في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، هناك كتب لا يمكن حشرها في خانة واحدة: ليست فقهاً، ولا علماً خالصاً، ولا أدباً محضاً. كتاب البلهان واحد من هذه الأعمال المربكة، التي تقف على الحد الفاصل بين المعرفة والتخييل، وبين الرغبة في الفهم والانجذاب إلى الغرابة. كتابٌ صُنف ضمن “كتب العجائب”، لكنه في حقيقته مرآة لذهنية عصرٍ كامل، أكثر مما هو دليل شعوذة أو كتيّب سحر.
ما هو كتاب البلهان ؟
كتاب البلهان مخطوط عربي مصور يعود إلى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، نُسخ في بغداد في زمن الدولة الجلائرية، ويُنسب جمعه وتنظيمه إلى عبد الحسن الأصبهاني. لا نملك نصاً “مؤلفاً” بالمعنى الحديث، بل تجميعاً واعياً لمعارف متفرقة: فلك، تنجيم، حكايات، عجائب جغرافية، صور للأنبياء والملوك والجن والكائنات الغريبة ، الاسم نفسه – البلهان – يُحيل إلى الذهول والدهشة، لا إلى الجنون. وكأن واضع الكتاب يعلن منذ البداية أن القارئ مقبل على عالم خارج المألوف.
كتاب أم مكتبة مصغرة ؟
لا يسير البلهان على نسق سردي واحد، بل يتكون من وحدات مستقلة، لكل واحدة عالمها الخاص:
1- الفلك والتنجيم
يضم رسوماً للكواكب والأبراج، ودوائر فلكية متأثرة بتراث أبي معشر البلخي. هنا لا نتحدث عن “سحر” بالمعنى الشعبي، بل عن علم فلك-تنجيمي كان يُعد آنذاك معرفة معتبرة، تُستخدم لفهم المصائر والأزمنة وتأثير النجوم.
2- الجغرافيا العجائبية
يأخذنا الكتاب إلى أطراف العالم المتخيل: جزر بعيدة وأمم غريبة وأماكن لا تظهر على أي خريطة واقعية ، وأشهرها جزر الواق واق، حيث تنبت – بحسب الرواية – ثمار على هيئة رؤوس نساء تصرخ “واق واق” عند نضجها. هذا النوع من السرد لم يكن للتسلية فقط، بل لملء “فراغ المجهول” في خرائط ذلك الزمن.
3- الأنبياء والملوك
نجد صوراً لـ: الإسكندر الأكبر ، النبي سليمان ، النبي داود وشخصيات أسطورية ونصف-تاريخية ، وهذه الصور لا تُقدم بوصفها أيقونات دينية، بل كجزء من سرد كوني واسع، يربط التاريخ بالأعاجيب.
4- الجن والكائنات غير البشرية
هنا يبرز أكثر ما جعل الكتاب مثيراً للريبة لاحقاً:
- ملوك الجن المرتبطون بأيام الأسبوع
- شياطين ملوّنة بأسماء وهيئات محددة
- كائنات نصفها إنساني ونصفها حيواني
لكن اللافت: لا توجد تعويذات ولا طرق استحضار. الصور وصفية، لا إجرائية.
الرسوم: قلب الكتاب الحقيقي
لو أُزيل النص وبقيت الرسوم، لما فقد كتاب البلهان جوهره. فالرسومات ليست توضيحية، بل تأسيسية؛ هي اللغة الأولى التي يخاطب بها المخطوط قارئه. مخلوقات بوجوه غير مألوفة، شياطين ملونة، ملوك للجن، مناظر لمدن بعيدة وأساطير جغرافية، كلها مرسومة بأسلوب بسيط لكنه شديد الحضور. هذه الرسوم لا تحاول إخافة المتلقي، ولا إقناعه بواقعية ما يراه، بل تعرض الغيب بوصفه “ قابلًا للتصوير ”. وهنا تكمن جرأة البلهان: إنه يحول المجهول إلى صورة، ويمنح اللامرئي شكلاً يمكن النظر إليه طويلًا دون رعب.
