في جنوب غرب تركيا، قرب المدرجات الكلسية البيضاء في قلعة باموق تقوم أطلال مدينة هيرابوليس الإغريقية–الرومانية. بين هذه الأطلال، توجد فجوة صخرية صغيرة كانت في نظر القدماء أخطر مكان على الأرض: البلوتونيون – أو ما اشتهر لاحقاً باسم “بوابة الجحيم”.

كان الناس يأتون إليها ليشهدوا الموت بأعينهم. طيور تُلقى في الفتحة… فتسقط فوراً. حيوانات تُقاد نحو المدخل… فتختنق في لحظات. أما الكهنة، فيدخلون ويخرجون أحياء. فهل كان ذلك حقًا مدخلاً إلى عالم الأموات ؟

الاسم الذي يكشف الأسطورة

الاسم الأصلي للمكان هو البلوتونيون (Ploutonion)، نسبة إلى بلوتو (أو هاديس في النسخة الإغريقية)، إله العالم السفلي.

في الميثولوجيا القديمة، لم يكن “الجحيم” مكان نار، بل عالماً سفلياً تسكنه الأرواح. وكانت هناك اعتقادات بوجود منافذ أرضية تؤدي إليه، تخرج منها أبخرة سامة تُعرف باسم "أنفاس هاديس".

وصف الجغرافي الإغريقي سترابون في القرن الأول قبل الميلاد المكان بدقة مدهشة: " فتحة كهف يخرج منها ضباب كثيف قاتل، تموت فيه الحيوانات فوراً " ، لم يكن هذا وصفاً مجازياً. بل كان تقريراً ميدانياً.

ظاهرة الموت الصامت

لعدة قرون، سُجّلت حالات نفوق متكررة للحيوانات قرب الكهف. الطيور الصغيرة كانت تسقط فور اقترابها. الكلاب والماعز تختنق خلال دقائق. حتى الثيران التي قُدمت قرابين كانت تنهار سريعاً ، المشهد كان واضحاً: لا نار، لا وحش، لا سم مرئي. فقط هواء قاتل.

التفسير العلمي

في القرن الحادي والعشرين، أجرى علماء جيولوجيا قياسات دقيقة داخل الكهف، فاكتشفوا الحقيقة ، وجدوا أن لكهف يقع فوق صدع جيولوجي نشط تنبعث منه كميات عالية من غاز ثاني أكسيد الكربون (CO₂) ، الغاز أثقل من الهواء، لذلك يتجمع على ارتفاع منخفض قريب من الأرض ، وعند الفجر والليل يزداد تركيزه ليصل إلى مستويات قاتلة ، بمعنى آخر: الحيوانات تموت لأنها أقرب إلى الأرض أما الإنسان الواقف منتصباً، فيتنفس طبقة أعلى أقل تركيزاً ، لقد كانت “بوابة الجحيم” في الحقيقة بركة غير مرئية من الغاز السام.

كيف نجا الكهنة ؟

هنا تكمن المفارقة التي صنعت الأسطورة ، الكهنة الذين كانوا يخدمون المعبد كانوا يدخلون الكهف ويخرجون سالمين ، الجمهور كان يرى الحيوان يموت، بينما الكاهن يقف ثابتاً ، لكن الدراسات الحديثة ترجّح أنهم عرفوا أوقات انخفاض تركيز الغاز وبقوا منتصبين دون الانحناء أو حبسوا أنفاسهم لثوانٍ حاسمة ، تجنبوا النقاط الأكثر خطورة ، لقد فهموا الظاهرة طبيعياً…لكنهم قدّموها كقوة إلهية وهكذا وُلدت القداسة من الجيولوجيا.

لماذا صدّق الناس أنها بوابة للعالم السفلي ؟

في العالم القديم، لم يكن هناك علم كيمياء يفسر الغازات الخانقة ، حين ترى كائناً يموت بلا سبب مرئي، وتخرج من الأرض أبخرة خفيفة، فإن التفسير الأسهل هو: الأرض نفسها تتنفس…والعالم السفلي قريب جداً ، كما أن المنطقة المحيطة كانت معروفة بينابيعها الحارة ونشاطها البركاني القديم، ما عزز فكرة أن باطن الأرض حي وغاضب ، البلوتونيون لم يكن مجرد كهف ، كان مسرحاً طقسياً للرعب المقدّس.

الطقوس والاقتصاد الروحي

تشير الأدلة الأثرية إلى أن المكان كان جزءاً من مجمع ديني قرب معبد أبوللو، وكان مرتبطاً بطقوس نبوءة وعرافة ، الناس لم يأتوا فقط بدافع الفضول، بل طلباً للوحي والتطهير والشفاء ، كان الموت المعروض أمامهم جزءاً من عرض شعائري يعزز سلطة الكهنة ، إنه نموذج مبكر لما يمكن تسميته اليوم بـ “اقتصاد الرعب المقدس”.

الاكتشاف الحديث

ظل الموقع مدفوناً لقرون حتى أعاد علماء آثار إيطاليون اكتشافه عام 2013 ضمن حفريات في هيرابوليس ، أثبتت القياسات العلمية التي أُجريت لاحقاً أن الأسطورة لم تكن خرافة بالكامل بل كانت مبنية على ظاهرة طبيعية حقيقية، لكنها فُسّرت وفق أدوات عصرها.

بين العلم والأسطورة

هل يعني ذلك أن “بوابة الجحيم” مجرد خدعة طبيعية ؟ ليس تماماً ، الأسطورة لم تكن كذباً، بل كانت لغة بشرية لفهم ظاهرة مرعبة ، الناس رأوا الموت يخرج من الأرض، فسمّوه باسم إلههم ، اليوم نسمّيه ثاني أكسيد الكربون.

لكن الشعور الذي كان ينتاب الزائر القديم وهو يرى الحيوان يسقط أمامه ، ذلك الإحساس بأن العالم السفلي قريب…لم يكن وهماً بالكامل ، كان الخوف حقيقياً.

حين تصنع الطبيعة الماورائيات

بوابة الجحيم في تركيا ليست مجرد موقع أثري ، إنها مثال حيّ على تحول الظاهرة الطبيعية إلى أسطورة حيث يُبنى الدين فوق الجغرافيا ، ويُوظّف الغموض لصناعة القداسة ، في موقع “ما وراء الطبيعة”، لا نبحث عن الأشباح فقط، بل عن اللحظة التي يتحول فيها المجهول إلى مقدس ، وهنا، في هيرابوليس، كانت الأرض نفسها تتكلم…بلغة الموت الصامت.