في بعض القصص، لا تكون الغرابة في ظهور الشبح وحده، بل في الأثر الذي يتركه على الجسد، جرح صغير في الرأس، ندبة باقية، وذاكرة لا تكف عن العودة إلى شارع مظلم، حيث سمع رجل شاب وقع خطوات خلفه، وحين التفت لم يجد أحداً.
هذه واحدة من أشهر القصص الغامضة التي رواها الفنان المصري أمير كرارة عن نفسه في أكثر من لقاء تلفزيوني، وقد وصفها مرة بأنها «قصة العفريت»، ومرة أخرى تحدث عنها بوصفها حادثة مع «شبح» أو كيان غامض لا يعرف حتى اليوم ما كان.
المهم في القصة أنها لم تبق مجرد إحساس عابر بالخوف، بل انتهت بضربة قوية في الرأس، وإصابة تركت أثراً ظاهراً على جبهته، وقد نُقلت القصة في لقاءاته التلفزيونية، منها لقاؤه مع رزان مغربي في برنامج «ضربة حظ»، ثم عادت بتفاصيل أكثر في «حبر سري» مع أسما إبراهيم عام 2024.
شارع الوحوش
تبدأ الحكاية من منطقة سرايا القبة، قرب شارع جسر السويس، ناحية البوابة الخلفية لمستشفى الجنزوري، هناك، بحسب رواية أمير كرارة، كان يوجد شارع شديد الظلام، تحجبه الأشجار من الجانبين حتى تمنع الضوء عنه، فيبدو كأنه ممر معزول عن المدينة، كان كرارة وأصدقاؤه في الصغر يطلقون عليه اسم «شارع الوحوش»، لا لأن أحداً رأى فيه وحشاً بالفعل، بل لأن الظلمة وحدها كانت كافية لتصنع الاسم.
كان الأطفال يدخلون الشارع بدراجاتهم، يصرخون، يسرعون، ثم يخرجون منه كما لو أنهم اجتازوا اختباراً صغيراً للشجاعة، في تلك السن تتحول الشوارع المظلمة إلى مسارح للخيال: شجرة تتحرك مع الهواء تصبح جسداً واقفاً، صوت بعيد يتحول إلى خطوات، وظل سيارة مركونة قد يبدو كأنه شخص يراقب.
لكن ما حدث بعد سنوات لم يكن لعبة أطفال.
عودة إلى شارع الطفولة
كبر أمير كرارة، ومرّت السنوات، وبقي الشارع في ذاكرته، وفي ليلة من الليالي قرر أن يمشي فيه، كأنه يريد أن يستعيد شيئاً من طفولته، في إحدى رواياته قال إنه كان يمشي ليلاً نحو الساعة العاشرة، ممسكاً بيده «لب»، وفي رواية لاحقة أضاف أنه كان يحمل كوب آيس كريم، لم يكن هناك ما يوحي في البداية بأن شيئاً سيحدث؛ مجرد رجل يعود إلى مكان قديم، يحمل في يده شيئاً بسيطاً، ويمشي في شارع يعرفه جيداً.
ثم بدأ الصوت.
خطوات.
ليست فكرة في الرأس، ولا وهماً سريعاً، خطوات واضحة تمشي خلفه، التفت كرارة فلم يجد أحداً، أكمل سيره فعاد الصوت من جديد. التفت مرة ثانية، ولا شيء، الشارع مظلم، الأشجار حوله، والصمت يجعل وقع القدمين أعلى من حجمه الحقيقي.
قال لنفسه إن الأمر لا يستحق الخوف، ربما حيوان، ربما شخص اختفى في العتمة، ربما مجرد صدى، لكنه، كما روى، شعر بأن هناك شيئاً في ظهره، شيئاً يقترب.
عندها قرر ألا يلتفت مباشر، استخدم زجاج سيارة مركونة في الشارع كمرآة، لينظر من خلاله إلى ما يجري خلفه، وهنا جاءت اللحظة التي تحولت فيها الحكاية من خوف إلى إصابة.
رأى شيئاً يرتفع.
وفي اللحظة التالية، تلقى ضربة قوية على رأسه.
الضربة
وصف كرارة الضربة في أكثر من صيغة: مرة قال كأن شيئاً نزل على رأسه، ومرة وصفها بأنها أشبه بضربة «شاكوش» أو «مفتاح» على الجبهة، سقط على الأرض وحاول أن يرى من ضربه لكنه لم يجد أحداً خلفه، لا شخص يركض، لا مهاجم، لا ظل واضح، مجرد شارع مظلم وصوت اختفى، ودم على الرأس.
