو أنه ليس نصاً نخبوياً فلسفياً فقط، ولا كتاباً استحضارياً مجرداً، بل كتاب ممارسة يومية يرتبط بالحياة الفعلية للناس: المرض، الولادة، الحسد، الزرع، الخصومة، الرحلة، الموت ، إنه كتاب يخرج من صلب الحياة الشعبية، لا من غرف الخيميائيين وحدها ، ولهذا فهو أكثر "إنسانية" وربما أكثر رهبة أيضاً، لأنه يكشف لنا أن الإنسان في كل مكان ، سواء في سومطرة أو بغداد أو القاهرة أو الأندلس أو أوروبا العصور الوسطى، كان يبحث عن الشيء نفسه: "طريقة ما ليشعر أن العالم ليس فوضى كاملة ".
لماذا تهمنا هذه المخطوطات اليوم ؟
قد يبدو الحديث عن مخطوط سحري من ثقافة بعيدة أمراً فولكلورياً محضاً، لكن الحقيقة أن مثل هذه النصوص تهمنا اليوم أكثر مما نظن ، فهي تذكرنا بأن الحد الفاصل بين الدين، والطب الشعبي، والسحر، وعلم الفلك، وعلم النفس الشعبي لم يكن دائماً واضحاً كما هو في التصنيفات الحديثة.
كما أنها تفضح وهماً معاصراً شائعاً:
وهو أن الإنسان القديم كان "ساذجاً" بينما الإنسان الحديث "عقلاني بالكامل" ، فالحقيقة أن البشر، قديماً وحديثاً، لا يكفون عن بناء أنظمة تفسيرية تحاول السيطرة على ما يخيفهم
الاختلاف فقط في اللغة والأدوات
قد لا يحمل إنسان اليوم بوستاها تحت ذراعه، لكنه قد يلجأ إلى أشكال حديثة من التفكير السحري دون أن يسميها كذلك كالاعتقاد المطلق في "الطاقة"، أو الهوس بالإشارات الكونية، أو التعلق المرضي بالتنبؤات، أو وهم أن " المصادفة لا بد أن تخفي رسالة" .من هذه الزاوية، لا يصبح بوستاها مجرد أثر من الماضي، بل مرآة قديمة لما لا يزال حياً في داخلنا.