في زمن الرادارات المتطورة وأجهزة التتبع وأنظمة الملاحة الرقمية، يبدو الحديث عن سفن "مسكونة" وكأنه عودة إلى حكايات البحارة القديمة،  لكن الغريب أن هذه الحكايات لا تأتي دائماً من صياد بسيط أو مسافر عابر بل أحياناً من قبطان أمضى سنوات طويلة في البحر، يعرف السفن من الداخل، ويفرق بين صوت المعدن تحت الضغط، وصرير المحركات، وارتجاج الأمواج، وبين شيء آخر لا يجد له تفسيراً سهلاً.

من بين هذه الشهادات اللافتة ما رواه القبطان سعيد العوفي في مقابلة ضمن «بودكاست بترولي» الذي تقدمه منصة «مختلف»، في حلقة حملت عنواناً مثيراً:" سفن مسكونة بالجن: قصة 30 عاماً في البحر"،  الحلقة المنشورة في 25 سبتمبر 2025 تمتد لأكثر من ساعتين، وتعرض رحلة العوفي في البحر، من الدراسة البحرية والعمل على متن السفن، إلى الأعاصير والحرائق والقراصنة، وصولاً إلى ما وصفه بتجارب غامضة على سفن "مسكونة".

من هو القبطان سعيد العوفي ؟

ليس القبطان السعودي سعيد العوفي راوياً شعبياً يقص الحكايات من بعيد بل رجل بحر، بحسب بيانات حسابه المهني والاجتماعي فهو خريج الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا ويحمل صفة "ربان أعالي بحار"، وله خبرة في هذا المجال منذ عام 1995، إضافة إلى خبرة في منصات البترول منذ عام 2008، كما يظهر في بيانات مهنية أخرى أنه عمل في قطاع النفط والطاقة بوصفه Rig Move Master، وهي رتبة/مهمة متخصصة في تحريك المنصات البحرية والعمليات المعقدة في البحر.

هذه الخلفية تمنح شهادته طابعاً خاصاً؛ فهو لا يتحدث عن البحر كرمز شعري أو فضاء أسطوري فقط، بل عن بيئة عمل صارمة، حيث كل خطأ قد يتحول إلى كارثة، ولهذا فإن قوله إن "أغلب السفن التجارية مسكونة" لا يظهر في المقابلة كدعابة عابرة بل كخلاصة تجربة طويلة داخل عالم مغلق، معزول، شديد القسوة، وممتلئ بالقصص التي لا تخرج عادة إلى اليابسة.

البحر… المكان الذي يبتلع اليقين

قبل الدخول إلى القصص، يجب فهم طبيعة الحياة فوق السفينة، السفينة التجارية ليست مجرد وسيلة نقل؛ إنها مدينة معدنية عائمة، يعيش فيها الطاقم أسابيع أو أشهراً، بين ضجيج المحركات، اهتزاز البدن، مناوبات الليل، العزلة، الخوف من العواصف، والبعد الطويل عن الأهل، وتشير مراجع متخصصة إلى أن النقل البحري يحمل نحو 80% من حجم التجارة العالمية مما يجعل حياة البحارة جزءاً خفياً من نظام العالم الحديث.

لكن هذا النظام العملاق يقوم على بشر يعيشون في ظروف نفسية وبدنية صعبة، دراسات عن صحة البحارة تذكر أن العمل في البحر يرتبط بعوامل ضغط مثل الوحدة، الانفصال عن الأسرة، التعب، قلة النوم، الضجيج، والشعور بعدم الأمان. كما أن اضطراب النوم ونظام المناوبات من أبرز أسباب الإرهاق لدى البحارة.

