تزخر الأساطير حول العالم بمخلوقات غريبة ومدهشة: تنانين تنفث النار، وحوريات بحر تغوي البحّارة، ووحوش بحرية تبعث الرعب في النفوس. لكن السؤال الذي ظل مطروحًا عبر القرون هو: من أين جاءت هذه الكائنات ؟ هل هي نتاج خيال محض، أم أنها انعكاس مشوه أو مبالغ فيه لحيوانات حقيقية رآها البشر قديماً وأساؤوا تفسيرها ؟
في هذا المقال، نأخذك في جولة عبر أشهر الكائنات الأسطورية في التاريخ، لنكشف أي الحيوانات الواقعية قد تكون الشرارة الأولى التي أوقدت نار الحكاية.
1- الكراكن Kraken
في الأساطير الإسكندنافية وقصص البحّارة، يوصف الكراكن كوحش بحري هائل بأذرع طويلة يهاجم السفن. تشير الأدلة الحديثة إلى أن هذه الحكايات استلهمت على الأرجح من حيوان الحبار العملاق أو الأخطبوطات الكبيرة التي نادراً ما تُرى. فعلى سبيل المثال، يذكر المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي أن البحّارة الأوروبيين تحدثوا عن وحش البحر "كراكن" الذي يقذف بالسفن في الهواء، بينما نعلم اليوم أنه يستند إلى حقيقة وجود حبّار عملاق له عشرة أذرع ويمكن أن يصل طوله إلى ما يفوق طول حافلة مدرسية. كما أن العثور على بقايا متحللة لحبّارات أو أخطبوطات ضخمة جرفتها الأمواج إلى الشواطئ قد أسهم في تغذية تلك الأساطير، حيث حاول الناس تفسير تلك المخلّفات الغامضة باعتبارها مخلوقات أسطورية.
2 - الغريفين Griffin
الغريفين مخلوق أسطوري مكون من جسد أسد ورأس وجناحي نسر، ذُكر في الأساطير اليونانية وغيرها. يطرح العلماء فرضية مفادها أن أسطورة الغريفين قد تكون نشأت من اكتشاف عظام ديناصورات قديمة. فبحسب أبحاث عالمة الفولكلور أدريان مايور، ربما عثر الرحالة في منطقة آسيا الوسطى على أحافير لديناصور بمنقار (مثل بروتوسيراتوبس Protoceratops الذي عاش في صحراء غوبي) فظنوا أنها بقايا مخلوق أسطوري.
يشير مايور إلى أن الهياكل المحفوظة لهذا الديناصور القرني المنقار ربما أثرت في تصوير شكل الغريفين الذي انتقل لاحقاً إلى الميثولوجيا الإغريقية. وتدعم معارض المتاحف الطبيعية هذه الفرضية، حيث تُعرض نماذج توضح كيف يمكن أن تُفسر جمجمة ديناصور بقرن وعظامه على أنها مخلوق أسطوري يجمع بين صفات الطيور والسباع.
3- العمالقة Giants
كثيرة هي الثقافات التي تضم أساطير عن عمالقة بشريين عاشوا قديماً. إحدى التفسيرات العلمية لهذه القصص هي اكتشاف الشعوب القديمة لعظام ضخمة تعود لفصائل منقرضة كالماموث أو الماستودون (فيل قديم). إذ كان الإغريق القدماء يعتقدون أن أبطالهم الأسطوريين كانوا عمالقة يبلغون ثلاثة أضعاف حجم البشر العاديين، وعندما عثروا على عظام فخذ أو كتف عملاقة - والتي نعرف الآن أنها تخص فيلة ما قبل التاريخ - ظنوها بالخطأ "عظام بشرية" بحجم هائل، في الواقع، أي شخص يرى هيكلاً عظمياً لفيل يمكنه ملاحظة التشابه العام مع عظام البشر ولكن بحجم يفوقها مرات عديدة ، ويؤكد الباحث مايور أنه “ لا شك أن الأحافير أثّرت في تصور الإغريق والرومان للعمالقة والمخلوقات الخرافية”، إذ حاول القدماء تفسير بقايا المخلوقات المنقرضة عبر المزج بين المعرفة العقلانية والخيال.
