في بعض البيوت، تبدأ الحكاية من تفصيل صغير يكاد يُهمل ، طفل يحدق في زاوية الغرفة طويلاً… يبتسم أحياناً، وأحياناً يتوتر ثم يشير بإصبعه قائلاً: " هناك أحد هنا" ، في البداية يمر الأمر باعتباره خيال طفل ، لكن ماذا لو تكررت المشاهد ، وماذا لو لم يكن الطفل وحده من لاحظ "ذلك الشيء" ؟
هنا، يتحول التساؤل من قلق عائلي إلى لغز أكبر: هل يمكن أن يكون بعض الأطفال خصوصاً "المصابين بالتوحد" أكثر حساسية لشيء لا نراه نحن ؟
التوحد : اختلاف في رؤية العالم
قبل الانزلاق إلى التفسيرات الماورائية، يجب أن نضع الأساس العلمي بوضوح ، التوحد ليس مرضاً بالمعنى التقليدي بل هو اختلاف عصبي في طريقة معالجة المعلومات ، كثير من المصابين به يعيشون العالم الحسي بشكل مختلف: الأصوات قد تكون أعلى، الضوء أشد، التفاصيل أكثر حضوراً، والتغيرات الدقيقة في البيئة أكثر وضوحاً.
بعض الدراسات تشير إلى أن نسبة كبيرة من الأفراد على الطيف التوحدي لديهم تجارب حسية غير نمطية — فرط أو نقص في الحساسية، أو إدراك مختلف للإشارات المحيطة ، بعبارة أخرى : قد يكون الشخص التوحدي يلتقط ما نتجاهله نحن، لا لأنه "يرى عالماً آخر"، بل لأنه لا يمرر الواقع عبر نفس الفلاتر الإدراكية التي نستخدمها.
لكن… هل هذا التفسير كاف دائماً ؟
حين يصبح الإدراك الغريب "حضوراً" ، تبدأ المشكلة تبدأ عندما لا تبقى التجربة في إطار "إحساس مختلف"، بل تتحول إلى شيء أكثر تحديداً: شخص، وجه، كيان… له ملامح وسلوك.
هنا، يجد الأهل أنفسهم أمام احتمالين كلاهما مقلق:
إما أن الطفل يعاني من اضطراب نفسي…أو أن هناك شيئاً لا يمكن تفسيره بسهولة.
لكن الأدبيات الطبية نفسها تحذر من التسرع:
ليس كل طفل يقول إنه “يرى أحداً” مصاباً بالذهان ، الفصل بين الخيال والتعبير غير النمطي، والتجربة الإدراكية، والهلوسة الحقيقية… ليس دائماً بسيطاً، خصوصاً عند الأطفال وعلى الطيف التوحدي ، وهنا تبدأ المنطقة الرمادية… حيث يولد الغموض.
تجربة دانيال… الرجل ذو قبعة الكاوبوي
في إحدى الروايات التي أثارت جدلاً واسعاً، تروي أم تدعى ميليسا قصة ابنها التوحدي “دانيال” ، منذ طفولته المبكرة، كان دانيال يحدق في السقف ويتفاعل كما لو أن أحداً يقف هناك. لم يكن الأمر عابراً، بل تكراراً يومياً تقريباً ، مع مرور الوقت، بدأ يرسم رجلاً عجوزاً يرتدي قبعة كاوبوي ثم يشير إلى الرسم ويقول: " هو هنا" ، ثم يرفع إصبعه إلى السقف… كما لو أن الرسم مجرد انعكاس لشيء موجود فعلاً ، قلق الأم كان طبيعياً ، وعندما عرضته على الأطباء كانت الصدمة حين طرحوا عليها احتمال أنه يعاني من حالة ذهانية رغم غياب أعراض أخرى واضحة ، لكن القصة لم تتوقف عند دانيال.
بحسب الرواية، لم يكن الوحيد الذي رأى الرجل ، جدته قالت إنها رأته وشقيقه الأصغر أكد الأمر بل وحتى جار في الحي تحدث عن رؤيته لنفس الشكل.
وفي محيط المنزل، بدأت تروى حكايات أخرى:
أبواب تُغلق وحدها…أشياء تتحرك…إحساس عام بأن المكان “ليس طبيعياً”.
مع الوقت، تقول الأم إن الظواهر خفّت عندما توقفت العائلة عن مقاومة الفكرة.
هل كان ذلك "تقبلاً نفسياً"… أم شيئاً آخر ؟ لا أحد يملك جواباً حاسماً.