لهذا، عندما يقول بحار إنه سمع بكاءً في ممر فارغ، أو رأى تصرفاً لا يفسَّر، فإن السؤال لا يكون فقط: "هل هناك جن ؟" ،  بل أيضاً: ماذا يفعل البحر بعقل الإنسان عندما يعزله عن اليابسة، ويجعله محاطاً بالماء والحديد والليل ؟

قصة السفينة التي زادوا راتبه ليصعد إليها

من أكثر المقاطع تداولاً من حديث العوفي قصة سفينة قيل إنها "مسكونة"،  يروي في المقطع أنه تلقى عقداً وجد فيه زيادة قدرها 30% على الراتب وكان وقتها جديداً نسبياً في البحر، فبدا العرض مغرياً وربما طبيعياً في نظر شاب في بداية الطريق، لكنه اكتشف لاحقاً أن الزيادة لم تكن مجرد حافز مالي عادي بل مرتبطة بسمعة تلك السفينة نفسها، في المقطع المتداول يقول إن العقد جاء بزيادة ثلاثين في المئة ثم يربط ذلك باكتشافه أن السفينة "مسكونة".

هنا تبدأ القصة الحقيقية، لا عند ظهور شيء خارق، بل عند السؤال: لماذا تدفع شركة أو جهة تشغيل زيادة لرحلة واحدة ؟ في عالم البحر، الزيادة قد تعني خطراً مهنياً، منطقة صعبة، طقساً سيئاً، رحلة مرهقة، أو سفينة لا يرغب الطاقم في العمل عليها، لكن في رواية العوفي، السبب لم يكن فنياً فقط، بل كان مرتبطاً بما يتناقله البحارة عن السفينة.

تخيل سفينة تجارية ضخمة، ممراتها طويلة وضيقة، أبوابها المعدنية تقفل بصوت حاد، وغرفها موزعة بين سطح السفينة وغرفة المحركات والكبائن.

 في الليل، يقل الكلام، وتصبح الأصوات الصغيرة أكبر من حجمها: طرقات بعيدة، اهتزاز أنبوب، صدى قدم في ممر خالٍ، لكن ما يرويه البحارة عادة عن "السفن المسكونة" لا يتوقف عند الأصوات الطبيعية؛ المشكلة تبدأ عندما يسمع أكثر من شخص الشيء نفسه، أو عندما يتكرر الصوت في المكان نفسه، أو عندما يأتي من جهة لا يفترض أن يكون فيها أحد.

وفي هذه القصة بالذات، ظهر عنصر شديد الغرابة: بكاء طفل.

بكاء طفل على سفينة لا أطفال فيها

في مقطع آخر متداول عن القصة نفسها، ترد إشارة إلى "طفل الجن يبكي"وهي عبارة تلخص جوهر الرعب في الرواية: صوت بكاء طفل على متن سفينة تجارية لا يفترض أن يوجد فيها طفل أصلاً.

هذه الجزئية وحدها كافية لتفسير لماذا تترسخ مثل هذه القصص في ذاكرة البحارة، فالسفينة التجارية مكان عملي صارم: طاقم، مناوبات، معدات، بضائع، أوامر، وسجلات. 

لا توجد فيها حياة عائلية، ولا أصوات أطفال، ولا غرف لعب، لذلك حين يسمع بحار بكاء طفل في الليل فالعقل يبحث أولاً عن تفسير مادي: ربما جهاز، احتكاك، صوت حيوان عالق، تسرب هواء، صدى قادم من مكان آخر. 

لكن إذا تكرر الصوت، أو سمعه أكثر من فرد، أو جاء من منطقة مغلقة، يتحول التفسير من "خلل في السفينة" إلى "شيء في السفينة".

في الثقافة العربية والإسلامية الشعبية سيكون التفسير الأقرب هو الجن، أما في ثقافات بحرية أخرى فقد يقال إنها أرواح بحارة ماتوا، أو ركاب غرقوا، أو أثر حادث قديم، العوفي نفسه ،كما يظهر من عنوان الحلقة والمقاطع المتداولة، يضع الاحتمالين معاً: جن أو أرواح ، وهذا مهم لأن البحر بطبيعته يخلط بين التصورات؛ فما يسميه بحار "روحاً" قد يسميه آخر "جنياً" وما يسميه شخص ثالث "وهماً سمعياً" قد يبقى في ذاكرة الطاقم باسم "الساكن الخفي".

هل كل سفينة لها "سكان" غير مرئيين ؟

اللافت في شهادة العوفي أنه لا يتحدث عن سفينة واحدة فقط، في مقطع بعنوان "هل السفن التجارية مسكونة ؟" ترد الفكرة بصيغة عامة، حيث يُنسب إليه القول إن أغلب السفن فيها شيء من هذا النوع وكأن الأمر ليس حادثة استثنائية بل جزء من الخبرة البحرية المتداولة بين أهل البحر.

