في مطلع ستينيات القرن الماضي، رصد الفلكي البولندي الأسترالي  أنطوني بريزبيالسكي Antoni Przybylski نجماً بدا عادياً في موقعه داخل كوكبة قنطورس، لكنه لم يكن عادياً في بصمته الكيميائية. هذا الجرم، المعروف اليوم باسم "نجم بريزبيالسكي" تحول إلى أحد أكثر الأجسام إثارة للجدل في الفيزياء الفلكية الحديثة.

يبعد النجم نحو 350 سنة ضوئية عن الأرض، وتبلغ كتلته قرابة مرة ونصف كتلة الشمس، ويُصنف ضمن نجوم Ap، وهي فئة معروفة بخصائصها الكيميائية غير المألوفة. إلا أن ما رُصد في طيف هذا النجم تجاوز حدود “الشذوذ” المعتاد.

عند تحليل الضوء الصادر منه عبر التحليل الطيفي، ظهرت وفرة كبيرة من عناصر أرضية نادرة مثل النيوديميوم واليوروبيوم والبراسيوديميوم. حتى هنا، يمكن تفسير الأمر ضمن خصائص نجوم Ap. 

لكن المفاجأة الحقيقية تمثلت في ظهور خطوط طيفية نُسبت إلى عناصر أثقل من اليورانيوم، بعضها لا يملك في المختبرات الأرضية سوى نظائر قصيرة العمر للغاية. هذه النظائر تعيش أحياناً دقائق أو سنوات قليلة فقط، بينما عمر النجم يُقدر بمليار سنة أو أكثر. هنا بدأ اللغز الحقيقي.

كيف يمكن لعنصر عمره الافتراضي قصير جداً أن يوجد في غلاف نجم قديم نسبياً ؟

هل هو مكب نفايات لحضارات متقدمة ؟

خارج الإطار العلمي، ظهرت تكهنات مثيرة تتحدث عن احتمال أن يكون النجم موقعاً لتخلص حضارة متقدمة من نفايات نووية. هذه الفكرة جذبت الانتباه إعلامياً، لكنها لا تستند إلى أي دليل رصدي أو نظري جاد، ولا تحظى بقبول في الأوساط العلمية. الظواهر المرصودة يمكن - من حيث المبدأ -  تفسيرها بعمليات فيزيائية معروفة، وإن لم تكن مفهومة بالكامل بعد.

تفسيرات متعددة

التفسير الأول الذي اتجه إليه العلماء لا يتضمن خرقاً لقوانين الفيزياء، بل يعتمد على فيزياء النجوم ذات المجالات المغناطيسية القوية. نجم بريزبيالسكي يمتلك مجالاً مغناطيسياً شديد الشدة، وهذا المجال قادر على فصل العناصر داخل غلافه الجوي إلى طبقات، فيرتفع بعضها إلى السطح بينما يغوص بعضها الآخر. بمعنى أن ما نرصده من الأرض قد لا يمثل التكوين الكلي للنجم، بل فقط الطبقة التي تسمح لنا برؤيتها.

هناك أيضاً احتمال أن ما نرصده ليس العناصر فائقة الثقل نفسها، بل نواتج تحللها الإشعاعي. إذا احتوى النجم في أعماقه على نظائر ثقيلة نسبياً طويلة العمر، فإن تحللها التدريجي قد ينتج عناصر وسيطة قصيرة العمر، وهي التي تظهر في الطيف. في هذه الحالة، لا تكون العناصر “تتحدى الزمن”، بل نحن نشاهد سلسلة تحلل مستمرة.

اقتراح آخر يستند إلى أحداث كونية عنيفة، مثل انفجار مستعر أعظم أو اندماج نجمين نيوترونيين، وهي عمليات معروفة بإنتاج العناصر الثقيلة عبر ما يسمى بعملية الالتقاط السريع للنيوترونات. من الناحية النظرية، يمكن لنجم أن يمر عبر سحابة غنية بهذه المواد أو يبتلع بقاياها، لكن لا يوجد دليل مباشر يثبت أن هذا السيناريو حدث فعلاً لهذا النجم تحديداً.

من بين أكثر الأفكار إثارة للفضول فرضية “جزيرة الاستقرار” في الفيزياء النووية. هذه الفرضية تتنبأ بوجود عناصر فائقة الثقل ذات أعمار أطول بكثير مما نتوقعه حالياً، تقع في منطقة بعيدة من الجدول الدوري. إذا كان نجم بريزبيالسكي يحتوي فعلاً على مثل هذه النظائر، فقد يكون أول دليل طبيعي على وجودها خارج المختبرات. ومع ذلك، تبقى هذه الفكرة ضمن إطار الاحتمال النظري، إذ إن تفسير الخطوط الطيفية لعناصر بهذا الثقل عملية معقدة، وقد تتداخل فيها تأثيرات أخرى.

إذا قورن هذا النجم بـ نجم تابي  Tabby's Star، الذي اشتهر بتغيرات سطوعه الغامضة، فإن الفارق جوهري. غموض نجم تابي كان مرتبطاً بسلوكه الضوئي، بينما يكمن لغز بريزبيالسكي في بنيته الذرية نفسها. إنه ليس نجماً يخفت ويضيء بشكل غير معتاد، بل نجم يبدو كأنه يحمل مختبراً نووياً في غلافه الجوي.

حتى الآن، لا يوجد ما يؤكد أننا أمام “فيزياء جديدة” بالكامل. لكن المؤكد أن هذا النجم يضع نماذجنا الحالية لتطور النجوم وتوزيع العناصر تحت اختبار حقيقي. إنه يذكرنا بأن الكون ليس مجرد مسرح للأجرام العملاقة، بل أيضاً مسرح للذرات والنوى الثقيلة التي تشكل تاريخ المادة نفسها.

ربما لا يكون نجم بريزبيالسكي أعجوبة خارقة تتحدى العلم، لكنه بلا شك أحد أكثر الأجسام التي تدفع الفيزياء الفلكية إلى حدودها القصوى. وفي عالم “أسرار الكون”، يكفي أن يعيد نجم واحد طرح أسئلة أساسية حول نشأة العناصر ليصبح قصة تستحق أن تُروى.