في رحلاته التي جاب فيها القارات، دوّن الأديب المصري أنيس منصور مشاهدات نادرة ومثيرة في كتابه الشهير "حول العالم في 200 يوم". لكن من بين كل ما رآه ودوّنه، تبقى تجربته في إندونيسيا خلال حضوره طقسًا غريباً يُزعم أنه لـ استحضار الأرواح باستخدام سلة، واحدة من أكثر الروايات إثارة وغموضاً.
طريقة لا تعتمد على البلانشيت (كما في لوح الويجا الغربي)، بل على أدوات شعبية بسيطة كالسلة والقلم والبخور، لكن جرى توظيفها في طقس يشبه ما يعرف في الباراسايكولوجي بـ"الكتابة التلقائية" أو التحكم عبر وسيط غير مرئي. ما شاهده منصور آنذاك كان أقرب إلى تواصل خارق، تكتب فيه "الروح" ما يُطرح عليها من أسئلة... بطريقة لا تُفسَّر بسهولة.
كيف تعمل "السلة" في استحضار الأرواح ؟
بحسب ما ذكره أنيس منصور، فإن الإجراء يتم عبر الخطوات التالية:
الأدوات المطلوبة
- سلة عادية مصنوعة من الخيزران أو القش.
- صليب خشبي يتم تثبيته داخل السلة.
- قميص يُلبس على الصليب، ويُثبّت في الأعلى وجه مرسوم على ورقة.
- عودان من البخور يُشعلان عند رأس الدمية، فوق الوجه مباشرة.
- قلم رصاص يوضع في أحد فتحات السلة من الأسفل.
- ورقة تُمسك أمام رأس القلم بواسطة شخص آخر.
طريقة التنفيذ
يُمسك السلة شخصان على أطراف أصابعهم، بخفة بالغة، من الجانبين ، يُشعل البخور وتبدأ تلاوة تعاويذ صوتية: "جالان كون.. جالان بيس"، وهي كلمات يبدو أن لها جذوراً في اللغة الجاوية القديمة، تُستخدم لفتح "الطريق" أمام الأرواح ، يمكن أيضاً، بحسب بعضهم، قراءة الفاتحة أو تلاوة كلمات دينية لإضفاء طابع روحاني أو تقليل خطورة الاستحضار.
بعد دقيقة تقريباً، تبدأ السلة بالاهتزاز الطفيف، ثم تتحرك بشكل تلقائي نحو الورقة، ويبدأ القلم بالكتابة تلقائياً !
ماذا كُتب ؟ ومن حضر ؟
في واحدة من الجلسات التي حضرها منصور، ظهرت كتابة على الورقة بلغة عامية مصرية، رغم أن الشخصين الحاملين للسلة كانا من الإندونيسيين ولا يتحدثان أي كلمة عربية.
الروح التي حضرت - كما يُزعم - كانت لرجل يُدعى "محمود صالح"، عاش في حي باب الشعيرة بالقاهرة، وكان يعمل كناسا أو بائع خضار، قدّم هذا الكيان "نكتاً قديمة لم يسمعها أحد من قبل"، كما وصفها أنيس منصور، وكتب بأسلوب عامي شعبي.
هذه الظاهرة فتحت لدى منصور – ولمن قرأ الكتاب لاحقاً – سؤالاً وجودياً: هل كنا أمام روح حقيقية ؟ أم كيان آخر انتحل هوية رجل ميت ؟ وهل يمكن أن تكون هذه "الروح" مجرد إسقاط من العقل الباطن ؟
مقارنة مع لوح الويجا
تشبه هذه الطريقة إلى حد ما ما يُعرف في الغرب بـ لوح الويجا (Ouija)، والذي يُستخدم لاستحضار الأرواح عبر مؤشر (بلانشيت) يتحرك فوق الحروف للإجابة على الأسئلة. غير أن الطريقة الإندونيسية تتجه نحو الكتابة التلقائية، وهي مدرسة مختلفة تستند إلى وسائط تُعتقد أنها تتيح للكيانات الروحية السيطرة على اليد أو الأداة للكتابة مباشرة.
تفسير ماورائي وروحاني
في المعتقدات الإندونيسية، لا يُستخدم مصطلح "الروح" بمعناه الدقيق كما في الإسلام، بل يتم دمج المفاهيم مع تراث واسع من الجن، وأرواح الأسلاف، والكائنات الأثيرية وبالتالي، فإن ما يُزعم استحضاره في هذه الطقوس قد لا يكون "روح الميت" فعلاً، بل "كياناً" يتقمص دوره وهو ما يتقاطع مع المفهوم الإسلامي للـ "قرين" أو الجن المتشكل.
من الناحية العلمية، لا توجد أدلة قاطعة على أن هذه الكتابات تنبع من كيانات خارجية، بل تُعزى غالباً إلى حالات نفسية تشبه التنويم المغناطيسي الذاتي أو الحركات اللاواعية، ومع ذلك، فإن تكرار التجارب من قِبل شهود متعددين يفتح باب الجدل حول ما يُعرف بـ "الظواهر غير المفسرة" في علم الباراسيكولوجي.
ما رواه أنيس منصور في كتابه لم يكن خيالاً أدبياً، بل وصفاً دقيقاً لمشهد حقيقي عاينه بعينيه في إحدى القرى الإندونيسية، وجعله يُعيد التفكير في حدود العقل، والغيبيات، وما يمكن أن تخفيه الطقوس القديمة من أسرار ، فإذا كانت "السلة" مجرد وعاء من القش، فالسؤال الحقيقي هو: من الذي يُمسك بالقلم حين لا تكون يد بشرية تحركه ؟
أنيس منصور والماورائيات
كان الأديب والصحفي أنيس منصور (1924-2011) من القلائل في العالم العربي الذين جمعوا بين الأدب والفكر الفلسفي والاهتمام بالماورائيات، وقد عبّر عن شغفه بالعوالم الخفية من خلال كتابه الشهير "أرواح وأشباح"، الذي ناقش فيه ظواهر مثل استحضار الأرواح، التنويم المغناطيسي، وتجارب الحياة بعد الموت. لم يكتف أنيس منصور برصد هذه الظواهر كناقد أو مراقب، بل اقترب منها بشجاعة الباحث الفضولي، محاولًا أن يجد لها تفسيرًا عقلانيًا وسط عالم تغلفه الأساطير والغموض.تحذير
رغم غرابة هذه الممارسة وفرادتها الثقافية، إلا أن خوض مثل هذه الطقوس يُعد محظوراً وخطيراً في الشريعة الإسلامية. إذ أن التعامل مع الأرواح والجن محرم شرعاً، وقد يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها، بما في ذلك التعرض للمسّ أو الهلاوس أو حالات من التلبس أو الاضطرابات النفسية الشديدة.
