بدأت حكاية "مغارة دانيال" بالانتشار في المنتديات العربية على الإنترنت منذ حوالي عام 2005، ثم انتقلت إلى بعض القنوات الفضائية مثل قناة شهرزاد (2006–2007)، التي خصصت مساحة لبرامج المعالجين الروحانيين و"كاشفي السحر"، قبل أن تتدخل السلطات وتوقف بثها ضمن حملة لمواجهة انتشار ثقافة الشعوذة.
القصة انتشرت بصيغة أسطورية تشبه روايات "هاري بوتر" أكثر مما تشبه رواية تاريخية، لكنها استمدت قوتها من ارتباطها بثنائية: السحر والجن، وهي ثنائية ضاربة في عمق الثقافة الشعبية العربية.
أوصاف المغارة
باب المغارة صخرة عظيمة لا تنفتح إلا يوماً واحداً في السنة، من شروق الشمس إلى غروبها ، والداخلون مطالبون بحمل مؤونة تكفي تسعة أشهر من فواكه مجففة وماء ، وفي داخل المغارة نبع ماء عذب وصخور ضخمة منقوش عليها طلاسم، ولكل طلسم خادم من الجن يُكلف الطالب بخدمته ، يستمر "المتعلم" في خلوة تسعة أشهر يردد الأوراد ويتلقى "كشفاً" تدريجياً حتى يظهر له الخادم ، الخارجون من المغارة قليلون: البعض ينجو، والبعض يُقتل أو يُصاب بالجنون ، قوة الطالب تحددها قوة الطلسم الذي تعلمه ومن لم يستطع مجابهة "حارس المغارة" يُهلك أو يُحتجز.
ربط الأسطورة بالرموز الدينية
الاسم "دانيال" يوحي بعلاقة بالنبي دانيال الذي ذُكر في الأسفار القديمة، وارتبطت قصته ببابل والعراق ، هذا الربط أعطى القصة هالة قدسية زائفة، مثلما ارتبطت أسطورة هاروت وماروت في بابل بالسحر ، في بعض الروايات، قيل إن هناك مغارة مشابهة في العراق عند "هاروت وماروت"، وأن الداخلين إليها ينالون "18 كشفاً" دفعة واحدة ، هذه المزاعم تعكس كيف يخلط الموروث الشعبي بين النصوص الدينية (التي تحذر من السحر) وبين الخيال الشعبي الذي يحولها إلى قصص مغامرات.
هل هناك جذور واقعية ؟
في المغرب يُشار أحياناً إلى منطقة بويا عمر (ضريح مشهور ارتبط بعلاج الممسوسين بالجن) باعتبارها مركزاً لهذه الأساطير ، وفي العراق هناك إشارات إلى مغارات قديمة قرب بابل، حيث ارتبطت أسطورة هاروت وماروت بالسحر ، يرى الأنثروبولوجيون أن هذه القصص ربما نشأت من طقوس الخلوة الصوفية أو العزلة السحرية (مثل الخلوة البرهتية لمدة 40 يوماً) ثم تم تضخيمها لتصبح "مغارة أسطورية".
البعد النفسي والاجتماعي
أسطورة "مغارة دانيال" ليست مجرد خيال، بل تعكس مخاوف الناس من السحر والسحرة ، والمغارة تمثل مدرسة سرية يتعلم فيها المبتدئ السحر، أي صورة مكبرة عن فكرة "التلمذة السحرية" ، يعكس التحذير من الجنون والموت فيها الخوف الاجتماعي من تجاوز المحظور والتقرب إلى قوى مجهولة ، إعلامياً وجدت القصة رواجاً لأن الناس يبحثون عن الغريب والمخيف، خاصة في عصر المنتديات والقنوات الفضائية الخاصة التي لم تكن خاضعة للرقابة الكاملة.
التحقيق النقدي
لا يوجد أي دليل أثري أو جغرافي يؤكد وجود "مغارة دانيال" ، وتشابهها مع قصص التراث الغربي (مدرسة السحر في هوجورتس – هاري بوتر) يوحي بأنها قصة معاصرة مركبة أكثر من كونها إرثاً شعبياً قديماً ، الخطر الحقيقي هو أن هذه الحكايات قد تُستغل من قبل المشعوذين للتلاعب بالناس، كما فعلت بعض القنوات الفضائية.
وفي الختام ، تمثل "مغارة دانيال" أيقونة من أيقونات الميثولوجيا الشعبية الحديثة، تشبه في تكوينها "مثلث برمودا" أو "مدينة أتلانتس"، لكنها محلية بطابع عربي-إسلامي، تستند إلى الخوف من السحر وإلى الأساطير الدينية ، سواء وُجدت أو لم توجد، تبقى رمزاً لتحذير الناس من الانجراف وراء أوهام الشعوذة التي تعود للظهور كلما وجد بيئة خصبة من الجهل والخرافة.