ظاهرة الشبيه أو التواجد المزدوج تُعرَّف في الثقافة الأوروبية – ثم في الأدبيات النفسية والباراسيكولوجية لاحقاً – بوصفها ظهور نسخة مطابقة لشخص حي، تُرى من قبل الشاهد أو من قِبل آخرين، أحياناً في المكان نفسه وأحياناً في موضع آخر قريب، مع شعور عام بالغرابة والتهديد.
الفارق الجوهري بينها وبين “الشبح” أن الشبيه عادة لا يأتي محمّلاً بحكاية موت سابق، بل يُقدَّم كظلّ حي للإنسان نفسه: وجهه، قامته، لباسه، وحتى حركاته الدقيقة.
ارتبطت الظاهرة في المخيلة الشعبية بسوء الطالع واقتراب النهاية، لكن هذا الربط – رغم شهرته – ليس قاعدة تاريخية ثابتة، بل هو غالباً تأويل فولكلوري تُضاف إليه طبقات من التهويل مع الزمن. وهناك حالات ظلت بلا “خاتمة مأساوية” واضحة، وتحديداً حالة المعلمة الفرنسية إيميلي ساجيه.
قصة إيميلي ساجيه
وقعت الحوادث الأشهر في مدرسة داخلية للبنات قرب مدينة فولمير Wolmar وهي ضمن منطقة تُعرف تاريخياً بـ ليفونيا، وكانت آنذاك ضمن حدود الإمبراطورية الروسية، لكنها تقع اليوم ضمن حدود لاتفيا ، أما الزمن المرجح للأحداث فبين عامي 1845 و1846، وهي فترة قصيرة لكن ممتدة بما يكفي لتكوين “سجل مشاهدات” متكرر، لا حادثة واحدة عابرة.
إذا نزعت عن القصة زينتها الأسطورية، ستجد أن بدايتها شديدة العادية. امرأة فرنسية الجنسية تدعى إيميلي ساجيه تعمل بالتدريس في مدرسة داخلية، وسط بيئة صارمة ومراقبة اجتماعياً، حيث الشائعات تنتشر بسرعة، والخوف من “اللا مألوف” يملك سلطة أكبر من أي تقرير طبي.
كانت إيميلي، بحسب الرواية المتداولة في مصادر القرن التاسع عشر التي حفظت القصة، شخصية هادئة لا تملك سمعة “غامضة”، ولا سلوكاً صدامياً. وهذا عنصر مهم لأن القصص الملفقة عادة تُحمّل بطلها صفات “الغرابة” منذ البداية لتبرير النهاية.
النسخة التي تكتب دون طباشير
أشهر مشهد في القصة، والذي منحها خلودها، حدث أثناء الدرس. كانت إيميلي تكتب على السبورة، وفجأة رأت الطالبات – وربما بعض العاملات – امرأتين متطابقتين تقفان جنباً إلى جنب. الأولى هي المعلمة الأصلية تمسك بالطباشير وتكتب فعلاً، والثانية نسخة مطابقة تماماً، تقلد الحركة نفسها وكأنها تكتب… لكن بلا طباشير، وبلا أثر مكتوب.
قوة هذا المشهد ليست في “الغرابة” وحدها، بل في دقته: التقليد الحركي ليس مجرد ظهور صورة ثابتة أو ظل ضوئي، بل محاكاة متزامنة. هنا نطرح السؤال الأكبر: كيف يمكن لنسخة غير مادية أن تقلد إيماءات عضلية دقيقة أمام جمع ؟ وكيف تتفق عيون متعددة على التفاصيل نفسها ؟
التكرار: عندما يتحول الحدث إلى نمط
لو كانت الواقعة واحدة، لأمكن تفسيرها بسهولة أكبر: اضطراب إضاءة، توتر جماعي، أو خيال جمعي لحظي. لكن ما يجعل قصة ساجيه عنيدة أمام التبسيط هو التكرار. يُقال إن الشبيه ظهر مرات أخرى في غضون أشهر، أحياناً مطابقاً لحركاتها بدقة، وأحياناً بتباين بسيط، كأن النسخة تتأخر جزءاً من ثانية أو تُخطئ في محاكاة إيماءة.