هل هو كتاب سحر؟
هذا السؤال هو أكثر ما طارد كتاب البلهان عبر القرون، وربما أكثر ما أُسيء فهمه بسببه. فالكتاب لا يحتوي على وصفات، ولا تعاويذ، ولا تعليمات لاستحضار الجن أو تسخيرهم. لا نجد فيه خطاب الساحر، بل خطاب الراصد. الجن حاضرون فيه بوصفهم جزءاً من نظام كوني، لا كأدوات في يد الإنسان ، قد يخلط البعض بين البلهان وكتب مثل شمس المعارف، رغم الفارق الجوهري: شمس المعارف كتاب ممارسة، أما البلهان فكتاب مشاهدة.
الفرق بين البلهان وكتب السحر العملي أن الأول يصف العالم الغيبي كما يُتخيل، بينما الثانية تحاول التدخل فيه. ولهذا فإن إدراجه ضمن “كتب الشعوذة” هو إسقاط متأخر ونابع من خوف حديث من كل ما يتصل بالغيب المصور.
البلهان في نظر المستشرقين
حين وقعت أعين المستشرقين على مخطوط البلهان، لم يقرأوه بوصفه كتاب جنّ، بل بوصفه وثيقة ثقافية نادرة. ما شد اهتمامهم لم يكن غرابة المخلوقات فحسب، بل الطريقة التي رُتب بها الكون داخل المخطوط. رأوا فيه دليلًا على عقلٍ جمع بين الإرث اليوناني والفارسي والإسلامي، وأعاد صهره في شكل بصري فريد. الدراسات الحديثة تعاملت مع البلهان باعتباره مفتاحاً لفهم المخيلة الإسلامية قبل الحداثة، لا بوصفها مخيلة “خرافية”، بل مخيلة تشتغل على سدّ فجوات المعرفة بالتصوير والسرد.
"كتاب البلهان" دليل على كيف كان المسلم في العصور الوسطى يتصور العالم وشاهد على تداخل العلم بالأسطورة ، ولهذا حُفظت نسخه في مكتبات كبرى، أهمها مكتبة بودليان في أكسفورد، مع نسخ عثمانية لاحقة أعادت ترتيب محتواه وأضافت إليه.
لماذا عاد الاهتمام به اليوم؟
عودة الاهتمام بـ كتاب البلهان في العقود الأخيرة لا ترتبط فقط برقمنة المخطوطات أو سهولة تداول الصور، بل بتغير نظرتنا نفسها إلى الماضي. القارئ المعاصر، الذي يعيش في عالم مفرط في العقلنة، يجد في البلهان نافذة على زمن لم يكن يخجل من تخيل المجهول. كما أن الثقافة الشعبية الحديثة، المهووسة بالأساطير والعوالم الموازية، أعادت اكتشاف هذا النوع من الكتب بوصفها مصادر إلهام، لا كتب إيمان أو ممارسة. وهكذا عاد البلهان من أرشيف المكتبات إلى فضاء النقاش الثقافي.
وفي الختام، ليس كتاب البلهان أثراً هامشياً في التراث، ولا فضولاً بصرياً عابراً. إنه شهادة على مرحلة تاريخية كان فيها الغيب جزءاً من التفكير في العالم، لا نقيضاً له. يمثل محاولة الإنسان المسلم الوسيط لفهم ما لا يُفهم، عبر الرسم والحكاية والتجميع. هو كتاب عن الجن، نعم، لكنه قبل ذلك كتاب عن الإنسان حين يقف أمام المجهول، فيرسمه بدل أن ينكره ، ولهذا، فإن البلهان لا يخبرنا كثيراً عن الجن بقدر ما يخبرنا عنا.
ليس كتاب البلهان دليلاً للاتصال بالجن، ولا موسوعة سحر، ولا مجرد كتاب قصص ، إنه عمل فني نادر جمع العلم والأسطورة والرسم في جسد واحد وهو – قبل كل شيء – شاهد صامت على سؤال قديم:
كيف نفهم العالم حين لا نملك أدوات تفسيره ؟
هذا السؤال… هو روح كتاب البلهان.