في حي العباس بمدينة كربلاء، يتداول الناس منذ عقود قصة بيت لا يُذكر اسمه، ولا يُنشر عنوانه، لكن الجميع يعرفه بلقب واحد: بيت الجن ، الروايات متعددة، التفاصيل تختلف، الأسماء غائبة…لكن الخوف ثابت ، وهذا تحقيق في ما يُقال عنه، وما لا نعرفه بعد.

الرواية المتداولة

بحسب ما يتم تداوله على شبكة الانترنت  تعود القصة إلى عام 1980 ، في ذلك العام، بُني منزل كبير في حي العباس، بمساحة تقارب 600 متر مربع، من قبل عائلة ثرية تقيم اليوم في إحدى الدول الأوروبية ، وبسبب غيابهم تم تأجير المنزل لرجل وزوجته وطفلهما ، تقول الرواية إن الرجل كان عنيفاً، يعود مخموراً يومياً ويعتدي على زوجته وابنه ، كان الجيران يسمعون صراخاً متكرراً كل مساء…إلى أن توقف الصراخ ، لاحقاً، تبين — بحسب الرواية — أن الزوج قتل زوجته وطفله داخل المنزل ، ثم ألقي القبض عليه وسُجن سنوات عدة حتى توفي في السجن.

بعد الجريمة، أُغلق البيت لمدة تسع سنوات وهنا تبدأ الطبقة الثانية من الحكاية.

عام 1989: الدم يعود إلى الواجهة

تاجر بغدادي كبير استأجر المنزل وعيّن حارساً للعناية به ، وبعد فترة قصيرة…عُثر على الحارس مقتولاً داخل المنزل، دون تفسير واضح ، عندما دخل بعض الأشخاص لإخراج الجثة، قالوا إنهم سمعوا صوتاً ينادي: “لا تسرقوه.” ثم انتشرت القصة ، بعد ذلك بفترة، دخل التاجر المنزل بنفسه، وقيل إنه قُتل بصعقة كهربائية المفارقة — بحسب إحدى الشهادات — أن السلك لم يكن موصولًا بالكهرباء.

هنا انتقلت القصة من “بيت جريمة” إلى “بيت مسكون” ، يُقال إن البيت بقي مغلقاً 22 عاماً خلال تلك السنوات، تناقلت الأحاديث عن: أصوات طبل ليلية ، بكاء امرأة ، أنين طفل ، أجسام بيضاء خلف النوافذ وشخص يرتدي الأبيض يصرخ بالمارة: “اهربوا” ، بعض الشهادات تروي أن شباباً اقتربوا ليلاً فسمعوا صراخاً، وفروا إلى مسجد قريب وبقوا فيه حتى الصباح.

لكن لا توجد صور موثقة، ولا تسجيلات، ولا تقرير شرطة منشور ، فقط روايات.

عام 2012: محاولة كسر اللعنة

قيل أن المالكين الأصليين عادوا إلى العراق وقرروا ترميم البيت والسكن فيه ، لكن بحسب روايات الجيران، لم يستطيعوا النوم ، كانوا يسمعون بكاء رضع، وأنين امرأة، وأصواتاً تتحدث معهم فغادروا المنزل وباعوه ، تكررت مع المشتري الجديد نفس التجربة (الأصوات، الأرق ، الشعور بوجود كيان في الغرف) وهكذا عاد البيت إلى صمته الطويل.

رواية بديلة

بعض السكان يروون نسخة أخرى: امرأة فقيرة سكنت البيت خلسة مع طفلها، فعُثر عليهما ميتين ويرى البعض أن الجن عذبها.

اختلاف الروايات هنا ليس تفصيلاً صغيراً، بل مؤشر مهم: القصة ليست ثابتة… بل تتشكل حسب الراوي.

هل حاول أحد التحقق ؟

يقال إن رجال دين دخلوا المنزل ذات مرة ولم يجدوا شيئاً لكن عند خروجهم سُمع صوت طبول من الداخل ، ويقال أيضاً إن المنزل استُخدم كدائرة أمنية في زمن النظام السابق، ثم أُخلي لأنه “مسكون” ، لكن عضواً سابقاً في مجلس محافظة كربلاء صرّح أنه لا يستطيع تأكيد ذلك.

مرة أخرى: لا يوجد تحقيق ميداني موثق منشور يدعم هذه الادعاءات.

التفسير العلمي: حين يرى العقل ما يخشاه

القصص عن الأصوات والظلال ليست بالضرورة دليلاً على وجود كيان خارق.

تحدث طبيب الأعصاب البريطاني أوليفر ساكس Oliver Sacks في محاضراته عن الهلاوس، موضحاً أن الإنسان لا يرى بعينيه فقط، بل بعقله أيضاً ، الهلاوس قد تحدث بسبب: اضطرابات النوم ، الضغط النفسي ، الفصام ، الحمى ، الصدمة أو حتى فقدان جزئي للبصر (كما في متلازمة تشارلز بونيه).

عندما يعيش حي كامل قصة واحدة لسنوات، قد يبدأ العقل في سماع ما يتوقع سماعه.

ما لا نعرفه بعد

رغم كل ما سبق، تبقى أسئلة مفتوحة ، وفي هذا السياق ندعو المهتمين الباحثين عن الحقيقة للمساعدة على إعطاء إجابات عن السؤال التالية :

- هل توجد سجلات محكمة في كربلاء تثبت وقوع جريمة القتل عام 1980 ؟

- هل هناك خبر أرشيفي في صحيفة عراقية عن مقتل الحارس أو التاجر؟

- ما هو العنوان الدقيق للمنزل ؟ وهل لا يزال قائماً حتى اليوم؟

- متى بدأ لقب “بيت الجن” بالتداول ؟

بدون إجابات موثقة، تبقى القصة في منطقة رمادية بين الأسطورة والواقع.

كيف تتحول الجريمة إلى أسطورة ؟

التحول يحدث على مراحل:

- جريمة عنيفة داخل بيت مغلق.

- إغلاق طويل يولد الشائعات.

- غياب المعلومات الرسمية.

- تكرار الرواية عبر الأجيال.

- انتقال الخوف من الجاني إلى المكان.

في النهاية، لا يعود البيت مجرد بناء…بل يصبح وعاءً لذاكرة جماعية مشحونة.

بيت الجن في حي العباس ليس مجرد قصة رعب بل مثال حيّ على كيفية تشكل الأسطورة في بيئة حضرية ، هناك روايات كثيرة لكن لا يوجد تحقيق ميداني منشور يؤكدها.

قد تكون الجريمة حقيقية وقد تكون بعض التفاصيل أضيفت لاحقاً وقد يكون كل ما حدث مجرد تداخل بين صدمة قديمة ومخيلة نشطة.

لكن المؤكد أن البيت — سواء كان مسكوناً أم لا —صار جزءاً من ذاكرة كربلاء الحديثة والسؤال الذي يبقى: هل يسكن الجن ذلك المنزل… أم تسكنه الذاكرة ؟