منذ قرون، ظل المغرب أرضاً خصبة للأساطير والحكايات المرتبطة بالجن والسحر والكنوز المرصودة، حيث يلتقي المعتقد الشعبي بالتصوف العميق وطقوس الشعوذة، ضمن هذا الموروث يبرز اعتقاد لا يزال حاضراً بقوة، هو اعتقاد "الزوهري": طفل يولد بسمات جسدية محددة، يراه السحرة والمشعوذون "كائناً مفاتيحياً" قادراً على فتح الأبواب المغلقة والوصول إلى الكنوز المخبأة تحت حراسة الجن.
من هو الطفل الزوهري ؟
يُعرّف "الزوهري" شعبياً بأنه إنسان يحمل علامة فارقة في يديه: خط أفقي واحد يقطع راحة الكف بشكل مستقيم، بخلاف معظم البشر الذين تتقاطع في أيديهم ثلاثة خطوط (خط الحياة، خط الرأس، خط القلب). في قراءة الكف يُسمّى هذا الخط خط القلب، غير أن اندماجه مع الخطوط الأخرى عند الزوهري يجعله استثناءً يلفت الأنظار.
هذه العلامة جعلت من الزوهري موضوع رهبة، إذ يعتقد المشعوذون أن الجن يخشى الاقتراب منه، وأنه قادر على السير في "الأرض المرصودة" ، أي الأرض التي يُقال إنها تضم كنوزاً مدفونة ومحروسة بجنّ موكلين دون أن يتعرض للأذى.
الزوهري والكنوز المرصودة
في الثقافة المغربية، هناك اعتقاد راسخ بأن القدماء ، سواء ملوك أو حضارات منقرضة ، دفنوا كنوزاً هائلة في باطن الأرض وأوكلوا للجن حراستها. هذه الكنوز لا تُفتح إلا بوسائل غير طبيعية، ومن بينها "الطفل الزوهري".طريقة الاستخدام: غالباً ما يُستغل الطفل الزوهري في طقوس معقدة، حيث يجبره السحرة على قراءة تعاويذ أو وضعه في مقدمة الحفر بحثاً عن "المكان المسحور". يزعمون أن الجن لا يقترب منه، فينفتح باب الكنز.
كثير من الأخبار الشعبية تحذر من أن هؤلاء الأطفال يتعرضون للاختطاف أو حتى القتل من قِبَل الباحثين عن الثراء السريع. ويُقال إن دم الزوهري يُستخدم كقربان لإبطال "الرصد" وكسر الحجاب السحري للكنز.
شهادات وتجارب
كتب أحد القراء (الأخ عبد المجيد من المغرب) وهو يعتبر نفسه زوهرياً:
" كنت سأتعرض للاختطاف وأنا في عمر 12 سنة بعدما طاردني أشخاص مجهولون بسيارة، لولا أنني لجأت إلى مقهى مزدحم. وعندما كبرت، صرت أرى أحياناً دخاناً أبيض يحيط بي، أو أشعر بقشعريرة غريبة. حين سألت بعض الشيوخ عن حالتي، قيل لي: أنت زوهري."
قصته تشبه روايات كثيرة متداولة بين الناس، حيث يُربط الزوهري دوماً بأحداث غامضة، رؤى وأحلام غريبة، وحوادث اختفاء كادت أن تقع.
أصل التسمية: "زوهري" أم "زوهر" ؟
يثير أصل الكلمة تساؤلات كثيرة. بعض الباحثين يرون أن "زوهري" قد يكون متصلاً بكتاب "زوهر" (Zohar)، أحد أهم كتب التصوف اليهودي (الكابالا)، والذي يحفل بالرموز والأسرار السحرية. وقد يكون هذا الارتباط غير مباشر لكنه يعكس التقاء التصوف اليهودي والإسلامي في أرض المغرب بعد سقوط الأندلس، حيث تعايش اليهود والمسلمون قروناً وشاركوا بعضهم البعض تقاليد السحر والروحانيات.
المغرب: معقل الاعتقاد بالجن
لماذا ازدهرت فكرة "الزوهري" في المغرب أكثر من غيره ؟
الخلفية التاريخية: التقاء العرب والأمازيغ باليهود والأندلسيين خلق مزيجاً غنياً من المعتقدات.
المجتمع: الموروث الشعبي المغربي ما زال يرى في الجن قوة تتحكم بالمصير، من العقم والمرض إلى الرزق والكنوز.
الشعوذة: انتشار السحرة والمشعوذين الذين يستغلون هذه المعتقدات لتبرير طقوسهم وكسب المال.
أسطورة أم واقع ؟
يبقى "الزوهري" مثالاً حياً على كيف يتحول اختلاف جسدي بسيط إلى علامة ميتافيزيقية محمّلة بالخوف والرهبة. وبينما يرفض العلم كل تلك الادعاءات باعتبارها خرافات لا أساس لها، لا يزال الطفل الزوهري في نظر بعض المشعوذين بوابةً إلى عالم الجن والكنوز، بل ووسيلة لتحقيق أطماع بشرية بحتة.
اعتقاد "الزوهري" يكشف عن الجانب المظلم من الموروث الشعبي، حيث يُستغل الأطفال لأغراض خطيرة تحت غطاء الغيب والماورائيات. إنه مثال صارخ على كيف يمكن أن يتحول المعتقد الشعبي إلى أداة استغلال، وكيف يظل الإنسان أسيراً للخوف من الجن ورغبته الجامحة في الثراء السريع.
