شهدت ماليزيا خلال سبعينيات القرن العشرين سلسلة من البلاغات الغريبة التي تمحورت حول رؤية كائنات بشرية متناهية الصغر يُقال إنها كانت تصل إلى الأرض على متن أطباق طائرة صغيرة الحجم. وتميزت هذه الحوادث بكون معظم الشهود من الأطفال، كما أن مسرح الوقائع كان في الغالب داخل المدارس أو بالقرب منها، الأمر الذي منح الظاهرة طابعاً فريداً مقارنة ببقية تقارير الأجسام الطائرة المجهولة في العالم.
البداية: عام 1970
تعود البدايات المتداولة لهذه الروايات إلى عام 1970، حين أبلغ طلاب في مدينة جوهور باهرو عن مشاهدة جسم فضي صغير يشبه القرص هبط في ساحة المدرسة. ووفقاً لبعض التقارير، خرج من ذلك الجسم عدد من الكائنات الصغيرة التي لا يتجاوز طولها بضعة سنتيمترات، وكانت ترتدي ملابس ملونة تشبه البزات وسرعان ما اختفى الجسم بعد لحظات، مع بقاء آثار احتراق خفيفة في المكان، وهو تفصيل تكرر لاحقاً في روايات مشابهة.
وفي العام نفسه، وقعت حادثة أخرى في إحدى المدارس الابتدائية في بوكيت ميرتاجام، حيث ذكر تلاميذ أنهم رأوا قرصاً صغيراً يهبط ويفتح باباً، قبل أن تنزل منه كائنات دقيقة الحجم مزودة بما يشبه الهوائيات على رؤوسها. وقد أثارت القصة ضجة واسعة، خصوصاً بعد رواية طفل أنه حاول الإمساك بأحد تلك الكائنات، فتلقى شعاعاً ضوئياً تسبب في إصابة مؤقتة بيده. وعندما حضر المعلمون، لم يجدوا أثراً للجسم الغريب.
تكرار البلاغات
مع استمرار عام 1970، ظهرت بلاغات مشابهة من مناطق مختلفة، تحدثت عن أطباق صغيرة جداً لا يتجاوز قطرها أحياناً عشرات السنتيمترات، وعن كائنات يتراوح طولها بين بضعة سنتيمترات ونحو خمسة عشر سنتيمتراً.
كما تكررت روايات استخدام أشعة ضوئية تُطلق على من يقترب من تلك الكائنات، وتترك حروقاً طفيفة أو آثاراً مؤقتة على الجلد.
الموجة الثانية: 1973
في عام 1973، عادت الظاهرة للظهور فيما وُصف بـ"الموجة الثانية" من الحوادث. ففي منطقة غامبانغ، أفادت تقارير بأن طالبين تمكنا من الإمساك بكائن صغير جداً قبل أن يهرب، وقيل إن أحد المعلمين شاهد الكائن للحظة وجيزة.
وفي حادثة أخرى خلال العام نفسه، أُبلغ عن قرص صغير هبط قرب ملعب لكرة القدم وأطلق ومضات ضوئية لإبعاد الأطفال الذين اقتربوا منه.
كما وردت تقارير متفرقة من مدينتي إيبو وميري، حيث زعم شهود رؤية كائن صغير يرتدي لباساً أبيض ويحمل أداة تشبه أداة لحام، وكان يحاول قطع سياج معدني. وفي ميري أيضاً تحدثت روايات عن مشاهدة مجموعة من هذه الكائنات الصغيرة تسير معاً على شاطئ البحر، في مشهد غريب عزز لدى البعض الاعتقاد بوجود "بعثات استكشافية مصغرة" مرتبطة بالأطباق الطائرة.
حادثة 1976
بحلول عام 1976، ظهرت قصة أخرى بالقرب من قاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي الماليزي قرب كوانتان. حيث وصف طفل كائناً صغيراً بني اللون، له هوائيات على رأسه، ويحمل قضيباً معدنياً مع سلاح صغير على خصره. وقد فُسرت هذه الرواية لاحقاً على أنها استمرار للنمط ذاته من المشاهدات التي ربطت بين الكائنات الدقيقة والأجسام الطائرة الصغيرة.
تصاعد الروايات أواخر السبعينيات
في أواخر السبعينيات، أخذت بعض التقارير طابعاً أكثر حدة، إذ ذكر بعض الشهود أنهم تعرضوا لعمى مؤقت بسبب ومضات ضوئية، بينما قيل إن طفلاً أصيب بشلل مؤقت في ذراعه بعد تعرضه لشعاع ضوئي من أحد تلك الكائنات.
ورغم غرابة هذه الروايات، فإنها تشترك في سمة متكررة، وهي أن الكائنات بدت وكأنها تتصرف بطريقة دفاعية عندما يحاول أحد الإمساك بها أو الاقتراب منها كثيراً.
آخر حادثة بارزة: 1985
أما آخر حادثة بارزة في هذه السلسلة، فتنسب إلى عام 1985 في مدينة باكا، حيث أفاد طلاب أنهم رأوا مجموعة من الكائنات الصغيرة قرب كومة من الأخشاب داخل مدرسة. وعندما حاول أحدهم لمس أحد تلك الكائنات، أطلق الأخير ومضة ضوئية سببت تهيجاً قوياً في يد الطفل. وبعد هذه الواقعة، خفت البلاغات تدريجياً، ولم تعد تظهر تقارير مماثلة على نطاق واسع.
بين الأسطورة والظاهرة
أصبحت هذه الأحداث تُعرف في أدبيات الأجسام الطائرة المجهولة بوصفها واحدة من أكثر "الموجات" ندرةً من حيث عناصرها: أطباق طائرة صغيرة جداً، كائنات بشرية دقيقة الحجم، شهود معظمهم من الأطفال، وتكرار وقوع المشاهدات داخل البيئات المدرسية.
ومع ذلك، تبقى هذه الروايات ضمن إطار التقارير الشعبية، ولم تُثبت صحتها علمياً أو تُدعّم بأدلة مادية قاطعة، مما جعلها موضوعاً للنقاش بين من يراها ظاهرة غامضة حقيقية، ومن يفسرها كحالات إدراك جماعي أو أساطير مدرسية انتشرت في تلك الفترة.
تعقيب كمال غزال
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا كان معظم من رأوا تلك المخلوقات أطفالاً دون غيرهم ؟ فخيال الأطفال واسع بطبيعته، وهم أكثر قابلية للتأثر بأقرانهم، ما قد يفتح الباب أمام ظواهر مثل العدوى السلوكية أو الهستيريا الجماعية داخل البيئة المدرسية. كما أن غياب الأسماء الكاملة، والتوثيق الرسمي، والتقارير الطبية أو الأمنية المفصلة، يضعف القيمة الإجرائية للروايات.
نحن أمام شهادات شفهية متكررة، لكنها غير مدعومة بأدلة مادية أو سجلات تحقيق موثقة ، بل إن وصف الكائنات وهيئتها المصغرة يثير تساؤلاً إضافياً حول مدى تأثر المخيلة الطفولية بعالم الألعاب والدمى. لذلك تبقى هذه الحوادث أقرب إلى موجة قصص مدرسية جماعية منها إلى ملف موثق ضمن قضايا الأجسام الطائرة المجهولة.