تروي الكتب المقدسة قصة مفصلية في تاريخ الرسالات، حين خرج نبي الله موسى عليه السلام ببني إسرائيل هاربين من بطش فرعون وجنوده، بعد سنوات طويلة من الاستعباد والقهر في أرض مصر. لم يكن الخروج رحلة عادية، بل كان نجاة أخيرة، إذ وجد القوم أنفسهم محاصرين بين جيشٍ يطاردهم من الخلف، ومسطحٍ مائيٍ عظيم يقف عائقاً أمامهم. عند تلك اللحظة الحرجة، وقعت المعجزة التي شكلت أحد أعظم مشاهد الخلاص في الذاكرة الدينية: انشقاق البحر، فكان طريقاً للنجاة لقوم موسى، ومصير هلاك لجيش فرعون.

تُعد حادثة  “انشقاق البحر” أو شقّ البحر/فلق البحر  من أكثر الوقائع حضوراً في الوعي الديني اليهودي-المسيحي-الإسلامي. في القرآن الكريم تُقدم بوصفها آية إلهية فاصلة تجلّى فيها النصر الإلهي والعدل، وفي التوراة تأتي ضمن سرد الخروج، بما يحمله من دلالات عقدية وتاريخية عميقة تتجاوز الحدث ذاته إلى معنى الحرية والاختيار الإلهي ، ومع تطور الدراسات الحديثة، لم تعد الأسئلة مقتصرة على "ماذا حدث ؟ " بل امتدت إلى "كيف يمكن أن يكون قد حدث؟ " .

برزت أبحاث لغوية مقارنة وإعادة لقراءة الخرائط التاريخية لشمال مصر وسيناء إضافة إلى نمذجة الظواهر المناخية والهيدروديناميكية، وبالنتيجة كانت محاولات علمية تسعى إلى تفسير الحدث من زاوية مختلفة:

- هل كان انشقاق البحر خرقاً مباشراً لقوانين الطبيعة ؟

- أم ظاهرة طبيعية نادرة، استثمرت في توقيت بالغ الدقة فبدت - بحق -  معجزة ؟

- أم أن السرد ذاته خضع عبر القرون لتطور لغوي ورمزي ؟

هذا المقال لا يتبنى نظرية بعينها، ولا يسعى إلى نزع الطابع الإيماني عن المعجزة، بل يعرض نظرية "بحيرة القصب" كما طرحها باحثون ومؤرخون وعلماء في العصر الحديث، ويستعرض أدلتها واعتراضاتها، مع التأكيد على حقيقة جوهرية :

المعجزة – في تعريفها الإيماني – ليست ملزمة بالانسجام مع القوانين الفيزيائية، وقد تناقضها أو تتجاوزها أصلاً. وما يقدمه العلم هنا ليس تفسيراً نهائياً، بل محاولة لفهم ما ورد في النصوص المقدسة من زاوية معرفية، مع بقاء الإيمان بالحدث في جوهره شأناً عقدياً خالصاً…والله أعلم بما جرى على الحقيقة.

نظرية «بحيرة القصب» في عبور البحر

تبدأ قصة الخروج بالإشارة إلى «يم سوف» Yam Suf بالعبرية، وهي العبارة التي تعني حرفياً "بحر القصب" أو "بحر الأعشاب"، لا "البحر الأحمر". يقترح بعض العلماء أن الترجمة الشائعة «البحر الأحمر» كانت خطأ تاريخياً، وأن الموقع الفعلي لعبور موسى وبني إسرائيل كان شريطاً مائياً ضحلاً شمال مصر، ضمن نظام بحيرات ساحلية مثل بحيرة بلّاح أو بحيرة البردويل (البحيرات المُرة).

خطأ في الترجمة

يؤكد المختصون اللغويون أن كلمة يم سوف في التوراة تعني حرفياً “بحر القصب” أو الأعشاب. ففي تفسير سفر الخروج ورد أن الله قاد بني إسرائيل إلى «يم سوف» وليس إلى البحر الأحمر بعينه. 

فعلى سبيل المثال، ترجمت بعض الطبعات الحديثة للتوراة العبري «يم سوف» إلى “بحر القصب” مباشرة. ورغم أن الترجمة التقليدية (كما في الترجمة اليونانية السبعينية واللاتينية والإنجليزية اللاحقة  Red Sea  بينما هي ف يالواقع Reed Sea  أي بحر القصب) اعتمدت على “البحر الأحمر”، فإن الأبحاث اللغوية تقول إن المقصود كان على الأرجح بحيرات ضحلة أو مصبات نباتية شمال سيناء (مثل بحيرة بلّاح) وليس خليج السويس العميق.

الموقع الجغرافي المحتمل للعبور

يقترح بعض الباحثين أن معجزة شق البحر حدثت عند أحد هذه المسطحات المائية الضحلة، لا في عمق البحر الأحمر ، توحي الأدلة الجغرافية القديمة بأن طريق الفرار من مصر مرّ عبر الدلتا شرقي نهر النيل نحو وادي الطمي (وادي التماليت)؛ فالمسجد «رعمه» أو رامسيس (مخيم «بر راعسيس» في سفر الخروج) يتطابق مع مدينة قانتير الأثرية في دلتا النيل. ومن هناك اتجهوا إلى “إيثام على طرف البرية” ثم استقروا عند بيّح هاهيروث بين “مجدول والبحر مقابل بعل-صبون”. يُفهم من هذا الوصف أن المكان كان في الجانب الشمالي الشرقي للشبه الجزيرية، حيث توجد بحيرات مالحة ضحلة، وليس داخل مياه البحر الأحمر العميقة جنوباً.

