تذكّرت مؤخراً شيئاً حدث لي عندما كنت لا أزال في المرحلة الثانوية، وحتى اليوم لا أعرف حقاً كيف أفسره.
كان ذلك في وقت ما خلال الربيع أو الصيف، قرابة الساعة الثانية بعد منتصف الليل. كنت عائداً سيراً إلى المنزل من بيت أحد أصدقائي. ولكي أصل إلى المبنى الذي أسكن فيه، كان عليّ أن أمشي بمحاذاة سدّ ترابي بجانب نهر، ثم أنعطف يميناً وأتابع مسافة قصيرة حتى أصل إلى المبنى.
كان المكان هادئاً بشكل استثنائي، وإذا كانت ذاكرتي لا تخونني، فقد كان القمر بدراً أيضاً، لذلك كانت الإضاءة في الخارج جيدة إلى حدّ ما ، وبينما كنت أقترب من مدخل المبنى، سمعت فجأة صوت طفلة صغيرة يقول اسمي الأول بوضوح شديد... ثلاث مرات.
في المرة الأولى، لم أستوعب فعلياً ما كان يحدث. واصلت المشي لبضع ثوانٍ، ثم سمعته مرة أخرى.
أغرب ما في الأمر كان مدى قرب الصوت مني. بدا، بكل صراحة، كما لو أن شخصاً كان يصرخ باسمي مباشرة إلى جانب أذني.
وما جعل الأمر أكثر غرابة أنني روماني، وفي المنطقة التي أنتمي إليها، نادراً جداً ما كان أحد يناديني باسمي الأول. كان الجميع يعرفونني باسم عائلتي، ولذلك لم أكن معتاداً أصلاً على أن ينادي أحد باسمي الأول بشكل عشوائي فأفترض تلقائياً أنه يقصدني.
ولكي أستبعد التفسير البديهي: لم أكن مخموراً، ولم أكن تحت تأثير أي مادة. كنت بكامل وعيي تماماً.
بعد أن دخلت شقتي، اتجه تفكيري بطبيعة الحال مباشرة إلى كل تلك القصص الرومانية عن كائنات اليِليلي Ielele، وهي في الأساس أرواح أنثوية خارقة للطبيعة في الفلكلور الروماني.
خصوصاً أنني كنت بالقرب من نهر، وكانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، والقمر بدراً، وكان ذلك في الفترة الدافئة من السنة التي تُروى فيها عادة مثل هذه الحكايات.
أنا لا أقول إن ما حدث كان بالفعل من فعل اليِليلي أو أي شيء من هذا القبيل، ربما يوجد تفسير طبيعي للأمر لكن حتى يومنا هذا لا أستطيع حقاً أن أفسر لماذا سمعت اسمي أنا بالتحديد ثلاث مرات، وبهذا الوضوح، ولماذا بدا الصوت وكأنه صادر من مكان ملاصق لي تماماً.
يرويها ultymus من موقع ريديت
من هن اليِليلي Ielele ؟
كائن يِليه Iele هو اسم يطلق على أحد الأرواح الأنثوية في الموروث الشعبي الروماني، أما يِليلي Ielele فهي صيغة الجمع، وقد صُوّرن في الروايات الشعبية أحياناً كجنيات أو حوريات فاتنات، وأحياناً كأرواح خطرة يصعب تحديد طبيعتها على نحو واضح.
يرتبط ظهورهن بصورة خاصة بالليل وضوء القمر والأماكن المنعزلة؛ مثل الغابات والفسحات والينابيع وضفاف الأنهار ومفارق الطرق ومن أشهر عناصر أسطورتهن أنهن يتجمعن ويرقصن في حلقات وأن أصواتهن أو غناءهن قد يسحر من يسمعه أو يجذبه إليهن وفي بعض الروايات قد يتعرض من يراهن أو يسمع غناءهن أو يقترب من موضع رقصهن للأذى أو فقدان القدرة على الكلام.
ولهذا من السهل فهم لماذا ربط صاحب التجربة ما حدث له بهذه الأسطورة: ليل صيفي، بدر، نهر، صوت أنثوي غامض وقريب للغاية. لكن هذا التشابه يبقى رابطاً فلكلورياً من وجهة نظر الراوي، وليس دليلاً على أن ما سمعه كان كائناً خارقاً للطبيعة.
ولا تنفرد رومانيا بفكرة «الصوت الذي ينادي الإنسان ليلاً»؛ فهذا الأمر يتكرر في تراث شعوب عديدة، ففي الريف المصري تظهر النداهة قرب النيل والترع ويُقال إنها تنادي ضحيتها باسمها بصوت ساحر لتجذبها نحو الماء، وفي الموروث العربي نجد أيضاً حكايات هواتف الجن وهي أصوات مجهولة المصدر دون أن يُرى صاحبها وقد تنادي أشخاصاً بأسمائهم، كما تعرف الحكايات الشعبية الحديثة في جبال الأبلاش الأمريكية تحذيراً متكرراً من الاستجابة لصوت مجهول ينادي المرء باسمه من الغابة ليلاً.قد تختلف أسماء هذه الكائنات وصفاتها، لكن الفكرة واحدة تقريباً: صوت يعرف اسمك، يأتي من الظلام، ويحذّرك الموروث الشعبي من أن تجيبه.
فرضية تفسير عصبية/نفسية
من زاوية علم الأعصاب، لا يشترط أن يكون سماع صوت واضح دليلاً على اضطراب نفسي؛ فقد تحدث تجارب سمعية عابرة حتى لدى أشخاص أصحاء، وفي ظروف الليل المتأخر والتعب أو قلة النوم يصبح الدماغ أكثر عرضة للتشوهات الإدراكية والتجارب الشبيهة بالهلوسة ، كما يمكن أن تحدث حالة من الباريدوليا السمعية، حيث يفسر الدماغ أصواتاً مبهمة كأنها كلمات ذات معنىوبما أن اسم الإنسان من أكثر الكلمات حساسية وانتباهاً بالنسبة إليه، فمن الممكن نظرياً أن يكون صوت بيئي خافت قد أعاد الدماغ تشكيله على هيئة اسمه مع إحساس زائف بأن مصدره كان قريباً جداً من أذنه، وهذا يقدم تفسيراً محتملاً للتجربة، لكنه بطبيعة الحال لا يسمح لنا بمعرفة ما حدث فعلاً في تلك الليلة.