تقع قلعة غلاميس Glamis Castle وسط الريف الهادئ في مقاطعة أنغوس شمال شرق اسكتلندا، لكن خلف جمالها المعماري المهيب تختبئ واحدة من أكثر القصص غموضاً في أوروبا. فالقلعة التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر ، تُعد اليوم من أشهر القلاع المرتبطة بأساطير الأشباح في بريطانيا، حيث تتحدث الروايات الشعبية عن عدة أرواح يزعم البعض إنها لا تزال تتجول في ممراتها وغرفها القديمة.
ورغم أن القلعة موقع تاريخي مهم وموطن لعائلة ليون النبيلة منذ قرون، فإن شهرتها العالمية لا تعود فقط إلى تاريخها الملكي، بل أيضاً إلى سلسلة من القصص المظلمة التي تراكمت حولها عبر القرون، لتجعل منها واحدة من أكثر الأماكن التي يقال إنها مسكونة في اسكتلندا.
القلعة الملكية التي تحيط بها الأساطير
قلعة غلاميس هي مقر عائلة باوز-ليون Bowes-Lyon منذ قرون طويلة، وقد اكتسبت شهرة إضافية بسبب ارتباطها بالعائلة الملكية البريطانية. فقد كانت القلعة منزل الطفولة للملكة الأم اليزابث باوز ليون كما وُلدت فيها الأميرة مارغريت عام 1930.
ومع ذلك، فإن التاريخ السياسي العنيف لاسكتلندا في القرون الوسطى ترك بصماته على هذا المكان. فقد شهدت القلعة فترات من المؤامرات والصراعات العائلية والإعدامات، وهي أحداث ساهمت في نشوء العديد من القصص الشعبية عن الأرواح التي لم تجد السلام بعد موتها.
السيدة الرمادية: شبح نبيلة أُعدمت ظلماً
أشهر الأشباح المرتبطة بالقلعة هو ما يُعرف باسم "السيدة الرمادية"، وهي روح يُعتقد أنها تعود إلى النبيلة الاسكتلندية جانيت دوغلاس ، كانت جانيت دوغلاس زوجة اللورد السادس لـ غلاميس في أوائل القرن السادس عشر، لكن حياتها انتهت بشكل مأساوي عندما اتُهمت بالخيانة والتآمر ضد الملك الاسكتلندي جيمس الخامس، ويرى العديد من المؤرخين أن تلك الاتهامات كانت مدفوعة بالصراع السياسي مع عائلة دوغلاس القوية، وليس بسبب أدلة حقيقية.
بعد محاكمة قاسية وتعذيب لبعض خدمها للحصول على اعترافات، حُكم عليها بالإعدام حرقاً عام 1537 في إدنبرة. وتقول الروايات إن ابنها أُجبر على مشاهدة تنفيذ الحكم، وهو مشهد مأساوي ظل عالقاً في ذاكرة التاريخ الاسكتلندي.
منذ ذلك الوقت بدأت تنتشر قصص عن ظهور شبح امرأة ترتدي ثوباً رمادياً داخل القلعة، خصوصاً في كنيسة القلعة الصغيرة. ويقال إن بعض الزوار شاهدوا طيف امرأة جاثية عند المذبح وكأنها تصلي بصمت. وحتى اليوم يذكر المرشدون السياحيون أن هناك مقعداً في الكنيسة يُقال إنه مخصص دائماً لهذه الروح، ولا يُفضل أن يجلس الزوار الجلوس عليه.
المرأة بلا لسان: الشبح الأكثر رعباً في القلعة
من بين جميع الأشباح المرتبطة بقلعة غلاميس، ربما تكون قصة المرأة بلا لسان هي الأكثر إثارة للرعب. فالروايات تصف ظهور روح امرأة يبدو فمها مشوهاً بشكل مرعب، وكأن لسانها قد قُطع أو فمها تعرض لتمزيق شديد، بينما يسيل الدم من فمها في مشهد مروع.
يُقال إن هذه الروح تظهر أحياناً في الممرات أو قرب إحدى النوافذ المسدودة بالقضبان، وتشير بيدها إلى فمها وكأنها تحاول إيصال رسالة لكنها عاجزة عن الكلام.
الغريب في هذه القصة أن السجلات التاريخية لا تقدم تفسيراً واضحاً لهوية هذه المرأة. فلا توجد شخصية معروفة في تاريخ القلعة تطابق هذا الوصف، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن الأسطورة ربما نشأت من حادثة عنف قديمة أو من عقوبة قاسية كانت من ممارسات العصور الوسطى، حيث كان قطع اللسان إحدى العقوبات المعروفة في بعض المجتمعات الأوروبية.
الفتى الخادم: طيف طفل يجلس بصمت
إلى جانب تلك الأرواح، تتحدث بعض القصص عن ظهور طيف طفل صغير يُعتقد أنه كان خادماً في القلعة خلال القرن الثامن عشر. ويصف بعض الزوار رؤية طفل يجلس قرب باب إحدى الغرف أو على مقعد حجري في الممر، قبل أن يختفي فجأة عند محاولة الاقتراب منه.
لا توجد وثائق تاريخية واضحة تؤكد هذه القصة أيضاً، لكنها أصبحت جزءاً من الروايات الشعبية التي يتداولها المرشدون والزوار عند الحديث عن أسرار القلعة.
لغز “وحش غلاميس” والغرف المخفية
من أغرب الأساطير المرتبطة بالقلعة قصة ما يسمى “وحش غلاميس”. وتزعم هذه الرواية أن أحد أفراد العائلة النبيلة وُلد في أحد القرون الماضية بتشوه جسدي شديد، فقررت العائلة إخفاءه داخل القلعة طوال حياته.
وفقاً للأسطورة، عاش هذا الشخص المعزول في غرف سرية داخل الجدران، وبعد موته تم إغلاق تلك الغرف بالطوب لإخفاء الحقيقة إلى الأبد.
ورغم أن المؤرخين لم يجدوا دليلاً قاطعاً يدعم هذه القصة، فإن تصميم القلعة المعقد المليء بالممرات والغرف المغلقة ساهم في تغذية الخيال الشعبي، حتى أصبح الحديث عن الغرف السرية جزءاً دائماً من أسطورة المكان.
بين التاريخ والخيال الشعبي
يصعب الجزم بمدى صحة القصص المرتبطة بقلعة غلاميس. فالكثير منها يعتمد على روايات شفوية تناقلها الناس عبر القرون، بينما لا يدعمها دليل تاريخي قاطع. ومع ذلك فإن اجتماع عدة عوامل ساهم في ترسيخ سمعة القلعة كمكان مسكون.
فالتاريخ الدموي للصراعات الاسكتلندية، والقصص المأساوية مثل إعدام جانيت دوغلاس، إضافة إلى العمارة القديمة المليئة بالممرات المظلمة والغرف السرية، كلها عناصر ساعدت على تحويل القلعة إلى مسرح مثالي لولادة الأساطير.
وهكذا تبقى قلعة غلاميس مثالاً واضحاً على الطريقة التي يمتزج فيها التاريخ الحقيقي بالفولكلور الشعبي، حيث تتحول أحداث الماضي المأساوية بمرور الزمن إلى قصص أشباح لا تزال تثير الفضول والخوف في آن واحد.