هذه الفكرة مثيرة جداً، لأنها تقلب التصور المعتاد: نحن نظن أن السفينة آلة، والبحار إنسان عملي، والرحلة جدول شحن وتفريغ، لكن من يعيش فوق السفن يعرف أن لكل سفينة "شخصية". 

هناك سفن مريحة، وسفن مكروهة، وسفن يشعر الطاقم أنها ثقيلة على النفس ، قد يكون السبب فنياً: أعطال متكررة، اهتزاز مزعج، تهوية سيئة، ضجيج دائم، وقد يكون نفسياً: حادث قديم، وفاة بحار، حريق، أو سمعة سيئة تنتقل من طاقم إلى آخر ، ومع مرور الوقت تصبح السمعة جزءاً من السفينة نفسها.

في مثل هذه البيئة، لا تحتاج الأسطورة إلى قرون كي تتكون، يكفي أن يسمع بحار صوتاً غريباً في أول ليلة، ثم يخبر زميله، ثم يأتي بحار آخر ويقول إنه سمعه سابقاً، حتى تتحول الملاحظة إلى حكاية، والحكاية إلى تحذير، والتحذير إلى “حقيقة” بين أفراد الطاقم.

بين الأعاصير والقراصنة والحرائق

قد يسأل القارئ: لماذا يربط قبطان محترف بين السفن والجن أو الأرواح ؟ أليس الأجدر أن يفسر كل شيء تفسيراً فنياً ؟

الجواب أن رجل البحر يرى في حياته ما يجعل الغرابة جزءاً من الواقع اليومي، وصف الحلقة الرسمية يشير إلى أن العوفي تحدث عن الأعاصير والحرائق ولقاءات مع القراصنة، إضافة إلى الانضباط الصارم وتسلسل الرتب والمخاطر اليومية على متن السفن. 

من يعيش مثل هذه المواقف يعرف أن البحر لا يمنح الإنسان شعوراً كاملاً بالسيطرة، قد تتبدل الرياح وقد تشتعل النار وقد يظهر خطر من قارب صغير في الأفق وقد تتحول مناوبة ليلية عادية إلى لحظة يمر فيها "شريط الحياة" أمام العين.

ولذلك فإن البحار، حتى لو كان عملياً، يبقى أقرب من غيره إلى فكرة المجهول. فهو يعيش في مكان لا يراه الناس، وسط محيط لا يرحم، فوق سطح يفصل بينه وبين الغرق أمتار قليلة من الحديد. عندما يحدث شيء غريب في بيت على اليابسة، يستطيع الإنسان أن يفتح الباب ويخرج إلى الشارع. أما في البحر، فلا شارع ولا جار ولا ضوء مدينة. هناك فقط السفينة، والطاقم، والماء من كل جهة.

التفسير النفسي لا يلغي الرعب

من المهم في تناول مثل هذه الشهادات ألا نقع في طرفين متسرعين: طرف يصدق كل شيء حرفياً، وطرف يسخر من كل شيء بلا إنصات، التفسير النفسي والبيئي ضروري هنا، فالعزلة، الحرمان من النوم، الضجيج المستمر، تغير المناوبات، الخوف من الحوادث، والعمل في بيئة مغلقة، كلها عوامل قد تجعل الإنسان أكثر حساسية للأصوات والظلال والتفاصيل الصغيرة. 

تؤكد الدراسات الحديثة حول البحارة أن العمل البحري يرتبط بالضغط النفسي والتعب واضطراب النوم، وهي عوامل قد تؤثر في الانتباه والإدراك.

لكن هذا لا يعني أن الشهادة بلا قيمة،  بالعكس، أهميتها تكمن في أنها تكشف كيف يعيش البحارة عالمهم الداخلي، فحتى لو فسرنا بكاء الطفل بأنه صدى أو صوت معدني أو أثر إرهاق، يبقى السؤال: لماذا اتخذ الصوت هيئة "طفل" في ذاكرة الطاقم ؟ ولماذا تستمر بعض السفن في اكتساب سمعة مسكونة رغم تبدل البحارة وتغير الرحلات ؟

هنا تصبح القصة مادة خصبة لدراسة الخوف، لا لإثبات الغيب فقط، السفينة المسكونة ليست مجرد مكان تظهر فيه كائنات خفية، بل هي مرآة لعزلة الإنسان أمام البحر.