التكرار يقتل “صدفة المشهد” ويولد ما يشبه “سلوكاً ظاهرياً”: أمر يمكن توقعه، وتداوله، والخوف منه. هنا يتحول الشبيه من واقعة إلى نظام داخل المدرسة، ومن “غرابة” إلى “تهديد اجتماعي”.
حضور في الداخل وغياب في الخارج
من أكثر ما يرفع حرارة القصة تلك الواقعة التي تُروى عادة على هذا النحو: بينما كانت المعلمة الأصلية خارج القاعة أو في الحديقة، شوهدت النسخة داخل الصف، جالسة في مكانها المعتاد، كأنها موجودة “بديلاً” عنها.
إذا قبلنا الرواية كما هي، فنحن أمام نقطة مفصلية: الشبيه لا يكتفي بأن يكون ظلاً ملاصقاً للأصل، بل يمكن أن يظهر منفصلاً مكانياً عنه. وهنا تنتقل القصة من “انعكاس” إلى “بديل”؛ من شيء يتبعك إلى شيء يمكنه احتلال مكانك الاجتماعي.
لهذا أثارت القضية فزعاً مضاعفاً: لأنها تهدد فكرة بسيطة لكنها عميقة… أن وجودك واحد، وأن الناس يمكنهم تحديد مكانك بيقين.
الجسد الذي لا يُمس
تبلغ القصة ذروتها حين تحاول الطالبات لمس الشبيه. ما يُنقل عادة أنهن شعرن بمقاومة غريبة، كأن الهواء يصبح أثقل وأبرد عند الاقتراب، بلا ملمس إنساني حقيقي. هذه الجزئية مهمة ليس لأنها تثبت “مادة” للشبيه، بل لأنها تعطي للشهود لغة حسية يتشاركونها، فتنتقل الرواية من مستوى “رأيت” إلى مستوى “شعرت”.
لكن ينبغي التعامل معها بحذر؛ فالإحساس الجسدي الجماعي قد يكون وليد عدوى نفسية، أو خوف متبادل، أو توقع مسبق لما “يفترض” أن يشعرن به. ومع ذلك، تبقى محاولة اللمس عنصراً روائياً قوياً لأنه يجعل الشبيه أقرب إلى “وجود له حدود” لا إلى صورة عابرة.
كيف نفسر ما حدث ؟
يمكن تحليل تلك القصة من عدة زوايا بحسب منطلق التفسير :
الإدراك والبيئة المغلقة
المدرسة الداخلية مكان مثالي لتشكل “الواقع الجماعي”. البيئة المغلقة، سلطة المعلمة، توتر الانضباط، الخوف من العقاب، وقابلية الشائعات للانتشار… كلها تشكل مسرحاً يرفع من احتمال التفسير الإدراكي: أن العقل البشري – حين يسيطر عليه الترقب والخوف قد يرى أنماطاً أكثر مما يوجد فعلًا. لكن هذا لا يشرح بسهولة الدقة الحركية ولا التكرار المنظم ولا اتفاق التفاصيل.
الانفصال النفسي والتوتر
بعض التفسيرات الحديثة تميل إلى أن الظاهرة قد ترتبط بانفصال نفسي أو إرهاق شديد أو توتر عصبي ينعكس على سلوك الشخص ويؤثر في انطباعات الآخرين عنه. غير أن هذا التفسير تصطدم بسؤال بسيط: حتى لو كانت المعلمة تعاني من إرهاق، فكيف يرى الآخرون “نسخة” تقف بجانبها أو تجلس مكانها ؟
“الظل الحي” في الباراسيكولوجي
في أدبيات الباراسيكولوجي، توجد مفاهيم مثل “الانبعاث الصوري” أو “الإسقاط” أو “التشابه الطيفي”، وهي مصطلحات تحاول تسمية ما لا نملك له آلية علمية متفقاً عليها. هذا التفسير مغري لأنه يلائم القصة، لكنه يظل غير قابل للتحقق التجريبي بسهولة، لذلك يبقى تفسيراً سردياً أكثر من برهاناً.
الحقيقة أن قيمة قصة ساجيه تكمن في أنها تقف في المنطقة الرمادية بين التفسيرات الثلاث: لا تتهاوى بالكامل تحت تفسير واحد، ولا ترتقي إلى دليل قاطع على تفسير خارق.
