كانت هذه التجربة بدايتي الحقيقية للدخول إلى عالم الظواهر الغامضة والكائنات الخفية، وما زلت أتذكرها رغم مرور أكثر من عشرين عاماً.

في ذلك الوقت كنت أخدم عسكرياً في مدينة الحلة بمحافظة بابل، ضمن القوة الجوية والدفاع الجوي العراقي، في فترة النظام السابق برئاسة صدام حسين، ومع الظروف التي كان يمر بها العراق صدرت إلينا أوامر بإخفاء بعض الأسلحة والطائرات والصواريخ في أماكن محمية أو مواقع أثرية وتراثية.

شاركنا حينها في إخفاء صواريخ أرض–جو داخل منطقة آثار بابل ، لم أكن شخصاً بعيداً عن الطائرات والمعدات العسكرية، بحكم خدمتي شاهدت الكثير منها، وقبل هذه الحادثة بعدة أشهر كنت في مهمة سرية في صحراء الأنبار، في وادي حوران، وشاهدت طائرة أمريكية وجنوداً حولها، وقع اشتباك معهم قبل أن ينسحبوا، ولهذا كنت أعرف إلى حد ما شكل المعدات والطائرات الموجودة في الميدان.


في ليلة الحادثة كنت نائماً عندما أيقظني جندي وأخبرني أن موعد نوبة حراستي قد حان ، خرجت قرابة الساعة الثانية صباحاً واتجهت نحو الموقع بين أطلال آثار بابل، كان الليل شديد الظلمة، والجو بارداً وكئيباً وأثناء سيري سمعت وقع خطوات خلفي ، التفتُّ، فإذا بجرو صغير أبيض اللون يتبعني، تابعت السير لكنني بسبب الظلام ضللت الطريق المؤدي إلى موقع الحراسة.

عندها شاهدت الأضواء ، ظهرت أمامي أجسام مضيئة ذات أشكال قرصية أو بيضاوية، بعضها أبيض وبعضها أصفر، وكانت مختلفة الأحجام. منها ما بدا لي كبيراً بحجم سيارة تقريباً، ومنها ما كان صغيراً جداً حتى إن بعضها بدا بحجم عصفور الدوري ، كانت تتحرك أمام عيني أفقياً وعمودياً بسرعات عجيبة ولكن حركتها كانت انسيابية، وكان كل جسم يتحرك في اتجاه مختلف عن الآخر ، ثم توقفت بعض هذه الأجسام فوقي، وقدّرت المسافة بيني وبينها بنحو 30 أو 40 متراً ، لم تكن صامتة ، كان يصدر عنها صوت يشبه طنين خلايا النحل، وكانت أضواؤها قوية جداً وسط ذلك الظلام وانعكس نورها على الطريق وآذى عيني فاستعنت بالنظارة الشمسية العسكرية التي كنت أحملها مع خوذتي ، تجمدت في مكاني ، كان أول تفسير خطر في ذهني أننا أمام هجوم أمريكي، فصرخت: « الأمريكان! إنه إنزال... هجوم إنزال !»

لكنني اليوم، وبعد ما شاهدته من معدات عسكرية خلال خدمتي، أقول إن تلك الأجسام لم تكن تشبه شيئاً سبق أن رأيته ،أتذكر أنني بحثت عن الجرو الأبيض الذي كان يتبعني ثم شعرت فجأة بشيء يشبه الصعقة الكهربائية.

لم أرَ أي وميض يسبقها ومن تلك اللحظة انقطعت ذاكرتي  ،عندما استعدت وعيي كنت لا أزال في المنطقة نفسها، لكن خوذتي كانت ملقاة بعيداً عني والبندقية التي كنت أحملها على ظهري أصبحت على بعد عدة أمتار كما وجدت جهاز الاتصال اللاسلكي معطلاً ولا يعمل.

كنت قد خرجت إلى الحراسة قرابة الساعة الثانية صباحاً، لكن عندما أفقت كان وقت الشروق، وكان رفاقي قد بدأوا البحث عني بعدما لم أصل إلى موقع الحراسة.

لم أتحدث رسمياً عما حدث، نصحني أبي حينها بألا أتكلم عن الأمر لأن النظام في العراق لم يكن ليتعامل بسهولة مع قصة كهذه وربما لم يصدقني أحد أو تعرضت بسببها للمساءلة أو الاعتقال.

عدت لاحقاً إلى الموقع برفقة شخص آخر وبعد الحادثة عانيت من الصداع والكوابيس ، سمعت أيضاً أحاديث بين الناس تقول إن منطقة الآثار مسكونة وسمعت من والدي عن مشاهدة جسم طائر في الكويت لكنني لا أبني تفسيري لما حدث على تلك القصص.

أنا متأكد مما شاهدته تلك الليلة، لكنني لا أعرف ما كانت تلك الأجسام وبالنسبة إليّ لم تكن شيئاً عسكرياً مألوفاً ، كانت شيئاً مجهولاً.

