2008-12-18

لغز يأجوج ومأجوج

يأجوج ومأجوج
إعداد : كمال غزال

من بين أكثر القصص القرآنية إثارة وغموضاً، تبرز قصة يأجوج ومأجوج كأحد أعقد الألغاز التي حيّرت العقول عبر العصور. ورد ذكرهم صراحة في سورة الكهف وسورة الأنبياء، كأقوام مفسدين عزلهم ذو القرنين بسد عظيم، وأن خروجهم سيكون من علامات الساعة. 

لكن رغم مرور قرون على هذه الرواية، ما زال السؤال مطروحاً بقوة: أين هم الآن؟ وهل من الممكن أن يكونوا في مكان خارج نطاق إدراكنا الجغرافي والعلمي ؟

إشارات قرآنية وتحدٍ علمي

القرآن الكريم يذكر يأجوج ومأجوج في قول الله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾ (الكهف:94) 

﴿ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ﴾ (الأنبياء:96)

لكن بالرغم من التطور الهائل في تقنيات المراقبة، والاستكشاف الجغرافي، والأقمار الصناعية، لم تُرصد أي علامات على وجودهم، لا على سطح الأرض، ولا في مناطقها القصية. فهل يعني هذا أنهم غير موجودين؟ أم أنهم ببساطة في مكان لم نصل إليه بعد ؟

فرضية الأرض المجوفة: ملاذ تحت الأرض ؟

من النظريات التي أثارها بعض الباحثين القدامى والمعاصرين، نظرية الأرض المجوفة وهي تفترض وجود عالم داخلي ضخم داخل كوكب الأرض، يحتمل أن يكون مأهولًا بكائنات أو حضارات مخفية عن إدراكنا.

وقد لفتت بعض الخرائط الإسلامية القديمة، خصوصاً خريطة الإدريسي، إلى وجود تضاريس مجهولة قرب القطب الشمالي، ما دفع البعض للاعتقاد بأن مكان يأجوج ومأجوج ربما يقع في تجويف قطبي أو منطقة مغلقة داخل باطن الأرض.

وبدعم هذه الفرضية، يستشهد البعض بقوله تعالى:  ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (الطلاق:12)

لكن المقصود بـ"من الأرض مثلهن" لا يزال موضع جدل بين المفسرين: هل يعني سبع طبقات أرضية ؟ أم أراضٍ متعددة ذات خصائص حياتية ؟ أم أنه وصف كوني لم يُفسّر بعد ؟

هل يمكن أن يكونوا خارج الأرض ؟

إذا استبعدنا سطح الأرض وباطنها، تبقى فرضية أكثر جرأة: هل من الممكن أن يكون يأجوج ومأجوج على كوكب آخر؟

صحيح أن القرآن يصفهم بأنهم "مفسدون في الأرض"، لكن عبارة "الأرض" قد لا تشير حصراً إلى كوكبنا في تفسير رمزي أو مستقبلي، بل إلى بيئة مأهولة خلقها الله ومأمورون بها بأوامره. في زمن تتطور فيه مفاهيم الأكوان المتعددة ومبدأ العوالم المتفرعة في فيزياء الكم، فإن الاحتمال النظري لوجود مخلوقات على كوكب أو بعد آخر لم يعد غريباً كالسابق.

مع ذلك، لا توجد أي دلائل علمية أو نصوص دينية صريحة تدعم هذا الاحتمال، لذا يبقى مجرد تأمل فلسفي ضمن خيال علمي أكثر منه فرضية دينية راسخة.

في التوراة وسفر الرؤيا

في التراث اليهودي والمسيحي، يشار إلى شعوب باسم "جوج وماجوج" Gog and Magog، في سفر حزقيال (الإصحاح 38) وسفر رؤيا يوحنا اللاهوتي (الإصحاح 20). يتم تصويرهم أقوام همجية تأتي من الشمال لمهاجمة "شعب الله"، في نبوءات نهاية العالم ، لكن هؤلاء لا يُصورون كمخلوقات مخفية، بل كأمم معادية معروفة، غالباً يتم ربطها بكيانات سياسية في تفاسير معاصرة.

لغز مفتوح… وعلم غائب

سواء كان يأجوج ومأجوج في باطن الأرض، أو على كوكب آخر، أو في عالم متداخل مع عالمنا، تبقى الحقيقة غائبة عن علم البشر إلى أن يشاء الله كشفها.

فغياب الدليل ليس دليلاً على الغياب، لكن في نفس الوقت، لا يجوز الجزم بما لا نعلم ، ولعل المستقبل يحمل لنا مفاجآت تكشف الستار عن هذه القصة الغامضة وحتى ذلك الحين، سيظل يأجوج ومأجوج رمزين للرهبة، والتساؤل، والاحتمال المفتوح.