تداخل عوالم موازية أم خلل في المصفوفة ؟
طرحت بعض القراءات الغرائبية تفسيراً مغايراً يقوم على فكرة تداخل العوالم الموازية أو ما يُسمى مجازاً بـ«خلل في المصفوفة»، حيث يُفترض أن الواقع ليس مساراً واحداً مغلقاً، بل طبقات متقاربة قد تتقاطع لحظياً في ظروف نادرة. وفق هذا التصور، قد يظهر الشخص ونسخته من مسار موازٍ في المكان نفسه، مع اختلاف طفيف في الحركة أو درجة الحضور، وهو ما يفسّر الشفافية الجزئية للشبيه وعدم اكتمال اندماجه. غير أن هذا الطرح، رغم جاذبيته الفلسفية، يظل خارج الإطار العلمي القابل للتحقق، ويُستخدم أساساً بوصفه مجازاً لفهم حدود الإدراك البشري أكثر من كونه تفسيراً مثبتاً للظاهرة.
لماذا كانت النهاية مهنية لا ميتافيزيقية ؟
الشائع في قصص الشبيه (الدوبلغنغر) أن النهاية تكون موتاً أو جنوناً أو لعنة. لكن في قصة ساجيه (الأكثر واقعية) كانت “العقوبة” اجتماعية: فقدان الثقة، الذعر، ضغط الأهالي، فتحول حضورها إلى مشكلة إدارية. خصوصاً في مجتمعات القرن التاسع عشر التي ترى أن سمعة المعلمة ليست مجرد شأن شخصي؛ إنها ضمان أخلاقي. أي إشاعة غير قابلة للسيطرة تكفي لتدمير المسار المهني.
لهذا تبدو القصة مؤلمة على مستوى آخر: الشبيه هنا لا يقتل الجسد، بل يقتل الوظيفة، ويُسقط الإنسان من مكانه الطبيعي إلى هامش الشك.
أمثلة أخرى للشبيه المريب
من المفيد الإشارة إلى أن فكرة الشبيه ظهرت في شهادات مختلفة: هناك روايات عن أشخاص يرون أنفسهم من الخارج في لحظات صدمة أو حمى، وروايات أدبية-تاريخية تُنسب إلى شخصيات معروفة تدّعي أن “نسخة” ظهرت لهم قبيل حدث كبير، على سبيل المثال لا الحصر ما رواه الرئيس الأمريكي الراحل إبراهام لينكولن أنه بعد انتخابه عام 1860 رأى في المرآة انعكاسين لوجهه، أحدهما شاحباً كأنه ظل له. فسرت زوجته المشهد كنذير مزدوج، واكتسبت الواقعة دلالتها لاحقاً بعد اغتياله خلال ولايته الثانية.
كما تظهر حالات قريبة من مفهوم “الازدواج الذاتي” في الطب النفسي حيث يشعر الفرد بأن له حضورين أو يرى نسخة منه (وإن كانت تلك الحالات غالباً فردية لا جماعية).
لكن ما يميز قصة ساجي أنها ليست “رؤية داخلية” ولا تجربة شخص واحد، بل سرد يتكئ على تعدد الشهود وتكرار الوقائع داخل مكان محدد.
ماذا بقي لنا من قصة إيميلي ساجي اليوم ؟
قصة ساجيه تعيش لأنها تضرب فكرة بدائية داخلنا: أن الإنسان واحد. وحين يهتز هذا اليقين، ينفتح الباب لأسئلة تتجاوز الخوف: هل الهوية مرتبطة بالجسد فقط ؟ هل وجودنا الاجتماعي يمكن أن يُستبدل ؟ وهل الإدراك الجمعي قد يصنع “واقعاً موازياً” داخل غرفة صف واحدة ؟
قد لا تمنحنا القصة إجابة نهائية، لكنها تقدم شيئاً أندر: سؤالاً جيداً ظل قائماً منذ 1845/1846 حتى اليوم. وربما لهذا بقيت إيميلي ساجيه، لا كضحية شبح، بل كمرآة لحدود ما نعتقد أننا نراه… وحدود ما يمكن للعقل أن يصنعه عندما يتلاقى الخوف مع الجماعة.