4 - السايكلوب Cyclops
السايكلوب هو العملاق أحادي العين في الميثولوجيا الإغريقية، وأشهرها بوليفيموس الذي واجهه أوديسيوس. يعتقد بعض العلماء أن أصل هذه الأسطورة قد يعود إلى العثور على جماجم أفيال ما قبل التاريخ. فجزيرة صقلية وغيرها من جزر المتوسط كانت موطناً لفيلة قزمة منقرضة، وعندما عثر السكان القدماء على جماجمها الضخمة ذات التجويف المركزي الكبير (مكان خرطوم الفيل)، ربما تخيلوا أنها لجسد كائن ذي عين واحدة ضخمة. كما أن تجاويف العين الحقيقية في جمجمة الفيل صغيرة وغير ملحوظة مقارنة بالفتحة الكبيرة في المنتصف، مما يوهم الناظر غير الخبير بأنها عين واحدة. ولأن الإغريق لم يروا فيلاً حياً قبل عصر الإسكندر الأكبر، كان من السهل أن يفسروا تلك الجمجمة خطأً على أنها تعود لوحش أسطوري أحادي العين.
5- حورية البحر Mermaid
أساطير حوريات البحر منتشرة حول العالم وتتحدث عن كائنات بنصف جسد إنسان ونصف سمكة. إحدى التفسيرات الشهيرة هي أن البحارة ربما أخطأوا في رؤية خراف البحر (مثل عجول البحر/خروف البحر – Manatees أو الأطوم – Dugong) وظنوها حوريات جميلة من بعيد.
يذكر كريستوفر كولومبوس في سجل رحلته عام 1493 أنه رأى “ثلاث حوريات بحر” لكنها لم تكن بذلك الجمال المرسوم في الخيال. وفعلياً كان كولومبوس قد شاهد خراف البحر في المياه الكاريبية دون أن يعرف حقيقتها. ويوضح موقع سمثسونيان للمحيطات أن هذه ليست حالة فريدة، فكثير من البحارة عبر الزمن ظنوا خراف البحر حوريات، حتى أن الاسم العلمي لفصيلة خراف البحر وأقاربها من الفصائل الأخرى هو سيرينيا Sirenia اشتقاقاً من السيرينات الأسطورية. هذه الأخطاء في التعرف شائعة لدرجة أن الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي اضطرت لإصدار بيان تؤكد فيه أن حوريات البحر غير موجودة في الواقع بعد عرض وثائقي زائف أدى لالتباس بعض المشاهدين.
6- يونيكورن Unicorn
حيوان النروال Narwhal هو نوع من الحيتان يتميز بامتلاكه ناباً عاجياً حلزونياً طويلاً يبرز من فكه العلوي، مما جعله يُلقب بـ"وحيد القرن البحري". في العصور الوسطى، كان قرن النروال يُباع في أوروبا بأسعار باهظة على أنه قرن الكائن الأسطوري وحيد القرن.
جمع المستكشفون وتجار الشمال قرون النروال من شعوب الإنويت في القطب الشمالي وروجوا لها بين الأوروبيين على أنها قرون سحرية لوحيد القرن الحقيقي.
ويشير متحف التاريخ الطبيعي في لندن إلى وجود أدلة كثيرة على أن خرافة اليونيكورن الأوروبي استوحت شكل القرن الحلزوني من أنياب النروال التي شقت طريقها إلى أسواق أوروبا في تلك الفترات. فمشاهدة هذا الناب بمعزل عن الحيوان أثارت مخيلة الناس حول مخلوق أرضي ذو قرن بتلافيف لولبية، وساهمت في رسم صورة الوحيد القرن في الفن والأدب منذ القرون الوسطى.
7- التشوباكابرا Chupacabra
ظهر وحش التشوباكابرا في تسعينيات القرن العشرين ضمن قصص رعب شعبية في بورتوريكو وانتشرت إلى الأمريكتين، ويُوصف بأنه مخلوق غامض يمص دم الماشية. التفسير العلمي الأرجح لهذا الكائن أنه ليس سوى كلاب أو ذئاب برية مريضة بمرض الجرب الشديد. يؤكد خبراء الحياة البرية أن معظم الجثث أو المشاهدات لما سُمي تشوباكابرا كانت في الواقع لكلاب أو ذئاب قارضة فقدت فروها وأصاب جلدها التقشر بسبب سوس الجرب. فالحيوان المصاب بالجرب يتغير مظهره بشكل مخيف – جلده متغضّن وخالٍ من الشعر – مما يجعل الإنسان العادي يسيء التعرف عليه ويظنه مخلوقاً غريباً. وقد أوضح عالم الطفيليات باري أوكونور من جامعة ميشيغان أنه لا حاجة لافتراض وجود كيان جديد تماماً لتفسير تقارير التشوباكابرا، فالأدلة تفيد بأن حيوانات مصابة بالجرب تُفسر الأمر بالكامل. وبالفعل فإن فحص عينات مفترضة للتشوباكابرا بيّن أنها تعود للقيوطات (ذئاب البراري) أو الكلاب في كل حالة تقريباً.
