في منتصف القرن التاسع عشر، وفي ريف نورماندي بفرنسا، ظهرت حالة حيرت العلماء والعامة على السواء: فتاة مراهقة من الفلاحين بدت وكأن جسدها يولد تأثيرات غير عادية تشبه الكهرباء أو قوة خفية تدفع وتجذب الأشياء. هذه الفتاة عُرفت لاحقاً باسم أنجليك كوتان Angélique Cottin، ولقبت في الصحافة العلمية بـ“الفتاة الكهربائية”.
الخلفية التاريخية
وقعت الأحداث عام 1846 في قرية قرب بلدة مونتاني Montagne. كانت أنجليك تعمل مع فتيات أخريات على النول، مساء 15 يناير، عندما بدأ النول يهتز بعنف كأنه يتحرك بقوة غير مرئية. تدخل كاهن الرعية أولًا ظنًا بوجود ممارسات محرّمة، لكن أسرة الفتاة رأت في الأمر فرصة، فنقلوها إلى باريس لعرضها على الأطباء والعلماء.
هناك لفتت انتباه الطبيبة الدكتورة تانشو Tanchou التي بدأت مراقبة الظاهرة منهجيًا، ثم أبلغت العالم الشهير فرانسيس أراغو François Arago الذي أخضعها لتجارب إضافية في مختبره.
طبيعة الظواهر المزعومة
وفقًا للتقارير الطبية والعلمية المعاصرة كانت الأجسام الخفيفة جداً (كرات من نخاع النبات أو ريش معلق بخيط حرير) تنجذب أو تتنافر عند اقترابها من جسد الفتاة، كما لو كان هناك مجال كهربائي ، استطاعت الفتاة باللمس فقط تمييز قطبي المغناطيس ، وكانت البوصلة تنحرف عند وجودها قريباً منها ، وكانت قطع أثاث ثقيلة وحتى السرير الذي ترقد عليه تهتز أو تنزلق بمجرد لمسها، أحياناً أمام شهود وفي وضح النهار ، كان يستشعر الأشخاص أحياناً بنسيم بارد قربها أثناء النوبات.
كما ورد في تقارير الباحث لافونتين أن لهب شمعة كان ينحني جانباً عندما اقترب معصمها الأيسر منها، كأن هواء ثابتاً يدفعه.
توقيت ومكان انبعاث القوة
كانت الظاهرة تبلغ ذروتها بين الساعة السابعة والتاسعة مساء ، بدا أن “القوة” تنبع من الجهة الأمامية لجسدها، خصوصاً من المعصم الأيسر والمرفق، حيث كان الجلد هناك أدفأ من بقية الجسم.
أغرب ما لوحظ
- إذا عُزلت عن الأرض أو جلست على الزجاج أو الحرير المدهون أو الشمع، تتوقف الظاهرة تماماً.
- كانت تصاب بذعر شديد أثناء النوبات، وتحاول الابتعاد عن الأشياء.
- ظهرت عليها أعراض جسدية واضحة مثل تشنجات عضلية، حساسية مفرطة، وتسارع ضربات القلب حتى 120 نبضة في الدقيقة.
- قيل إن طاولة وزنها نحو 30 كغ (60 رطلاً) يمكن أن ترتفع بمجرد لمس مريلتها.
شهادات العلماء والشكوك
الدكتورة تانشو، إلى جانب بعض الباحثين، اعتبرت أن ما يحدث هو تجل لقوة غير معروفة فيزيائياً في ذلك الوقت أما آراغو، فرغم اهتمامه، ظل متحفظاً ولم يعلن تفسيراً قاطعاً.
لاحقاً، في أواخر القرن التاسع عشر، قورنت هذه الظاهرة بحالات الوسطاء الروحيين، خصوصاً الوسيطة الإيطالية أوسابيا بالادينو Eusapia Palladino، التي نُسبت إليها حركات أثاث وانبعاث “قوى” مشابهة أثناء الجلسات الروحية.
الباحث البريطاني فرانك بودمور، عند تحليله لقضية كوتان، لاحظ تشابهاً مثيراً للريبة:
- عندما كان الكرسي يُقذف بعيداً، كان جسد الفتاة يقوم بحركتين سريعتين جداً ، الأولى نحو الكرسي، والثانية بعكس الاتجاه، بسرعة تكاد لا تُرى بالعين المجردة… ما يفتح باب الشك في أن القوة عضلية لا خارقة.
التفسيرات المحتملة
1- تفسير فيزيائي بدائي
في أربعينيات القرن التاسع عشر، كانت الكهرباء ظاهرة غامضة نسبياً للعامة، لذلك بدا تفسير “الفتاة الكهربائية” جذاباً ومقنعاً اجتماعياً.
2- تفسير نفسي-عصبي حديث
يرى باحثون معاصرون أن الحالة قد تكون شكلاً من الهستيريا التحويلية أو نوبات عصبية مصحوبة بتشنجات أو استجابات عضلية لاواعية قوية تؤدي إلى تحريك الأثاث أو حتى تضخيماً اجتماعياً للحادثة بسبب التوقعات المسبقة والفرجة الجماعية.
3- احتمال الخداع غير الواعي
ليس بالضرورة خداعاً متعمداً، بل جملة من العوامل مثل حركات جسدية سريعة جداً ، تأثير التوتر والخوف على العضلات ، رغبة المحيطين في استمرار الظاهرة لما لها من فائدة مادية أو شهرة.
القيمة العلمية والتاريخية للقصة
قصة أنجليك كوتان مهمة لأنها تكشف كيف يتعامل المجتمع مع الظواهر غير المألوفة عندما يسبق الخيالُ العلمَ وكيف كان العلماء يحاولون تفسير الغريب دون أدوات دقيقة كأدوات اليوم وهي تكشف كذلك عن جذور الربط بين الظواهر الجسدية والروحانية في القرن التاسع عشر ، فهي حالة تقف على الحد الفاصل بين: الفيزياء البدائية والطب العصبي والفولكلور الشعبي وبدايات علم النفس المرضي.
وختاماً ، ليست قصة أنجليك كوتان مجرد حكاية فتاة “خارقة”، بل مرآة لمرحلة تاريخية كان فيها الإنسان يبحث عن معنى لكل ما يدهشه، حتى لو بدا مخالفًا للمنطق.
سواء كانت قوة غامضة حقيقية، أو اضطراباً عصبياً، أو مزيجًا من الاثنين معاً، فإنها تظل واحدة من أشهر الحالات التي سجلها تاريخ “القدرات غير العادية” في أوروبا الحديثة.