أخبرت بعض رفاقي بكل ما رأيته لكنهم لم يصدقونني.


يرويها العامر (45 سنة) - العراق


تحليل التجربة - كمال غزال

بعد تواصلي المباشر مع صاحب التجربة وطرح أسئلة تفصيلية عليه أصبحت لدينا معلومات أكثر بكثير من الرواية الأولى وبعضها يقربنا من تفسيرات أرضية محتملة بينما تظل أجزاء أخرى من الحادثة بلا تفسير.

وأهم ما ينبغي التأكيد عليه أن ما لدينا هو شهادة شخصية تُستعاد بعد أكثر من عشرين عاماً لذلك لا يمكن التعامل مع تقديرات المسافة والحجم والوقت باعتبارها قياسات دقيقة، مهما كان الشاهد واثقًا من ذكرياته ، لكن الشهادة تتضمن تفاصيل يمكن تحليلها.


فرضية الطائرات المسيّرة

أصبحت فرضية وجود طائرات مسيّرة (درونز) أو أجهزة جوية عسكرية أكثر أهمية بعد الإجابات الجديدة فالشاهد يصف عدة خصائص تذكّر فعلًا بسلوك بعض المركبات الجوية غير المأهولة: حركة أفقية ورأسية، توقف أو تحويم فوق نقطة معينة، حركة مستقلة لكل جسم، وأهم من ذلك صوت يشبه طنين خلايا النحل ، وهذه الأخيرة ملاحظة مهمة.

فالمراوح والمحركات الكهربائية للطائرات المسيّرة، وخصوصاً الأنظمة متعددة المراوح، تنتج أزيزاً أو طنيناً مميزاً يمكن تشبيهه بسرب من الحشرات وإذا كان تقدير الشاهد للمسافة صحيحاً وكانت الأجسام على ارتفاع عشرات الأمتار فقط يصبح سماع هذا الصوت أمراً منطقياً.

حتى شكل "الأقراص" يحتاج إلى الحذر، الشاهد كان في مكان شديد الظلمة وينظر نحو مصادر ضوئية قوية لدرجة أنها آذت عينيه. وفي مثل هذه الظروف قد تختفي حدود الجسم الذي يحمل الضوء فلا يرى الإنسان إلا الهالة المضيئة التي قد تبدو قرصية أو بيضاوية.

ومع ذلك تواجه فرضية الدرون مشكلة تاريخية، فالطائرات الأمريكية غير المأهولة المعروفة والمستخدمة في العراق في تلك المرحلة كانت في معظمها ثابتة الجناح ولا تتوافق بسهولة مع وصف عدة مركبات صغيرة تحوم وتتحرك رأسياً مثل الدرونات متعددة المراوح التي أصبحت مألوفة اليوم.

ومن ثم يبقى احتمال وجود نظام عسكري أو تجريبي غير مألوف للشاهد وارداً، لكنه يحتاج إلى دليل تاريخي مستقل قبل اعتماده تفسيراً للحادثة.


هل كانت ذخائر أو قنابل مضيئة ؟

هذا احتمال آخر ينبغي عدم تجاهله، خصوصاً في بيئة عسكرية ، فالقنابل المضيئة والشعلات العسكرية يمكن أن تنتج أضواء شديدة في السماء وقد يبدو حجمها ومسافتها مختلفين تماماً في الليل.

لكن هذا التفسير يواجه بدوره مشكلة مع شهادة الرجل: فهو لا يصف أضواء تهبط ببطء وإنما أجساماً يقول إنها تحركت أفقياً وعمودياً، كل منها بصورة مستقلة، ثم توقفت فوقه كما أن وصف الطنين لا ينسجم بسهولة مع الشعلات المضيئة.

إذا كانت ذاكرته دقيقة في هذه النقاط، تصبح فرضية الذخائر المضيئة أقل إقناعاً من فرضية أجهزة جوية فعلية.


الصعقة لا تعني بالضرورة سلاحاً

الإغراء الأكبر في هذه القصة هو جمع العناصر معاً: أجسام مجهولة + صعقة + فقدان وعي + تعطل الراديو = سلاح كهرومغناطيسي.

لكن لا توجد أدلة كافية تسمح بهذه القفزة ، فالشاهد يقول إنه شعر بما يشبه الصعقة الكهربائية وليس لدينا قياس أو إصابة موثقة تثبت أنه تعرض فعلاً لتفريغ كهربائي أو إشعاع كهرومغناطيسي.

كما أن تعطل جهاز الاتصال لا يثبت تعرضه لنبضة كهرومغناطيسية، فقد يتعطل الجهاز بسبب البطارية أو السقوط أو خلل تقني أو أسباب أخرى ، والأكثر تحفظًا أن نتعامل معهما حالياً باعتبارهما حدثين متزامنين لا نعرف إن كانت بينهما علاقة.


