في الجزائر - بلد المليون شهيد - لا تأتي حكايات “الأماكن المسكونة” دائماً من قصورٍ مهجورة أو بيوت منعزلة في أطراف المدن. بعض هذه الحكايات يرتبط بأماكن موثقة تاريخياً، شهدت فصولًا قاسية من العنف خلال فترة الاستعمار الفرنسي، خصوصاً في سنوات حرب التحرير بين 1954 و 1962.
هناك مبان كانت يوماً مساحات سكنية أنيقة أو مزارع هادئة أو مؤسسات رسمية، لكنها تحولت إلى مراكز احتجاز واستجواب، ارتبط اسمها لاحقاً بذاكرة الألم ، وبعد الاستقلال ، بقيت قائمة في النسيج العمراني، إلا أن حضورها في المخيلة الشعبية تغيّر، وكأن شيئاً غير مرئي ظل عالقاً في جدرانها.
في هذا المقال ، لا نسعى إلى إثبات وجود أشباح، بل إلى فهم كيف تنتقل الأماكن من التاريخ إلى الأسطورة.
فيلا سوزيني
في قلب العاصمة الجزائرية تقف سوزيني Villa Susini، وهي فيلا استعمارية كانت خلال سنوات الحرب مركزاً للاعتقال والاستجواب. شهادات معتقلين سابقين، ووثائق تاريخية متداولة في الأبحاث الأكاديمية، تحدثت عن ممارسات تعذيب قاسية جرت داخل غرفها. الصعق بالكهرباء، الإيهام بالغرق، والضرب المنهجي، كلها وردت في روايات من عايشوا تلك المرحلة.
بعد الاستقلال، لم تختفِ الفيلا، لكنها تحولت إلى رمز ، ومع مرور الزمن بدأت تتشكل حولها روايات شعبية غير موثقة تتحدث عن أصوات تُسمع ليلاً أو إحساس ثقيل ينتاب بعض الداخلين إليها.
لا توجد دراسات علمية تثبت أي نشاط غير طبيعي في المكان، غير أن الارتباط بين الفيلا وذاكرة العنف جعلها أكثر من مجرد مبنى قديم؛ صارت تمثل صفحة دامية من التاريخ، والرموز الثقيلة كثيراً ما تُحاط بالأساطير.
مزرعة أمزيان
في مدينة قسنطينة ارتبط اسم مزرعة أمزيان Ferme Ameziane بواحد من أشهر مراكز التعذيب خلال الحرب. كانت في الأصل مزرعة، لكنها تحولت إلى فضاء للاعتقال والاستجواب، وتناقلت شهادات ناجين ما حدث داخلها من انتهاكات ،هذه الشهادات حاضرة في الكتابات التاريخية التي تناولت ممارسات التعذيب في تلك المرحلة.
بعد سنوات، لم تعد المزرعة تؤدي دورها السابق، إلا أن اسمها ظل مرتبطاً بالخوف. في الروايات الشفوية المتداولة بين بعض السكان، تُذكر أحاسيس غريبة أو قصص عن أصوات غير مفسرة ، مثل هذه الروايات لا تستند إلى تحقيقات علمية، لكنها تعبر عن أثر الذاكرة في تشكيل صورة المكان. حين يُعرف مبنى بأنه شهد معاناة بشرية قاسية، يصبح من السهل أن يُقرأ أي تفصيل معماري فيه بوصفه علامة غامضة.
سجن سركاجي
من بين المواقع التي لا يمكن تجاهلها سجن سركاجي Serkadji Prison، المعروف في الفترة الاستعمارية باسم “باربروس”. هذا السجن شهد إعدامات واحتجاز مناضلين، وأصبح اسمه جزءاً من سردية المقاومة الجزائرية. وجوده في الذاكرة الوطنية راسخ، إذ ارتبط بمرحلة شديدة الحساسية من تاريخ البلاد.
مع الزمن، ظهرت حوله أيضاً حكايات شفوية تتحدث عن أصوات خطوات في ممرات فارغة أو طرقات على الأبواب الحديدية. هذه القصص لا تدعمها دراسات باراسيكولوجية أو تقارير علمية، لكنها تمثل نمطاً مألوفاً في المجتمعات التي تحمل ذاكرة جماعية جريحة. فالمكان الذي ارتبط بالإعدام أو التعذيب لا يُنظر إليه كحيز معماري فقط، بل كوعاء لذاكرة لم تُمحَ.
