كانت هذه الحادثة هي البداية الحقيقية لاهتمامي بعالم الظواهر الغامضة والكائنات الخفية، وما زلت أتذكر تفاصيلها رغم مرور ثلاثة وعشرين عاماً.

في ذلك الوقت كنت أخدم عسكرياً في مدينة الحلة، ضمن تشكيلات القوة الجوية والدفاع الجوي العراقي، خلال فترة النظام السابق برئاسة صدام حسين، ومع تصاعد التوترات الدولية صدرت إلينا أوامر بإخفاء الطائرات المقاتلة والأسلحة والصواريخ في مواقع يُعتقد أنها "محمية بموجب الاتفاقيات الدولية" ومن بينها منطقة آثار بابل المدرجة ضمن المواقع التراثية.

جرى تكليفي أنا وزملائي بإخفاء صواريخ أرض–جو داخل المنطقة الأثرية، وبعد انتهاء العمل حلّ الليل، كنت نائماً عندما أيقظني أحد الجنود قائلاً: «حان موعد نوبة حراستك».

توجهت وحدي بين أطلال بابل، كان الليل شديد الظلمة والجو بارداً وكئيباً على نحو يصعب وصفه، وبينما كنت أسير سمعت وقع خطوات خلفي فالتفتُّ بسرعة، لأجد جرواً صغيراً أبيض اللون يتبعني بهدوء.

واصلت السير، لكن الظلام كان كثيفاً إلى درجة أنني تهت عن الطريق المؤدي إلى موقع الحراسة، وفي تلك اللحظة رأيت شيئاً لم أكن أتخيل أنني سأراه في حياتي.

ظهرت أمامي أجسام مضيئة على هيئة أقراص، تتوهج بألوان صفراء وبيضاء، وكانت تتحرك بصمت تام، لم تكن جميعها بالحجم نفسه؛ فمنها ما كان كبيراً يقارب حجم سيارة، ومنها ما كان صغيراً لا يتجاوز حجم عصفور الدوري.

تجمدت في مكاني من شدة الصدمة، وصرخت بكل ما أملك من قوة: «الأمريكان !... إنه إنزال عسكري !».

ولا أذكر ما حدث بعد ذلك إلا للحظة واحدة فقط، إذ شعرت بشيء يشبه صعقة كهربائية قوية اجتاحت جسدي بالكامل... ثم فقدت الوعي.

عندما أفقت، وجدت نفسي في مكان بعيد عن الموقع الذي كنت أسير فيه، بينما كان رفاقي يبحثون عني بعدما تأخرت كثيراً عن الوصول إلى نقطة الحراسة.

أخبرتهم بكل ما رأيته، لكن أحداً منهم لم يصدقني.

كانت تلك أول تجربة غامضة في حياتي... تجربة لم أنسها قط، وكانت الشرارة التي دفعتني إلى البحث في عالم الظواهر الخارقة والأجسام الطائرة المجهولة وكل ما يرتبط بالمجهول.

يرويها العامر (45 سنة) - العراق

تعقيب كمال غزال

تثير هذه الشهادة عدداً من الأسئلة التي لا تقدم الرواية الحالية إجابات حاسمة عنها، فأهم ما يلفت الانتباه هو أن صاحب التجربة فقد وعيه مباشرة بعد مشاهدة الأجسام المضيئة، لكنه لم يحدد مدة الزمن التي انقضت قبل أن يستعيد وعيه، هل كانت دقائق معدودة ؟ أم أن هناك فجوة زمنية أطول لم ينتبه إليها ؟ 

في أدبيات ظاهرة الأجسام الطائرة المجهولة، تُعرف هذه الحالة باسم "الوقت المفقود" Missing Time، وهي من العناصر التي تكررت في عدد من أشهر الملفات الغربية، وقد ادعى بعض الشهود أنهم استعادوا أجزاءً من ذكرياتهم لاحقاً أثناء جلسات تنويم مغناطيسي أُجريت لأغراض بحثية، لتظهر روايات عن أحداث لم يكونوا يتذكرونها بعد التجربة مباشرة. 

وبطبيعة الحال، لا يعني ذلك أن صاحب هذه القصة تعرض بالضرورة لما يُعرف بـ"الاختطاف الفضائي"، فهذه مجرد فرضية لا يمكن إثباتها اعتماداً على هذه الرواية وحدها، لكنها تبقى سؤالاً مشروعاً يستحق الدراسة إذا أمكن مستقبلاً إعادة فحص التجربة بوسائل بحثية مناسبة.على أية حال ، نتمنى من صاحب التجربة التواصل معنا للإجابة عن هذه التساؤلات كما أرسلها مشكوراً إلى موقعنا ، موقع ما وراء الطبيعة Paranormal Arabia.

اللافت أيضاً أن هذه الرواية لا تبدو معزولة تماماً عن سياقها الجغرافي، ففي عام 2010 نشر الباحث العراقي أحمد بشير تحقيقاً تناول فيه سلسلة من البلاغات والمشاهدات الواردة من محافظة بابل (إقرأ المزيد في أجسام طائرة مجهولة في بابل الأثرية)، أشار فيه إلى أن سكان المنطقة تحدثوا عن ظهور أضواء شديدة السطوع وأجسام مجهولة فوق المواقع الأثرية، ولا سيما مدينة بابل، وأن بعض تلك المشاهدات كانت تتكرر لسنوات طويلة قبل أن تنقطع لفترات ثم تعود مجددًا. 

كما أورد التحقيق شهادات منسوبة إلى سكان محليين وتقارير غير رسمية تشير إلى ظهور أضواء ليلية غير مألوفة فوق المنطقة الأثرية، حتى إن بعض الشهود وصفوا ضوءاً يغمر المكان بأكمله مع صعوبة تحديد مصدره أو رؤية جسم واضح يحمله.

وطرح أحمد بشير آنذاك ثلاثة تفسيرات رئيسية لهذه الظاهرة: أن تكون تقنيات عسكرية أو طائرات استطلاع متطورة، أو ظواهر بصرية ناجمة عن انعكاسات وانكسارات ضوئية، أو أجساماً مجهولة المنشأ كما يعتقد بعض المهتمين بظاهرة الأجسام الطائرة المجهولة.

لا يمكن اعتبار ذلك التحقيق دليلاً على صحة هذه التجربة أو تفسيراً لها، فكل حالة ينبغي أن تُدرس بصورة مستقلة، لكن من اللافت أن رواية صاحب هذه الشهادة تتقاطع في المكان، وفي طبيعة الأضواء الموصوفة، مع شهادات عراقية أخرى سبق توثيقها قبل سنوات.ولهذا السبب، نرى أن هذه التجربة تستحق الحفظ والدراسة، فهي تمثل واحدة من أندر الشهادات العربية التي تجمع بين الخلفية العسكرية، والموقع الأثري، ومشاهدة أجسام مضيئة يعقبها فقدان للوعي، وهي عناصر جعلت حالات مشابهة في الغرب موضع اهتمام الباحثين لعقود طويلة.