في أحد أيام أغسطس، كانت فتاتان تصعدان ممراً مألوفاً وسط غابة صنوبر في شمال إنجلترا، حين ظهر أمامهما كوخ حجري لم ترياه من قبل ، كان الدخان يتصاعد من مدخنته ثم بدأ بابه يُفتح ببطء ، فرتا مذعورتين وعندما عادت إحداهما إلى المكان بعد أشهر، لم تجد الكوخ ولا أي أثر يدل على أنه كان موجوداً.
هذه الحادثة، التي وقعت بحسب رواية صاحبتها في منتصف سبعينيات القرن العشرين، وصلت لاحقاً إلى الكاتب البريطاني توني ووكر Tony Walker وأصبحت واحدة من القصص التي استشهد بها عند حديثه عن ظاهرة "الانزلاق الزمني" Time Slip.
إعلان في صحيفة محلية
بدأت القصة تصل إلى العلن سنة 1998 عندما كان توني ووكر يعمل على إعداد كتابه "الدليل الشبحي لمنطقة البحيرات" The Ghostly Guide to the Lake District الذي جمع فيه أساطير منطقة كمبريا وحكاياتها الشعبية وتجاربها الخارقة.
لم يشأ ووكر أن يكتفي بالقصص القديمة بل أراد معرفة ما إذا كان سكان المنطقة ما زالوا يمرون بتجارب غير عادية، لذلك نشر إعلاناً في صحيفة محلية طالباً ممن شهدوا ظواهر غامضة أن يتواصلوا معه.
كانت من بين الذين استجابوا امرأة تدعى أنجيلا تشارلتون Angela Charlton، روت له حادثة عاشتها عندما كانت مراهقة في بلدة بنريث Penrith بمقاطعة كمبريا شمال غربي إنجلترا.
أما كتاب ووكر، فقد اكتمل عام 1998 وصدرت طبعته الأصلية سنة 1999 وبعد سنوات أعاد الكاتب نشر قصة أنجيلا ضمن مادة تناولت عدداً من أشهر روايات الانزلاق الزمني Time Slip Experiences.
الطريق إلى تل بيكون
في أحد أيام أغسطس، نحو منتصف سبعينيات القرن العشرين، خرجت أنجيلا برفقة إحدى صديقاتها في نزهة إلى تل بيكون Beacon Hill المطل على بنريث.
كانت أنجيلا تعرف المكان جيداً؛ فقد اعتادت الصعود إلى التل في أوقات فراغها. يبدأ المسار من منطقة بيكون إيدج Beacon Edge، ثم يصعد بشدة وسط أشجار الصنوبر، متعرجاً بزوايا حادة بين نتوءات من الحجر الرملي، ولا يستغرق الوصول إلى القمة عادة أكثر من خمس عشرة دقيقة.
لكن كثافة الأشجار والتواء الدرب يحجبان الطريق خلف المتنزه تدريجياً، فينشأ شعور بالعزلة عن البلدة القريبة، حتى ووكر نفسه وصف المكان بأنه قد يمنح العابر انطباعاً غريباً بأن شخصاً ما يراقبه من بين الأشجار.
في ذلك اليوم كانت الفتاتان تتحدثان بصورة طبيعية أثناء صعودهما، إلى أن بدأت الأجواء تتغير.
الكوخ الحجري
تقول أنجيلا إن الهواء أصبح ثقيلاً بصورة متزايدة، كما لو أن عاصفة رعدية تقترب، مع أن شيئاً واضحاً لم يكن يحدث حولهما، ولأنهما سلكتا الطريق مرات عديدة من قبل لم تنتبها كثيراً إلى تفاصيل المكان، حتى تجاوزتا أحد المنعطفات وتوقفتا فجأة.
كان أمامهما كوخ حجري قديم ، بدا البناء خشناً وبدائياً، حتى إن أنجيلا وصفته بأنه يشبه مسكناً يعود إلى العصور الوسطى، لكن المشكلة لم تكن في مظهره وحده؛ فلم يكن هناك أي كوخ في ذلك الموضع من قبل، وكانت الفتاتان تعرفان الطريق جيداً بما يكفي لإدراك ذلك.
كان الدخان يتصاعد من المدخنة، ما يعني أن المكان لم يكن أطلالاً مهجورة، بل بدا مأهولاً، ومع ذلك أحاط به شعور ثقيل ومقلق يصعب تفسيره.
نظرت أنجيلا إلى صديقتها، وفي اللحظة نفسها بدأ باب الكوخ يُفتح ببطء من الداخل.
لم تنتظرا لمعرفة من سيخرج منه، استدارتا وركضتا هاربتين إلى أسفل التل.