8- اليتي Yeti
اليتي أو "إنسان الثلج المقيت" مخلوق أسطوري يُزعم وجوده في جبال الهملايا، ويُوصف بأنه شبيه بالبشر لكنه عملاق ومكسو بالفرو الأبيض. الدراسات العلمية حول اليتي مستندة في الواقع إلى مشاهدات خاطئة للدببة في تلك المنطقة. في عام 2017، قام فريق بحثي بقيادة شارلوت ليندك يتحليل الحمض النووي المأخوذ من عينات من الشعر والعظام تُنسب لليتي، وجاءت النتائج لتنسب تلك العينات إلى دببة بنية أو سوداء من سلالات الهملايا والتبت، نُشرت النتائج في دورية علمية مرموقة وأوضحت أن “أسطورة ال في الدببة البرية النادرة في جبال الهيمالايا”، إحدى العينات اتضح أنها سن دب أسود، وأخرى جزء من جلد دب بني، ما يدل على أن ما ظنه الرهبان أو السكان المحليون بقايا "اليتي" لم يكن سوى بقايا لدببة معروفة. وحتى قبل هذه الدراسة اقترح باحثون أن مشاهدات اليتي ربما كانت لدببة تقف على قوائمها الخلفية أو تتحرك بطريقة غير معتادة في الثلوج، مما أثار مخيلة الناس بأن هناك "إنسان ثلجي" يجوب الجبال.
9- البواكاي Pouākai
في أساطير شعب الماوري في نيوزيلندا، ترد حكايات عن طائر جارح عملاق يُسمى البواكاي Pouakai أو هوكيوي Hokioi ، كان كبيراً بما يكفي لاختطاف البشر. تصف الأسطورة هذا الطائر بأنه اعتاد الانقضاض من السماء وخطف الرجال والنساء وحتى الأطفال وحملهم إلى عشه فوق الجبال.
يعتقد العلماء اليوم أن هذه القصص تصف في الواقع نسر هاست Haast’s Eagle المنقرض، وهو أضخم نسر عرفه العلم حتى الآن وكان يعيش في نيوزيلندا حتى نحو القرن الخامس عشر.
بلغ باع جناحي نسر هاست حوالي 3 أمتار، ووزنه يصل إلى 13 كجم، ومخالبه بحجم مخالب نمر، وكان قادراً على صيد طيور الموا العملاقة التي تزن 200 كجم بضربة واحدة.
ليس من المستغرب أن طائراً جارحاً بهذا الحجم والقوة ترك أثراً عميقاً في ذاكرة السكان الأوائل، فأسطورة البوآكاي قد تكون صدى باهتاً لآخر ذكريات البشر عن نسر هاست العملاق.
ويشير الباحثون إلى أن النسر ربما هاجم المستوطنين البولينيزيين الأوائل خطأً باعتبارهم فرائس (خاصة عند ارتدائهم عباءات من الريش تشبه فرائسه)، مما رسخ روايات مواجهات رهيبة مع "طائر آكل للبشر" في التراث الماوري.
10- العنقاء أو الفينيق Phoenix
العنقاء أو الرخ أو الفينيق طائر أسطوري في العديد من الثقافات يُقال إنه يحترق ذاتياً ويُبعث من رماده دورياً، مرتبط بالشمس والخلود.
هناك نظرية تربط أسطورة العنقاء بـ (النحام الوردي) وبخاصة الفلامنغو القزم الذي يعيش في البحيرات القلوية في أفريقيا. تتميز هذه البحيرات بأنها شديدة الملوحة والقلوية وتجف أحياناً لتصبح أراضٍ قاحلة حارة. وقد لاحظ المستوطنون المحليون قديماً أنه بعد فترات الجفاف وارتفاع الحرارة تظهر فجأة آلاف من صغار الفلامنغو من قلب الغبار الأبيض للبحيرات الجافة وتتجه نحو المياه الجديدة.