ماذا حدث بين الثانية صباحاً والشروق ؟

هذه تبقى أكثر نقاط القصة إثارة  ،يقول الشاهد إنه خرج قرابة الثانية صباحاً ثم تنقطع ذاكرته بعد إحساسه بالصعقة ولا يستعيدها إلا عند الشروق ، إذا كان تسلسل الزمن الذي يتذكره صحيحاً فهناك عدة ساعات لا يعرف ماذا حدث خلالها.

لكن ينبغي التمييز هنا بين فجوة في الذاكرة وبين فجوة في الزمن.

ربما ظل فاقداً للوعي طوال هذه الفترة، وربما تحرك وهو في حالة اضطراب ولم يحتفظ بذكريات عنها، وربما كان تقديره الزمني بعد عقود غير دقيق، وقد تكون هناك أسباب عصبية أو جسدية لفقدان الوعي والذاكرة لا علاقة لها بالأجسام التي شاهدها.

أما وجود الخوذة والبندقية على بعد أمتار منه فهو تفصيل يستحق التسجيل لكنه لا يثبت انتقاله أو تعرضه لقوة مجهولة؛ فقد تكون معداته تناثرت أثناء سقوطه أو أزالها خلال فترة لا يتذكرها.


ماذا عن فرضية الاختطاف  ؟

تتشابه بعض عناصر الرواية ظاهرياً مع أدبيات "الاختطاف الفضائي": أجسام مجهولة، اقتراب، فقدان للوعي، ثم فترة لا يتذكرها الشاهد وظهور كوابيس بعد الحادثة، لكن ذلك تشابه في عناصر القصة وليس دليلاً على حدوث اختطاف.

فالرجل لا يتذكر رؤية كائنات ولا دخوله إلى مركبة ولا إجراء تجارب عليه ولا حتى انتقاله إلى مكان آخر، بل يؤكد أنه استعاد وعيه في المنطقة نفسها.

وقد أبدى استعداده للخضوع للتنويم المغناطيسي لاستكشاف ما جرى في تلك "الساعات المفقودة"، لكن ينبغي التعامل مع ذلك بحذر شديد؛ فالذاكرة البشرية ليست تسجيلاً محفوظاً يمكن للتنويم تشغيله ويمكن للأسئلة الموحية أن تخلق ذكريات خاطئة يشعر صاحبها لاحقاً بأنها حقيقية ، لذلك فإن أجريت جلسة كهذه، فلا ينبغي اعتبار ما يظهر خلالها دليلاً مستقلاً.


مشاهدات عديدة اخرى في بابل

ما يمنح القضية بعداً إضافياً أن هذه ليست الرواية الوحيدة عن أضواء غريبة قرب آثار بابل.

ففي تحقيق نشره الباحث العراقي أحمد بشير عام 2010، تم جمع شهادات محلية تتحدث عن أضواء شديدة وأجسام غير مألوفة شوهدت فوق مناطق أثرية في بابل وتحدث بعض السكان عن أضواء تظهر ليلاً، فيما وصف آخرون مصدراً شديد السطوع يصعب تحديد الجسم الذي يصدر عنه ، إقرأ المزيد عن أجسام طائرة مجهولة في بابل الأثرية.

وتراوحت التفسيرات المطروحة حينها بين النشاط العسكري وطائرات الاستطلاع، والانعكاسات والظواهر الضوئية، وصولاً إلى فرضية الأجسام ذات الأصل غير الأرضي.

لا تثبت تلك الروايات تجربة هذا الجندي كما لا يجوز دمج شهادات منفصلة في حادثة واحدة ،لكنها تجعل جمع شهادات سكان بابل والعسكريين الذين خدموا في المنطقة آنذاك مشروعاً يستحق المتابعة.

ما هي الفرضية المرجحة لتفسير ما حصل  ؟

في ضوء المعلومات المتاحة حالياً، يبدو السيناريو الأرضي الأكثر تحفظاً هو أن الشاهد رأى نشاطاً جوياً حقيقياً لم يستطع التعرف إليه  وربما كان عسكرياً أو مرتبطاً بأجهزة جوية غير مألوفة له، وأن الظلام وشدة الإضاءة جعلا تحديد شكل الأجسام وحجمها ومسافتها أمراً بالغ الصعوبة.

أما فقدان الوعي فقد يكون حدثاً منفصلاً له سبب جسدي أو عصبي أو نتيجة سقوط أو إجهاد شديد، ولا يوجد حتى الآن ما يثبت أن الأجسام هي التي تسببت فيه.

هذه الفرضية لا تفسر كل شيء، خصوصاً الفترة الممتدة حتى الشروق لكنها تتطلب افتراضات أقل من فرضية السلاح الكهرومغناطيسي السري أو الاختطاف الفضائي.

وفي المقابل، لا نستطيع وصف القضية بأنها محلولة، فإذا صحت التفاصيل الأساسية كما يتذكرها الشاهد، يظل أمامنا لغزان منفصلان:

ما الأجسام المضيئة التي كانت تتحرك وتحوم فوق آثار بابل ؟

وماذا حدث للجندي بين إحساسه بالصعقة واستعادته وعيه عند الشروق ؟