في بغداد، لا يوجد “بيت جن” واحد تتفق عليه الخرائط ، بل هناك بيوت تتوزع في الذاكرة الشعبية، كل حيّ يحتفظ بواحد منها، وكل جيل يضيف إليه طبقة جديدة من الظلال ، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت المدينة تنمو، تتغير، وتخفي خلف أبوابها حكايات لم تُكتب في السجلات الرسمية… لكنها عاشت طويلًا في الهمس.
"بيت "أبو النبكة
في منطقة سبع قصور شرق بغداد، كان هناك بيت ارتبط اسمه بشجرة سدر ضخمة (النبكة) تظلل الحديقة وتلامس السطح ، تقول الرواية الشعبية إن شجاراً وقع بين شقيقين بسبب فتاة، انتهى بجريمة قتل عند جذع الشجرة، ثم اختفاء القاتل ، منذ تلك الليلة، لم يعد البيت كما كان ، تقول الذاكرة المحلية أن أصواتاً احتكاك بين الأغصان ليلاً رغم سكون الريح وظل يتحرك خلف نافذة الطابق العلوي ومستأجرون يغادرون بعد أشهر قليلة دون تفسير واضح.
لم يكن هناك تقرير شرطة منشور يؤكد الحكاية، لكن الاسم بقي: بيت أبو النبكة ، ومع مرور الوقت صارت الشجرة نفسها رمزاً للبيت، كأن المكان لم يُلعن بسبب الجريمة، بل بسبب “الذاكرة” التي بقيت معلقة فيه.
من الناحية الاجتماعية، يمثل هذا البيت نموذجاً كلاسيكياً للمنزل "المسكون" من حيث أنه يتضمن حادثة عنف ترافقت مع عنصر بصري قوي (الشجرة) وبيت كبير يُترك مهجوراً لفترات ، يتحول في النهاية إلى أسطورة قابلة للعيش.
بيت زيونة
في حي زيونة، الذي كان من الأحياء الحديثة نسبياً آنذاك، ترددت حكاية عن منزل يُؤجر مراراً، لكن لا تبقى فيه عائلة أكثر من أسابيع أو أشهر.
تتكرر الروايات حول سقوط مفاجئ لأحد أفراد الأسرة دون سبب واضح ، تعطل متكرر في الكهرباء داخل المنزل فقط ، وشعور ثقيل في الطابق العلوي.
لم تكن القصة تتحدث عن ظهور كيان مرئي، بل عن سلسلة مصادفات سيئة وهنا يتحول “النحس” إلى تفسير ميتافيزيقي.
في مجتمع محافظ ومتماسك، إذا تكررت الحوادث في بيت واحد، فإن السوق العقاري نفسه يبدأ في تصنيفه كـ “بيت مسكون”، فيهبط سعره، ويصبح خالياً لفترات أطول مما يعزز الأسطورة أكثر.
البيت لم يُعرف باسمه الحقيقي، بل بلقبه: “بيت الجن في زيونة”.
بيت شارع فلسطين
في شارع فلسطين، أحد شرايين بغداد الشرقية، ظهرت رواية عن بيت تُرى فيه هيئة تقف في الشرفة ليلاً ، تحدثت الشهادات الشعبية عن امرأة تبكي بصوت خافت بعد منتصف الليل وأضواء تُشعل وتنطفئ رغم انقطاع التيار وحارس ليلي يرفض المرور أمامه.
لا وثيقة تثبت حادثة موت مؤكدة، لكن بعض الروايات ربطت البيت بوفاة غامضة لسيدة في ظروف غير واضحة وهنا تتجلى سمة مشتركة في قصص بيوت الجن في بغداد: غالباً ما تكون الروح أنثوية (ظل امرأة ، بكاء، شرفة).
وهذا يعيدنا إلى جذور أقدم في وادي الرافدين، حيث كانت المخيلة الشعبية تخشى كيانات أنثوية مرتبطة بالبيوت والولادة والموت مثل لاماشتو ليس لأن سكان بغداد كانوا يستحضرون هذه الأسماء، بل لأن المخيلة الجمعية تتوارث أنماطها دون أن تعي ذلك.
لماذا ازدهرت هذه الحكايات آنذاك ؟
هناك جملة من العوامل ساهمت في ازدهار تلك الحكايات في في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ،وهي على سبيل المثال لا الحصر : التوسع عمراني سريع وظهور أحياء جديدة ، وبيوت كبيرة تُترك بعد وفاة أصحابها أو هجرتهم ، وانقطاع الكهرباء المتكرر الذي يصنع ظلالاً كثيفة ، علاوة على ثقافة تحدي المراهقين: “ادخل البيت إذا كنت شجاعاً”.
كل مدينة تحتاج إلى أماكن تتجنبها…وبغداد لم تكن استثناء ، هل كانت هناك بيوت مسكونة فعلًا ؟
لا يوجد توثيق رسمي يثبت نشاطاً خارقاً في هذه البيوت ، لكن الأهم من السؤال عن الحقيقة الفيزيائية هو سؤال آخر:
لماذا يحتاج المجتمع إلى “بيت جن” ؟
البيت المسكون يؤدي وظيفة رمزية: يحذر من العنف الأسري ، يرسخ فكرة أن الدم لا يضيع ، يمنح تفسيراً لما لا يمكن فهمه بسهولة.
وفي النهاية، قد يُهدم البيت…لكن اسمه يبقى في الحي سنوات طويلة.