من بين الأسئلة المعتادة التي يطرحها الناس عند شراء منزل جديد: كيف تبدو حركة المرور في ساعات الذروة ؟ وهل الحي هادئ ومناسب للعيش ؟ لكن هناك سؤالاً آخر يبدو أكثر غرابة… هل سأكون ضحية مطاردة من قبل كيان خفي أو شبح مزعج “بولترجايست” ؟
ورغم أن العلم لا يعترف بوجود الأشباح، إذ أن معظم القصص المرتبطة بها تجد تفسيراً عقلانياً في النهاية، فإن فكرة “المنزل المسكون” ما تزال تؤثر فعلياً على قرارات المشترين ، تشير استطلاعات إلى أن كثيرين يترددون في شراء منزل تدور حوله شائعات أنه "مسكون"، بينما يقبل بعضهم بالمخاطرة مقابل تخفيض كبير في السعر. بل إن دراسات في السوق البريطانية أظهرت أن أصحاب المنازل ذات السمعة “المسكونة” قد يضطرون إلى خفض السعر بنحو 17% لإتمام البيع ، لكن السؤال الأهم هنا: هل يُلزم القانون البائع بالكشف عن وجود نشاط خارق في المنزل ؟ الإجابة، على نحو مفاجئ، هي: نعم… في بعض الحالات.
منزل "نياك" الذي دخل كتب القانون
في سبعينيات القرن الماضي، انتقل الزوجان هيلين وجورج أكلي إلى منزل في بلدة نياك Nyack بولاية نيويورك. وبعد فترة، أصبحا يرويان قصصاً غريبة عن المنزل، من بينها أن سريرهما كان يهتز تلقائياً كل صباح، وأنهما شاهدا أشباحاً في أرجائه ، ورغم أن هذه الظواهر لم تتجاوز ظاهرياً حدود “الإزعاج الغامض”، فإن المنزل اكتسب شهرة واسعة في الحي، بل وظهر في مجلة المختار Reader’s Digest.
ومع مرور الوقت، أصبح المنزل معروفاً بكونه “مسكوناً” ، لكن عندما قرر الزوجان بيع المنزل عام 1990، لم يخبرا المشتري الجديد بهذه التفاصيل.
الصدمة… ثم المحكمة
اشترى المنزل زوجان من خارج المنطقة، هما جيفري وباتريس ستامبوفسكي. وبعد إتمام الصفقة، اكتشفا السمعة الغريبة للمنزل، فحاولا التراجع عن الشراء. غير أن البائعين رفضوا إعادة العربون، مما دفع المشتريين إلى رفع دعوى قضائية ، وجاء في ملخص القضية أن : " المشتري اكتشف بذهول أن المنزل الذي تعاقد على شرائه كان معروفاً على نطاق واسع بأنه مسكون بأرواح الأشباح الضاجة Poltergeist التي شوهدت مراراً من قبل البائع وعائلته ".
المنزل "مسكون قانونياً"
في عام 1991 وفي قرار أثار دهشة الأوساط القانونية رأت محكمة ولاية نيويورك أن “السمعة الخارقة” للمنزل تؤثر فعلياً على قيمته السوقية، وبالتالي كان يجب الإفصاح عنها للمشتري ، ولم يتوقف الحكم عند هذا الحد، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تمك اعتباره من الناحية القانونية منزلاً "مسكوناً" بالفعل ، استندت المحكمة إلى أن البائعة نفسها كانت قد نشرت قصص الأشباح في وسائل الإعلام، وبالتالي لا يمكنها إنكارها لاحقاً. وجاء في الحكم أن المشتري، كونه غريباً عن المنطقة، لا يمكن توقع معرفته بالفولكلور المحلي، ما يبرر حقه في التراجع.
القضاء يستشهد بفيلم مكافحي الأشباح
في واحدة من أغرب اللحظات في تاريخ القضاء الأمريكي، اقتبس الحكم من الأغنية الشهيرة لفيلم مكافحي الأشباح Ghostbusters، متسائلاً بشكل ساخر: "من ستتصل به ؟" ، والفيلم يدور حول فريق من العلماء يؤسسون شركة متخصصة في اصطياد الأشباح والتعامل مع الظواهر الخارقة مقابل أجر، وهو ما جعل العبارة رمزاً شعبياً يُستخدم عند الحديث عن أي نشاط غامض أو غير مفسر.
كما أشار الحكم إلى عبثية تطبيق قاعدة “المشتري يتحمل المسؤولية” في مثل هذه الحالات، متخيلاً سيناريوهات مضحكة، مثل اصطحاب وسيط روحي أو عراف ضمن فريق فحص المنزل إلى جانب المهندس وخبير مكافحة الآفات !
وفي النهاية، خلصت المحكمة إلى أن فكرة إمكانية “اكتشاف الأشباح” عبر فحص عادي هي فكرة غير واقعية، ويجب استبعادها من المنطق القانوني.
هل يجب الإفصاح عن الأشباح قانونياً ؟
بشكل عام، لا يُلزم القانون الأمريكي البائعين بالكشف عن “الأشباح”، خاصة إذا كانت التجارب شخصية ولم يتم الإعلان عنها علناً. لكن في حالات معينة، يجب الإفصاح عن ما يُعرف بـ "العقارات الموصومة" Stigmatized Properties ، وهي العقارات التي شهدت أحداثاً مؤثرة مثل جرائم قتل أو وفيات، أو حتى اكتسبت سمعة واسعة بأنها "مسكونة" كما في حالة المنزل الشهير المرتبط بقصة The Amityville Horror ، وفي بعض الولايات مثل كاليفورنيا، يتم الطلب من البائع الكشف عن حالات الوفاة الحديثة داخل العقار، بينما تختلف القوانين في ولايات أخرى.
أشباح أم غاز سام ؟
في ختام ساخر، يشير بعض الخبراء إلى أنه ربما من الأفضل - بدلاً من القلق من الأشباح - التأكد من عدم وجود تسرب لغاز أول أكسيد الكربون، الذي قد يسبب هلوسات وأعراضاً غريبة تُفسَّر أحياناً على أنها “نشاط خارق” ، إقرأ المزيد عن التفسيرات العلمية لظاهرة الأشباح.
وفي النهاية ، لا تعد قصة منزل نياك مجرد حكاية غريبة عن الأشباح، بل مثال نادر على التقاء الفولكلور الشعبي بالقانون. ففي هذه القضية، لم يكن السؤال: “هل الأشباح موجودة ؟” بل: “هل سمعة الأشباح تؤثر على قيمة العقار ؟”
والإجابة كانت واضحة:
حتى لو لم تثبت الأشباح علمياً… فإن تأثيرها على البشر حقيقي بما يكفي ليأخذه القانون على محمل الجد.