لماذا تتحول أماكن التعذيب إلى “أماكن مسكونة” ؟
عندما يرتبط موقع ما بالعنف الشديد، تتكوّن حوله طبقة نفسية كثيفة. الإنسان بطبيعته يمنح المعنى للأماكن، خصوصاً تلك التي شهدت صدمات. إذا دخل شخص إلى غرفة يعرف أنها كانت مسرحاً للتعذيب، فإن إدراكه الحسي لن يكون محايداً؛ كل صدى صوت، وكل تغير في درجة الحرارة، قد يُفسَّر في ضوء المعرفة المسبقة. هذا التفاعل بين التاريخ والوعي الفردي يولّد أحياناً إحساساً بما يشبه “الحضور الخفي”.
العمارة الاستعمارية نفسها تسهم في ذلك. الممرات الطويلة، النوافذ العالية، الفراغات الواسعة التي تعكس الصوت، كلها عناصر قادرة على خلق مؤثرات سمعية وبصرية غير مألوفة، خصوصاً في الليل. وعندما تُضاف إليها قصة قديمة عن الألم، يتحول التفسير الطبيعي إلى سردية غامضة.
هناك أيضاً بعد رمزي. فكرة أن الأرواح لا تغادر مكان الظلم بسهولة تمنح الضحايا حضوراً مستمراً في الوعي الجماعي. في هذا السياق، لا تكون “الأشباح” كائنات بالضرورة، بل تعبيراً رمزياً عن ذاكرة تطالب بالاعتراف.
هل حان وقت التحقيق الميداني ؟
حتى اليوم، لا توجد دراسات علمية أو تقارير موثوقة تثبت نشاطاً خارقاً في فيلا سوزيني أو مزرعة أمزيان أو سجن سركاجي. المتاح لنا هو توثيق تاريخي لأعمال التعذيب، وشهادات بشرية محفوظة في كتب وأبحاث. أما القصص عن أصوات وظلال وأحاسيس، فهي جزء من الرواية الشفوية الشعبية.
إذا كانت هذه الأماكن قد تحولت إلى فضاءات “مسكونة”، فلماذا لا تُخضع لتحقيق علمي منظم على غرار الجولات التي يقوم بها صائدو الأشباح في الغرب، ولكن بروح بحثية صارمة لا استعراضية ؟
يمكن تصور فريق متعدد التخصصات يضم:
- باحثاً في التاريخ لتقديم السياق الدقيق للموقع.
- أخصائي علم نفس لفهم تأثير التوقعات المسبقة على الإدراك.
- مهندس صوتيات لتحليل الصدى والترددات المنخفضة (Infrasound).
- تقنيين مزودين بأجهزة قياس المجال الكهرومغناطيسي، وكاميرات حرارية، ومسجلات صوت عالية الحساسية.
ليلة واحدة داخل مبنى مثل فيلا سوزيني أو محيط سجن سركاجي — بعد الحصول على التصاريح القانونية — قد تتحول إلى تجربة توثيقية فريدة: هل الأصوات مجرد تمدد حراري في الجدران ؟ هل البرودة المفاجئة نتيجة تيارات هوائية مخفية ؟ أم أن هناك ظواهر لم تُفسَّر بعد ؟
الأهم أن يكون الهدف فهم الظاهرة لا إثباتها مسبقاً ، بل إن الفكرة قد تتطور إلى مشروع إعلامي جاد: برنامج تلفزيوني جزائري أو عربي يجمع بين التحقيق التاريخي والتجربة الميدانية، ويعيد قراءة أماكن الذاكرة المؤلمة بمنهج علمي يحترم الضحايا ولا يستثمر الألم لأجل الإثارة.
سيكون برنامجاً يقف عند الحد الفاصل بين الوثائقي والبحث الماورائي، فيسأل الأسئلة التي يتجنبها كثيرون:
هل المكان يحمل طاقة نفسية متراكمة ؟ أم أن الإنسان هو من يمنح الحجر ذاكرته ؟
مثل هذا المشروع، إذا جرى تنفيذه بجدية، قد لا يكشف عن أشباح… لكنه سيكشف بالتأكيد عن شيء أعمق: كيف يعمل وعينا حين نقف أمام تاريخ لم يهدأ بعد.
وختاماً ، أماكن التعذيب في الجزائر زمن الاستعمار الفرنسي حقيقة تاريخية موثقة، تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الوطنية. أما تحول بعضها إلى مواقع تُروى عنها حكايات مسكونة، فهو امتداد طبيعي لتفاعل الإنسان مع الألم غير المحسوم.