بدأت قصتي قبل نحو سنتين، عندما صرت أرى كوابيس غريبة ومخيفة تتكرر فيها مشاهد الدماء والسيوف والسكاكين.
ولأكون صادقة، فإن الأحلام الغريبة ليست جديدة عليّ تماماً، فمنذ طفولتي كنت ألاحظ أنني كلما نمت في غرفة معينة من منزلنا تراودني أحلام غير مألوفة، لكن الأمر ازداد سوءاً في تلك الفترة، إذ أصبحت أرى الدماء والسكاكين والسراديب المظلمة، وأستيقظ من نومي مذعورة.
لم يتوقف الأمر عند الأحلام فقط، ففي بعض الأحيان كنت أشعر وكأن ملابسي تُسحب مني أثناء النوم، كما كنت أسمع همسات بالقرب من أذني، وكانت معظم الأصوات التي أسمعها أصوات رجال.
لكن ما حدث معي خلال هذه السنة كان أكثر غرابة ورعباً.
بدأت أرى في أحلامي أن منزلنا مسكون، وفي أحد الأحلام وصل الأمر بي إلى إحراق المنزل حتى أتخلص من الأشباح الموجودة فيه، وفي حلم آخر أخبرت أفراد عائلتي بأن هناك روحاً شريرة داخل البيت، وما إن قلت ذلك حتى هاجمتني تلك الروح بصورة مرعبة.
أنا أيضاً أربي القطط وأحبها، لكن شيئاً غريباً كان يحدث باستمرار: القطط الذكور التي أربيها إما تموت أو تختفي في ظروف غامضة. لم يبقَ منها سوى قط واحد، وهذا القط تحديداً جعلني أشعر بالريبة، لأن ملامحه تبدو لي مختلفة عن بقية القطط، وأحياناً أرى فيها شيئاً غريباً أقرب إلى الملامح البشرية.
قبل نحو شهر وقع أمر لا أستطيع نسيانه.
كنت مستيقظة وحدي في صالون المنزل قرابة الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، عندما رأيت شخصاً يدخل. في البداية بدا لي مجرد ظل أسود، لكن عندما اقترب استطعت أن أراه بصورة أوضح.
كان رجلاً يبدو بشرياً تماماً، وسيماً وهادئاً، ولم يحاول إيذائي، بقي في البداية واقفاً عند زاوية الغرفة يراقبني، ثم جلس أمامي ووضع يده على خده وظل ينظر إليّ، وكأنه يريد مني أن أترك الهاتف وأذهب للنوم.
في إحدى اللحظات مد يده محاولاً أخذ الهاتف مني، لكنني تجاهلته، بعدها بدأت تحدث أشياء أخافتني؛ سمعت أصواتاً تشبه ضرب الخزانة، وتحرك الكرسي بطريقة أثارت رعبي، عندها لم أعد أحتمل، فغادرت المكان وذهبت إلى النوم.
في الليلة التالية، وفي الوقت نفسه تقريباً، عدت إلى المكان ذاته، كنت أرتدي ملابس خفيفة، وفجأة بدأت أشعر بإثارة جسدية شديدة من دون أن أفهم سببها، واستمرت الحالة لفترة طويلة تقارب الساعة والنصف إلى أن بلغت النشوة، بعد ذلك ذهبت للنوم.
في الأيام التالية مرضت وأصبت بأعراض تشبه نزلة برد استمرت نحو أسبوع، ثم تحسنت حالتي.
بعد أن شعرت بأنني أصبحت أفضل، نمت ذات ليلة وحدي في غرفة مظلمة. عندها بدأ ينتابني إحساس قوي بأنني لست وحدي. شعرت بالاختناق والحزن والتوتر، وبدأت أحس بوجود ظلال سوداء معي داخل الغرفة.
ثم سمعت أصواتاً تقول لي: "جايين نقتلك".
شعرت بعدها أنني أفقد وعيي تدريجياً، ومنذ تلك الليلة وأنا لا أشعر أنني بخير تماماً.
وحدث بعد ذلك شيء جعل الأمر أكثر غرابة بالنسبة إليّ، كنت قد شاركت في أحد الترندات وطلبت من ChatGPT تحويل صورة قطّي إلى هيئة إنسان، عندما ظهرت الصورة صُدمت، لأن ملامح الشخص الناتج ذكّرتني بصورة واضحة بالرجل الذي رأيته في الصالون تلك الليلة.
هذه باختصار قصتي، وما زلت إلى اليوم أحاول أن أفهم ما الذي حدث معي، وأبحث عن تفسير لكل تلك الأشياء التي رأيتها وشعرت بها.
ترويها أماني (20 سنة) - تونس
تحليل التجربة
من الصعب حسم ما جرى مع أماني اعتماداً على الرواية وحدها، خصوصاً أننا لا نعرف الكثير عن ظروفها النفسية، ونمط نومها، وما إذا كانت تمر بضغوط عائلية أو عاطفية أو دراسية، لذلك من الأفضل النظر إلى التجربة من أكثر من زاوية.