العودة إلى مكان الحادثة
احتاجت أنجيلا إلى عدة أشهر قبل أن تستجمع شجاعتها وتصعد الطريق نفسه مجدداً ، عندما وصلت إلى الموضع الذي شاهدت فيه الكوخ، لم تجد شيئاً، لم يكن هناك بناء مهجور أو أساسات حجرية أو مدخنة أو أي أثر يدل على أن منزلاً قام في ذلك المكان يوماً.
أما صديقتها، التي شاهدت الكوخ معها، فقد رفضت لاحقاً الحديث عن التجربة، وهذا التفصيل جعل الحادثة أكثر غموضاً بالنسبة إلى أنجيلا، لكنه حرم الرواية أيضاً من شهادة ثانية مستقلة يمكن مقارنتها بشهادتها.
زار توني ووكر المسار بنفسه مرات عدة خلال السنوات التالية، وصعده في فصول وأحوال جوية مختلفة، تحت الشمس وفي الثلج، إلا أنه لم يرَ الكوخ ولم يشعر بما وصفه بأنه "شذوذ زمني".
مصادفة داخل المنزل نفسه
تكشف القصة عن مصادفة أخرى لا تقل غرابة عن ظهور الكوخ ، فعندما تواصلت أنجيلا مع ووكر سنة 1998 اكتشف أنها كانت تقيم وقت وقوع الحادثة في المنزل نفسه الذي كان يعيش فيه هو أثناء تأليف كتابه، لم يذكر الكاتب دليلاً على وجود صلة بين المنزل وتجربتها، لكنه وجد المصادفة لافتة، وكأن الحكاية عادت بعد أكثر من عشرين عاماً إلى المكان الذي بدأت منه حياة صاحبتها.
هل كان انزلاقاً زمنياً ؟
الانزلاق الزمني Time Slip هو مصطلح مستخدم في أدبيات الظواهر الغامضة لوصف تجارب يرى فيها الشخص مكاناً أو أشخاصاً أو أحداثاً تبدو آتية من زمن آخر، ثم تختفي من دون أثر.
يرى المؤمنون بهذه الظاهرة أن الشاهد قد يلمح لثوانٍ أو دقائق طبقة من الماضي تداخلت بصورة مؤقتة مع الحاضر، وتفترض تفسيرات أخرى أن بعض الأماكن قد تحتفظ بما يشبه "تسجيل" للأحداث القديمة، يعاد تشغيله في ظروف مجهولة، وهي فكرة تعرف أحياناً باسم "نظرية المسجل الحجري" Stone Tape Theory رغم عدم وجود دليل علمي يثبتها.
أما التفسيرات النفسية الأكثر تحفظاً، فتشير إلى احتمال وقوع خطأ في إدراك الموقع، أو امتزاج الذاكرة اللاحقة بالتوقعات والمخاوف، ولا سيما أن الرواية نُقلت بعد مرور سنوات طويلة على الحادثة، كما أن تغير الإضاءة بين الأشجار، والشعور بالعزلة، والجو الثقيل السابق للعواصف، يمكن أن يؤثر في إدراك المكان.
ويضم مدخل التل فعلاً مبنى تاريخياً يعرف باسم "كوخ كارولين" Caroline Cottage شُيّد قرابة سنة 1820 على هيئة كوخ قوطي من الحجر، لكن لا يوجد ما يثبت أنه البناء الذي شاهدته الفتاتان، خصوصاً أن أنجيلا وضعت الكوخ الغامض على المسار داخل الأشجار، في مكان أكدت أنها تعرف أنه كان خالياً.
تل يحمل ذاكرة قديمة
يضفي تاريخ تل بيكون طبقة إضافية من الغموض على الرواية، فقد استُخدمت قمته منذ العصور الوسطى لإشعال نيران التحذير عند اقتراب الغزاة من اسكتلندا، ويُعتقد أن موقعاً للإشارات كان قائماً هناك منذ سنة 1296 على الأقل، أما النصب الحجري الموجود فوق التل اليوم فقد بُني سنة 1719 ليحل محل منشآت أقدم.
لا يثبت هذا التاريخ أن أنجيلا شاهدت مسكناً من الماضي، لكنه يجعل الموقع أكثر انسجاماً مع طبيعة التجربة: تل قديم فوق بلدة تاريخية، ودرب متعرج يختفي بين الأشجار وكوخ مأهول ظهر عند أحد المنعطفات ثم لم يُشاهد مرة أخرى.
تبقى الحادثة في النهاية شهادة شخصية نقلها توني ووكر عن صاحبتها، من دون أدلة مادية أو توثيق مستقل يسمح بإثباتها، ومع ذلك، فإن وجود شاهدتين بحسب الرواية، ومعرفتهما السابقة بالطريق، وتصاعد الدخان من المدخنة، ثم بدء الباب بالانفتاح، يجعل قصة كوخ تل بيكون مثالاً مثيراً على تلك اللحظات التي يبدو فيها الماضي أقرب إلى الحاضر مما ينبغي.