الجن أم الأرواح ؟

استخدام العوفي لعبارتي "الجن" و"الأرواح" يفتح باباً ثقافياً مهماً، في الوعي العربي، الجن كائنات غير مرئية تعيش في عالم موازٍ، وقد تسكن أماكن مهجورة أو موحشة أو بعيدة عن العمران. أما "الأرواح" فهي مفهوم أوسع، يرتبط في المخيلة بفكرة الموتى الذين لم يغادروا المكان، والسفن، بطبيعتها، تجمع بين الاثنين: فهي أماكن معزولة، وقد تشهد حوادث، وقد يموت فيها بحارة، وقد تبقى تعمل سنوات بعد أن تتبدل أطقمها عشرات المرات.

لهذا تبدو السفينة في المخيلة  كأنها تحمل ذاكرة، ليست ذاكرة مكتوبة في دفتر الرحلة فقط، بل ذاكرة في الجدران، في الممرات، في غرف النوم، في غرفة المحركات، وفي الأماكن التي لا يصلها الضوء إلا نادراً، كل طاقم يضيف شيئاً إلى هذه الذاكرة وكل حادث يترك أثراً وكل قصة تنتقل من بحار إلى آخر حتى تصبح جزءاً من هوية السفينة.

لماذا تنتشر حكايات السفن المسكونة ؟

هناك أسباب كثيرة تجعل قصص السفن المسكونة أكثر قابلية للانتشار من قصص البيوت المسكونة،  أولاً، السفينة مكان مغلق؛ أي صوت غريب لا يمكن تجاهله بسهولة. 

ثانياً، الطاقم قليل العدد؛ فإذا انتشرت الشائعة بينهم صارت جزءاً من الحياة اليومية. 

ثالثاً، الليل في البحر شديد الكثافة؛ لا توجد أضواء مدينة ولا ضجيج حياة، بل فراغ واسع يجعل الخيال أكثر نشاطاً. 

رابعاً، للسفن تاريخ طويل من الحوادث والغرق والحرائق، وهذا التاريخ يغذي فكرة أن بعض الأماكن "تحتفظ" بما حدث فيها.

وفي حالة القبطان سعيد العوفي، تكتسب الحكايات قوة إضافية لأنها تأتي من شخص عاش البحر مهنياً، لا من زائر يبحث عن الإثارة. فهو لا يقول إن كل صوت غريب معجزة، لكنه يشير إلى أن هناك تجارب لا ينساها البحارة بسهولة، وأن بعض السفن تحمل سمعة تجعل الطاقم يدخلها وهو مهيأ نفسياً للخوف.

البحر لا يروي كل أسراره

شهادة القبطان سعيد العوفي عن السفن المسكونة ليست دليلاً علمياً على وجود الجن أو الأرواح في السفن التجارية، لكنها في الوقت نفسه ليست قصة يمكن تجاهلها باستخفاف. إنها شهادة من داخل عالم لا يعرفه معظم الناس: عالم السفن البعيدة، والمناوبات الليلية، والحديد الذي يئن تحت ضغط الأمواج، والرجال الذين يعيشون شهوراً بين السماء والماء.

ربما كان بكاء الطفل صوتاً طبيعياً فسره الخوف بطريقة غيبية. وربما كانت السفينة تحمل شيئاً لا يمكن للعلم أن يمسكه بسهولة. وبين الاحتمالين تبقى الحكاية معلقة، كما تبقى السفينة في عرض البحر: مرئية على سطح الماء، لكنها تخفي في جوفها عالماً كاملاً من الأصوات والذكريات والأسرار.

وفي النهاية، قد يكون أكثر ما يخيف في قصة السفن المسكونة ليس احتمال وجود كائنات غير مرئية على متنها، بل أن البحر نفسه يجعل الإنسان يسمع ما لا يسمعه على اليابسة، ويرى في الظلام ما لا يراه تحت ضوء المدن.