على ارتفاعٍ يطل على سهول كوينكا في إسبانيا، تقف قلعة بيلمونتي كأنها مشهد مستخرج من حكاية خيالية قاتمة ، من بعيد، تبدو مهيبة أقرب إلى القصور الملكية، لكن تصميمها الفريد يكشف عن شيء غير مألوف: ستة أبراج تشكل بنية نجمية غريبة، تتوهج جدرانها الحجرية بلون كهرماني مع غروب الشمس ، غير أن السكان المحليين يرونها بشكل مختلف تماماً ، فبالنسبة لهم، هذه القلعة لا تنام…ومن يجرؤ على التجول في ممراتها ليلاً، قد لا يكون وحده.
حصن شيد للقوة… والخوف
شُيدت القلعة عام 1456 بأمر من دون خوان باتشيكو، ماركيز فيينا القوي، لتكون في آنٍ واحد مقراً فاخراً وحصناً دفاعياً. وقد جمعت بين العمارة القوطية الأنيقة وزخارف المدجنين الإسلامية، حيث تظهر الأسقف الخشبية المزخرفة والفناء الداخلي المثلث كدليل على هذا الامتزاج الثقافي.
لكن خلف هذا الجمال المعماري، كان هناك وجه آخر أكثر قتامة ، فعلى مر القرون، شهدت القلعة حروباً، وخيانات وسجوناً وتعذيباً، وكانت جدرانها شاهدة على مؤامرات سياسية خلال فترات الصراع على العرش الإسباني.
وتروي إحدى الأساطير أن الأميرة خوانا لا بلترانيخا، التي كانت تطاردها الأخطار، لجأت إلى القلعة يوماً. لكنها، خوفاً من أن يكون القتلة قد تسللوا إلى داخلها، فرت منها ليلاً وهي شبه عارية، مذعورة على حياتها. ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه القصة جزءاً من الإرث المظلم للمكان.
سجن الاحتلال الفرنسي وميلاد "بعبع إسبانيا"
في أوائل القرن التاسع عشر، خلال حرب شبه الجزيرة، استولت قوات نابليون على القلعة وحولتها إلى سجن للمقاومين الإسبان. داخل جدرانها الباردة، خضع السجناء للاستجواب والتعذيب، بل والإعدام أحياناً.
ومن بين هؤلاء، برز اسم واحد: فرانسيسكو سانشيز، المعروف باسم “تيو كامونياس” ، كان مقاتلاً حربياً من بلدة كامونياس، تحوّل إلى أسطورة خلال مقاومته للقوات الفرنسية. وبعد إعدام شقيقه، قاد هجمات خاطفة ضد جنود نابليون، يظهر من الغابات ويختفي في الريف، حتى أصبح كابوساً لجنود الاحتلال ، لكن مصيره انتهى داخل القلعة نفسها، حيث أُعدم رمياً بالرصاص عام 1811.
ورغم موته، لم تنته قصته…إذ تحوّل اسمه لاحقاً إلى شخصية مرعبة في الفلكلور الإسباني—“بعبع” يُستخدم لتخويف الأطفال ، والبعض يعتقد أن روحه لم تغادر القلعة أبداً.
أشباح تتجول في الممرات
على مدى عقود، تحدث الزوار والعاملون في القلعة عن ظواهر غريبة لا تفسير لها ، أشهر هذه الظواهر هي “السيدة البيضاء”، وهي شبح امرأة ترتدي ملابس باهتة من العصور الوسطى، يُقال إنها تظهر فجأة في نهاية الممرات ثم تختفي عند زوايا لا تؤدي إلى أي مخرج.
لكن هذه ليست القصة الوحيدة…فقد تم الإبلاغ عن أبواب تُغلق بعنف في غرف فارغة، وأضواء تومض بعد إغلاق القلعة، وخطوات تُسمع في الأبراج الصامتة ، أما البرج الرئيسي—الذي استُخدم كمخزن للأسلحة وسجنفيُعتقد أن روح “تيو كامونياس” لا تزال تجوب أرجاءه، تحرس المكان الذي كان سجنه الأخير.
غرف التعذيب… حيث بقي الألم عالقاً في الهواء
من أكثر الأساطير إزعاجاً تلك المرتبطة بما يُعرف باسم “لا برينسا” (المكبس) ، تروي القصة أن ابنة أحد القضاة اختُطفت على يد أعداء هددوا بتدمير البلدة إن لم يستسلم والدها. لكنه رفض الخضوع، فتم تعذيب ابنته حتى الموت باستخدام آلة ضغط ميكانيكية.
سواء كانت هذه القصة حقيقة أم مجرد أسطورة، فإنها تركت أثراً لا يُمحى على سمعة القلعة ، فالزوار الذين يدخلون غرف السجن القديمة وغرف التعذيب غالباً ما يتحدثون عن شعور خانق… وكأن الهواء نفسه ما زال يحتفظ بذاكرة الألم.
الغرفة 712… وليالي الهمس
داخل القلعة، هناك مكان يحظى باهتمام خاص بين المهتمين بالظواهر الخارقة: الغرفة 712 ، تشير التقارير إلى حدوث نشاطات غريبة فيها، مثل أصوات طرق، وتحرك الأثاث، وحتى إحساس الزوار بأن أحداً يشد شعرهم ، واليوم تستثمر القلعة هذه السمعة من خلال جولات ليلية تُعرف باسم “ليالي الغموض”، حيث يسير الزوار بمصابيحهم بين الممرات بينما تُروى قصص الأشباح تحت ضوء القمر.
وفي الفناء، توجد بئر عميقة محفورة في الصخر يصل عمقها إلى 40 متراً. وفي الليالي الهادئة، يؤكد البعض أنهم يسمعون همسات تصعد من أعماقها.
الإمبراطورة التي أعادت الحياة… وربما الأرواح
بعد قرون من التدهور، أعيد ترميم القلعة في خمسينيات القرن التاسع عشر على يد الإمبراطورة أوجيني دي مونتيخو، زوجة نابليون الثالث ، المفارقة أن زوجة الإمبراطور الفرنسي هي من أعادت إحياء القلعة التي كانت يوماً سجناً لضحايا الاحتلال الفرنسي ويقال إن روح الإمبراطورة نفسها شوهدت تتجول في القلعة، كما تنتشر شائعات عن جلسات تحضير أرواح أُقيمت داخل جدرانها في الماضي ، وربما… يفسر ذلك لماذا لا تبدو القلعة فارغة تماماً.
بين الأسطورة والواقع
اليوم، تُعد قلعة بيلمونتي معلماً ثقافياً وسياحياً، تستضيف الجولات والفعاليات والعروض التاريخية، بل واستُخدمت كموقع تصوير لأفلام مثل El Cid لكن مع حلول الليل يتغير كل شيء.
حين تغادر الحشود ويعم الصمت، تصبح القلعة أكثر هدوءاً…هادئة بشكل مريب.
وحين تسير في ممراتها حاملاً مصباحاً، وتستمع إلى احتكاك الريح بالحجارة القديمة…قد تبدأ بفهم ما يهمس به السكان المحليون منذ قرون: بعض السجناء… لم يغادروا القلعة أبداً.