في الواقع، كان ما يعرف بـ«مضيق السويس» القديم منطقة منخفضة فيها عدة بحيرات مالحة موصولة – منها بلّاح وتمساح والبحيرتان المرة (الصغيرة والكبيرة). وقد وجدت الدراسات الجيولوجية والآثارية أن المصريين القدماء استخدموا اسماً مرجعياً لهذه المنطقة يتضمن كلمة «قصب» Twf التي تعني بالهيروغليفية “قصب البردي”. يلاحظ عالم المصريات جيمس هوفماير أن العلامة p3 twfy («البحر المليء بالقصب») تشير تحديداً إلى بحيرة بلّاح على الحدود الشرقية لمصر، ويتطابق ذلك مع المقابلة العبرية yam suph في سفر الخروج. وبحسب رأيه، فإن منطقة خور القناة الحالية عند شبه جزيرة السويس كانت قريبة من مصب بحيرة بلّاح قديماً، ولذلك يرى البعض أن «نهاية بحيرة بلّاح الشمالية» كان الموقع الأرجح لعبور بني إسرائيل.

نمذجة علمية لظاهرة انحسار المياه

استخدم باحثون مثل كارل دروز Carl Drews نماذج حاسوبية لدراسة كيف يمكن لرياح قوية مُتّجهة من الشرق دفع المياه عن شريط ضحل من البحر. في دراسة منشورة عام 2010 أجرى دروز مع زميله Weiqing Han تمثيلًا لموقع بحيرة قديمة تسمّى «بحيرة تانيس» المدخلة في دلتا النيل الشرقية. تحت رياح شرقية بسرعة ~28 متر/ث (≈100 كم/س)، أظهرت المحاكاة انحسار مياه يصل إلى 2 متر عمق، تاركاً ممراً رملياً بطول 3–4 كم وعرض ~5 كم مكشوفاً مدة نحو 4 ساعات. 

وفي نسخة إعلامية للمركز الوطني للأبحاث الجوية (NCAR)، أوضح دروز أن رياحاً تعادل ~63 ميل/س (100 كيلومتر) استمرت 12 ساعة يمكنها دفع مياه بقياس 6 أقدام (حوالي 2 متر) بعيدًا عن الكيلومترات النهائية للحوض، فتكشف سبخة صالحة لعبور المشاة. وقد كان هذا التوقيت محدوداً – فالرياح الضعيفة لاحقاً تسمح بتدفق مفاجئ للمياه وإغراق ما بقي على مسار الطين كما سيأتي.

النتائج تتطابق بشكل لافت مع وصف الخروج: إذ تكون المياه على جانبي الممر مكدسة كجدارين. وكما لاحظت تقارير علمية أخرى، فإن ظاهرة ”انحسار المياه بفعل الرياح” (Wind Setdown) مسجلة تاريخياً – فحدث في القرن التاسع عشر أن رياحاً عاتية في دلتا النيل دفعت نحو خمسة أقدام من الماء بعيداً عن الشاطئ وكشفت أرضاً صالحة عبرها الناس دون علم.

غرق جيش فرعون في المياه الضحلة

قد يخطر سؤال: كيف يمكن لجيش كامل أن يغرق في بضع بوصات أو أقدام من المياه ؟ لكن دروز وزملاءه يجيبون بأن الديناميكية الفيزيائية لعبت دوراً حاسماً. فحين يزول أثر الريح، تدفع المياه فجأة عائداً بسرعة قد تشبه مداً مفاجئاً (Tidal Bore). يصف تقرير NCAR ذلك قائلاً: «ما إن تهدأ الرياح، حتى تعود المياه مسرعة كما لو أنها موجة مدية؛ وأي شخص يبقى على الطين المكشوف يكون عرضة للغرق». وبمعنى آخر، فإن جدار الماء الذي تراجَع فجأة يمكن أن يخلق تيارات عنيفة تقلب العربات والأحصنة، أو يؤدي إلى تسلل الماء أسفل أقدام الماشية والإنسان (كما يحدث أحيانًا مع الطين المشبع والمستنقعات). ليس الماء العميق شرطاً وحيداً للغرق الجماعي، خصوصاُ إذا جاءت عاصفة عكسية مفاجئة تضرب السهول القديمة.

المعجزة والعلم: التكامل لا التناقض

تؤكد الأبحاث الحديثة أن المشهد الذي تصفه التوراة محتمل في إطار قوانين الطبيعة، لكن ذلك لا ينقص من قدسية الحدث عند المؤمنين. فكما يقول دروز عن دراسته: «ما تبيّنه هذه الدراسة هو أن وصف انشقاق المياه في الواقع له أساس في القوانين الفيزيائية». أي أن الله سبحانه وتعالى قد استخدم وسيلة طبيعية (ريحاً قويةً موقوتة) لتجسيد المعجزة في الوقت المناسب. وفي النهاية، الإيمان بمعجزة شق البحر لا يعتمد على تفسير علمي بقدر ما يقوم على التدبير الإلهي والغاية الروحية للقصة.