هذه المشاهد أوحت بأن الفلامنغو تُولد من النار والحرارة وسط "رماد" البحيرة، على غرار ولادة العنقاء الأسطورية من الرماد.
يُشير خبراء الطيور إلى أن اللون القرمزي الزاهي لريش الفلامنغو وبيئته القاسية وسلوكه في التكاثر قد ساهمت في نشوء فكرة الطائر الناري ، ومن الجدير بالذكر أن الاسم العلمي لعائلة الفلامنغو هو فونيكوبتريدا Phoenicopteridae وهي جذر كلمة "Phoenix" اللاتينية أي "الفنيق"، في إشارة إلى هذه الصلة الأسطورية.
11- الكابا Kappa
في اليابان، لا يُنظر إلى الكابُا بوصفه مجرد كائن خرافي مسلّ، بل كتحذير متجذر في الذاكرة الشعبية من أخطار الأنهار والمياه الجارية. يصفه الفولكلور الياباني كمخلوق مائي يختطف الأطفال والماشية ويجيد السباحة، وهي صفات يرى باحثو الفولكلور أنها انعكاس لخوف جماعي قديم من الغرق أكثر من كونها وصفاً دقيقاً لمخلوق واحد. ومع ذلك، تظهر فرضية علمية متماسكة تربط الكابا بالسلمندر الياباني العملاق، وهو حيوان نهري حقيقي، ضخم الحجم، جلده متجعد ومظهره صادم لمن يراه لأول مرة، خاصة في المياه العكرة أو عند خروجه ليلاً.
تذكر دراسات بيئية يابانية حديثة أن صورة الكابا قد تكون تشكلت تاريخياً من مشاهدات متفرقة لهذا البرمائي النادر، ثم أُلبست لاحقاً ثوباً أسطورياً أخلاقياً لتخويف الأطفال من الاقتراب من الأنهار.
ويشير بعض باحثي الفولكلور الياباني إلى أن للكابا بعداً سلوكياً لافتاً، إذ يُصوَّر كائنًا شديد الفضول، تحكمه قاعدة غريبة: وجود بقعة ماء في أعلى رأسه تمثل مصدر قوته. وتذكر الروايات أن من يحيّيه بانحناءة مهذبة قد يدفعه، بدافع الفضول والالتزام بالتحية، إلى الانحناء رداً عليها، فتنسكب المياه من رأسه ويفقد قوته. هذا التفصيل لا يبدو عبثياً؛ بل يُقرأ كحكاية تعليمية تجمع بين التحذير من خطر المياه، وتمجيد الذكاء واللباقة بدل المواجهة المباشرة، ما يعكس كيف استخدمت الأسطورة لفهم الطبيعة وتهذيب السلوك الإنساني في آن واحد.
12- الزيفيوس Ziphius
في شمال الأطلسي ولعدة قرون أرعب كائن غامض البحّارة وقد أُطلق عليه اسم زيـفيوس، يصفونه بأنه وحش بحري يشبه الحوت ويحمل منقارا أو “سيفًا” قادرًا على إلحاق الضرر بالسفن. هذا الوصف ظل لغزاً حتى القرن التاسع عشر، حين أعاد عالم التشريح الفرنسي جورج كوفييه دراسة التقارير القديمة، وأطلق اسم زيفيوس Ziphius رسميًا على نوع حيّ من الحيتان المنقارية. المفارقة أن الاسم لم يُستحدث من فراغ، بل استُعيد عمداً من الأدبيات الأسطورية، في إشارة إلى أن “الوحش” القديم لم يكن كائناً خرافياً منقرضاً، بل حوتاً حقيقياً نادر الظهور، يصعب تمييزه عند مشاهدته سريعاً أو في ظروف بحرية قاسية، وهو ما يفسر التباين الكبير في أوصافه التاريخية.
13- حية البحر Sea Serpent
امتلأت سجلات البحّارة بحكايات عن ثعابين بحرية عملاقة. ويرجّح الباحثون اليوم أن كثيرا من تلك المشاهدات كانت لسمكة المجداف الطويلة، التي قد يصل طولها إلى ثمانية أمتار وتطفو أحيانًا قرب السطح، فتبدو ككائن أسطوري متلو.