جزء كبير مما وصفته يرتبط بالنوم والليل: الكوابيس، سماع الهمسات، الإحساس بوجود شخص، ورؤية الظلال، وهذه أعراض يمكن أن تظهر أحياناً ضمن ظواهر مرتبطة بالنوم، مثل الهلوسات التي تحدث بين النوم واليقظة أو بعض أشكال شلل النوم، وقد تكون التجربة شديدة الواقعية إلى درجة تجعل الشخص مقتنعاً بأن ما رآه أو سمعه حدث فعلاً في الغرفة.
كما أن القلق وقلة النوم والضغط النفسي قد تزيد من حدة الكوابيس وتجعل الإنسان أكثر انتباهاً للأصوات والظلال والأحداث غير المألوفة، ثم يبدأ العقل بربط هذه الوقائع المنفصلة ضمن قصة واحدة.
الرجل الغامض
رؤية الرجل في الصالون هي أكثر عناصر القصة إثارة، لأنها حدثت بحسب الرواية أثناء اليقظة، لكننا لا نعرف إن كانت أماني مرهقة أو نعسانة، أو كم استمر ظهوره، ومدى وضوح الإضاءة، وهل تفاعل معها فعلياً أم أن المشهد كان إدراكاً عابراً.
في الظلام والإرهاق قد يحوّل الدماغ الظلال والأشكال غير المكتملة إلى صورة بشرية، وهي ظاهرة ترتبط بما يسمى الباريدوليا، أما إذا كانت رؤية الأشخاص أو سماع الأصوات تحدث بشكل متكرر وهي مستيقظة تماماً، فهنا يصبح من المهم استبعاد أسباب مرتبطة بالنوم أو القلق أو عوامل صحية أخرى.
الإحساس الجسدي
النشوة المفاجئة التي تحدثت عنها لا تعني بالضرورة وجود طرف خارجي، فالاستجابات الجنسية قد تحدث تلقائياً نتيجة نشاط الجهاز العصبي أو التغيرات الهرمونية أو التوتر، وأحياناً خلال حالات قريبة من النوم ، وبما أن أماني كانت قد رأت الرجل الغامض في المكان نفسه في الليلة السابقة، فمن الطبيعي أن تربط ذهنياً بين الحدثين.
القط والصورة البشرية
قول أماني إن قطها يحمل ملامح بشرية، ثم رؤيتها صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تشبه الرجل الذي شاهدته، يمكن تفسيره أيضاً بقدرة الدماغ الكبيرة على اكتشاف الوجوه في الأشياء والحيوانات.
وعندما يحول الذكاء الاصطناعي صورة حيوان إلى إنسان، فهو لا يكشف هيئة خفية، بل يبتكر وجهاً اعتماداً على ملامح عامة، فإذا كانت صاحبة التجربة تحمل مسبقاً صورة ذهنية لذلك الرجل، فقد يبدو التشابه لها أكثر وضوحاً وتأثيراً.
أما موت القطط الذكور أو اختفاؤها، فلا توجد معلومات تكفي لربط ذلك بالقط الباقي أو بالتجارب الأخرى.
أثر المعتقدات الشعبية
يلعب الجانب الثقافي دوراً مهماً أيضاً، ففي الموروث العربي والمغاربي تنتشر قصص عن الجن والقرين والجن العاشق وظهور الكيانات في هيئة بشر أو حيوانات، ولهذا قد يجد الشخص الذي يمر بتجربة غامضة تفسيراً جاهزاً لها داخل ثقافته.
ومن الممكن أن تُجمع رؤية الرجل والأصوات والظلال والأحاسيس الجسدية والقط الغريب تحت تفسير واحد يتعلق بالجن، لكن انتشار هذا التفسير الشعبي لا يجعله دليلاً على أن السبب فعلاً كيان غير مرئي.
بل قد تكون التجربة مزيجاً من أكثر من عامل: كوابيس، واضطرابات نوم، وخوف، واستجابات جسدية، وأصوات أو ظلال عادية، ثم قام العقل لاحقاً بربطها ضمن سردية واحدة.
ما الذي يمكن قوله في النهاية ؟
لا يمكن من هذه الشهادة وحدها إثبات وجود ظاهرة ماورائية، كما لا يمكن تشخيص حالة نفسية، لكن الفرضيات الأكثر قابلية للفحص تبدأ من اضطرابات النوم، والضغط النفسي، وتأثير التوقع والثقافة في تفسير الأحداث الغامضة.
أما تفسير الجن أو الكيانات غير المرئية فيبقى جزءاً من المعتقد الشعبي ومن تفسير صاحبة التجربة، لا نتيجة يمكن إثباتها من المعلومات المتاحة.
وتبقى نقطة مهمة: إذا استمرت أماني في سماع أصوات تهددها وهي مستيقظة تماماً، أو تكررت حالات فقدان الوعي أو ازدادت حدتها، فمن الأفضل عدم الاكتفاء بالتفسير الماورائي، بل طلب تقييم طبي أو نفسي أيضاً.