تجربة إيلي… الكيان الذي انتقل مع العائلة
في حالة أخرى، بدأت القصة مع طفلة توحدية تدعى “إيلي”، كانت تقول إنها ترى أشخاصاً غير موجودين ، والداها، بيلي وراي، كانا في حالة خوف حقيقي ، عرضاها على طبيب ثم على مختص نفسي، الذي لم يجد دليلاً على الفصام أو الذهان، بل وصفها بأنها طفلة ذات خيال واسع ، لكن الأحداث لم تتوقف.
قررت العائلة الانتقال إلى منزل جديد، ظناً أن المشكلة مرتبطة بالمكان ، لكن ما حدث كان أكثر غرابة: الظاهرة انتقلت معهم.
لم تعد إيلي وحدها محور التجربة ، الأم بدأت تحلم مراراً برجل آسيوي ، الأب شعر بلمسات غامضة أثناء النوم والأشياء في المنزل بدأت تتحرك أو تتبدل أماكنها.
لاحقاً، استعانت الأم بشخص يزعم امتلاك قدرات روحية ، ووفق الرواية تحدث هذا الشخص عن رجل لقي حتفه في حادثة سطو، اسمه “رون”، قال إنه تبع الطفلة لأنه “يريد أن يُرى ويُسمع”.
النصيحة كانت بسيطة وغريبة: " تحدثي إليه واطلبي منه الرحيل." ، تقول الأم إنها فعلت ذلك وبعدها سمعت صوتاً قوياً في المنزل…ثم هدأت الظواهر تدريجياً ، لم يختف “رون” تماماً — لكن وجوده، كما تقول، أصبح أقل إزعاجاً.
ما الذي يحدث هنا فعلاً ؟
هاتان القصتان مثل كثير من الروايات المشابهة تضعنا أمام معضلة حقيقية:
- من جهة، لا يوجد دليل علمي يثبت أن المصابين بالتوحد قادرون على رؤية كيانات من “عالم آخر”.
- ومن جهة أخرى، هناك تجارب إنسانية يصعب اختزالها بالكامل في الوهم أو الخيال، خاصة عندما تتكرر أو تشمل أكثر من شخص.
التفسير العلمي يقدم عدة احتمالات:
اختلاف المعالجة الحسية قد يجعل بعض الأفراد أكثر انتباهاً للتفاصيل الدقيقة
- التوتر والبيئة قد يخلقان إدراكاً مشوشاً.
- الخيال قد يأخذ شكلاً واقعياً جداً عند الأطفال.
- التأثير العائلي قد يوسع التجربة من فرد إلى مجموعة.
لكن رغم ذلك، يبقى هناك دائماً ذلك الشعور بأن بعض الحالات تتجاوز التفسير السهل ، هل يمكن أن يكونوا "يلتقطون" شيئاً ؟
ربما السؤال ليس: " هل يرون الأشباح ؟ " .
بل : " هل لديهم طريقة مختلفة لالتقاط الواقع قد تجعلهم أول من يلاحظ الخلل فيه ؟ ".
الدماغ البشري، في حالته الطبيعية، لا يعكس الواقع كما هو، بل يرشحه ويبسطه ويملأ فراغاته ، لكن ماذا لو كانت هذه الفلاتر أضعف أو مختلفة ؟
في هذه الحالة، قد يبدو العالم أكثر حدة ، أقل استقراراً ، وأكثر امتلاء بأشياء “غير مفسرة”
عندئذ قد يظهر ما يبدو للآخرين كـ"كيان"… بينما هو مزيج معقد من الإدراك والإحساس والتفسير ، أو… ربما أكثر من ذلك.
بين العلم والغموض
الحقيقة التي لا مفر منها أن العلم لم يثبت وجود كيانات خفية في هذه الحالات ، لكن العلم أيضاً لم يفسر كل تجربة بشرية بشكل كامل ونهائي ، وبين هذين الجانبين تولد القصص.
قصص أطفال رأوا أولاً…ثم تبعهم الآخرون ، قصص بيوت تغير فيها شيء غير مرئي…وقصص عائلات وقفت بين تفسيرين: إما اضطراب نفسي… أو حضور غير مفهوم.
سؤال مفتوح… ولا إجابة نهائية :
هل المصابون بالتوحد أكثر تفاعلاً مع "عالم آخر" ؟
الإجابة العلمية: لا دليل على ذلك ، لكن الواقع الإنساني يقول شيئاً آخر: هناك تجارب… وهناك أسئلة لم تنل إجابات شافية بعد.
ربما لا يرى هؤلاء الأشخاص “ما وراء عالمنا”…لكنهم، في بعض الحالات، قد يرون هذا العالم بطريقة لا نراها نحن.
وفي تلك الفجوة الصغيرة بين الإدراكين…قد يولد أكثر ما يخيفنا: "الشك".