في البحار المفتوحة لا تقل حية البحر غموضًا. فالسجلات البحرية منذ القرن السادس عشر تزخر بروايات عن أفاعٍ بحرية عملاقة تلتف حول السفن، وقد ساهمت هذه القصص في ترسيخ صورة الوحش البحري في المخيلة الأوروبية. لكن التفسير العلمي الأكثر قبولًا اليوم يربط عددًا كبيرًا من تلك المشاهدات بسمكة المجداف، وهي سمكة عظمية نادرة، شريطية الشكل، قد يتجاوز طولها ثمانية أمتار. تظهر هذه السمكة أحيانًا قرب السطح عندما تكون مريضة أو محتضرة، وتتحرك بحركة متموّجة تجعلها، في نظر بحّار مرهق أو مذعور، أقرب إلى ثعبان أسطوري هائل. تقارير حديثة من متاحف ومؤسسات علمية تؤكد أن “شكل” سمكة المجداف وحده كافٍ لولادة الأسطورة، دون الحاجة إلى افتراض وجود كائن خارق.
14- التنين Dragon
في مدينة كلاغنفورت النمساوية، عُرضت لقرون جمجمة ضخمة باعتبارها بقايا تنين دمر المدينة قبل أن يُقتل وقد عثروا عليها في القرن الرابع عشر. هذه الجمجمة تحولت إلى رمز بصري للأسطورة المحلية، بل واستُخدمت كنموذج لأعمال فنية ونُصُب عامة. غير أن هذا “الدليل القاطع” انهار علمياً في عام 1840 عندما أثبت عالم الحفريات فرانز أونغر أن الجمجمة تعود في الواقع إلى وحيد القرن الصوفي المنقرض. المثال هنا بالغ الدلالة: أحفورة حقيقية غير مألوفة لأهل العصور الوسطى ملأت فراغاً معرفياً ففسّروها بما تسمح به مخيلتهم الثقافية، فكان التنين.
ولا يقف التفسير العلمي لأسطورة التنين عند حدود الأحافير وحدها. فعدد من الباحثين في علم الأساطير المقارن والبيولوجيا التطورية يرون أن صورة التنين، بوصفه ثعباناً هائلًا ينفث النار، قد تكون نتاج تراكب عدة ظواهر واقعية. أولها الخوف الغريزي العميق من الزواحف، وهو خوف موثّق تطورياً لدى البشر، حيث يُظهر الدماغ استجابة أسرع تجاه الأفاعي مقارنة بسائر الحيوانات. هذا الخوف، حين يُضخّم بالحجم والأسنان والمخالب، ينتج “تنيناً”.
كما يرجح بعض العلماء أن مشاهدات انبعاثات الغازات القابلة للاشتعال من الشقوق الأرضية أو المستنقعات (مثل الميثان والفوسفين)، خاصة في المناطق البركانية أو الغنية بالكبريت، قد أسهمت في ترسيخ فكرة “النفث الناري”. ففي حالات نادرة، يمكن لهذه الغازات أن تشتعل ذاتياً أو بفعل شرارة، ما يوحي بوجود مخلوق حي يطلق النار من فمه. وعندما تتزامن هذه الظاهرة مع رؤية ثعبان ضخم أو سماع فحيح في الظلام، تكتمل عناصر الأسطورة.
ختاماً، لا تبدو الأساطير أكاذيب متعمدة، بل محاولات إنسانية صادقة لفهم عالم كان أوسع من أدوات المعرفة المتاحة آنذاك. فحين واجه الإنسان نهراً غامضاً، أو بحراً لا يُقاس، أو أحفورة بلا تفسير، لجأ إلى الخيال ليملأ فراغ الجهل. ومن هذا التفاعل بين الخوف والدهشة وقلة الفهم وُلدت المخلوقات الأسطورية، لا من الوهم وحده، بل من واقعٍ أسيء تأويله.
0 تعليقات:
شارك في ساحة النقاش عبر كتابة تعليقك أدناه مع إحترام الرأي الآخر وتجنب : الخروج عن محور الموضوع ، إثارة الكراهية ضد دين أو طائفة أو عرق أو قومية أو تمييز ضد المرأة أو إهانة لرموز دينية أو لتكفير أحد المشاركين أو للنيل والإستهزاء من فكر أو شخص أحدهم أو لغاية إعلانية. إقرأ عن أخطاء التفكير لمزيد من التفاصيل .