بحسب الرواية التي نقلتها الصحف عن كلامه كانت الإصابة شديدة: شرخ في الجمجمة، ارتجاج قوي، رعشة في الجسد، وشبه شلل أو تأثر في الأطراف، الأهم أن أثر الضربة، كما قال، بقي ظاهراً في جبهته حتى بعد مرور السنوات.
في تلك اللحظة، لم تعد الحكاية مجرد شعور بأن أحداً يمشي خلفه، صار هناك جرح حقيقي، شيء ما ضربه، لكن ما هو ؟ ومن أين جاء ؟ ولماذا لم يرَ أحداً بعد سقوطه ؟
باب المستشفى
كان مكان الحادث، بحسب كرارة، قريباً من الباب الخلفي لمستشفى الجنزوري، روى أنه أشار للأمن أو وصل إلى المستشفى، وبدأ يفقد الوعي، في إحدى الروايات قال إن والده وأشقاءه حضروا لاحقاً، وإنه عولج أولاً هناك ثم نُقل أو ذهب إلى مستشفى آخر لخياطة الجرح. وفي رواية أخرى، عبّر عن ارتباكه بعد الحادث قائلاً إنه لا يعرف كيف دخل أو كيف تم علاجه بالضبط.
وهنا يبدأ الجزء الأكثر غرابة في القصة.
بعد أن تعافى، عاد كرارة إلى المكان مع شقيقه رامي، كان الهدف بسيطاً: معاينة المكان، تذكّر نقطة الحادث، وربما البحث عن تفسير منطقي، هل كان هناك أحد مختبئاً ؟ هل يمكن أن يكون قد سقط عليه شيء من شجرة أو مبنى ؟ هل يوجد طريق هروب لم يرَه بسبب الإصابة ؟
لكن المفاجأة، كما قال، كانت في الباب.
الباب الذي تذكر أنه دخل منه إلى المستشفى لم يكن مفتوحاً، بل كان، بحسب روايته، مغلقاً قديماً، عليه صدأ، وتغطيه الأشجار والعناكب، وكأنه لم يُستخدم منذ سنوات طويلة، وعندما سألوا، قيل لهم إن ذلك الباب كان باباً للمشرحة، وإنه مغلق منذ سنوات، وفي بعض الروايات قيل إنه مغلق منذ نحو عشرين عاماً.
هنا لم تعد المشكلة في الضربة وحدها، بل في الذاكرة نفسها: كيف دخل من باب مغلق ؟ هل دخل فعلاً ؟ هل اختلطت عليه التفاصيل بسبب الإصابة ؟ أم أن هناك جزءاً من الحادث لم يفهمه حتى الآن ؟
في لقائه الأحدث، بدا كرارة أكثر تحفظاً في تفسير هذه النقطة، قال ما معناه إنه لا يعرف أين دخل ولا كيف عولج، وإن الضربة على رأسه ربما جعلته يشعر أو يتخيل أنه دخل من ذلك الباب، لكنه ظل يؤكد أن أصل الحادث وقع، وأنه لا يزال لا يعرف ما الذي حدث بالضبط.
هل كان عفريتاً ؟
استخدم أمير كرارة نفسه كلمة «عفريت» في رواية قديمة للقصة، ثم استُخدمت كلمة «شبح» في تغطيات لاحقة، لكن من المهم، عند قراءة هذه الحكاية، أن نفرق بين أمرين: الحادثة كما يرويها صاحبها، والتفسير الذي أُعطي لها.
الحادثة في جوهرها تقول إن رجلاً سار في شارع مظلم، سمع خطوات خلفه، لم يجد أحداً، ثم تلقى ضربة قوية في الرأس تركت أثراً مادياً. أما التفسير، فهو مفتوح: قد يراه البعض اعتداءً غامضاً من شخص اختفى سريعاً، وقد يراه آخرون نتيجة ارتباك وصدمة بعد إصابة قوية، وقد يتمسك محبو القصص الماورائية بما قاله كرارة نفسه: شيء لا يُرى كان وراءه، ثم ضربه واختفى.
لكن أكثر ما يمنح القصة قوتها ليس فقط احتمال وجود كيان خفي، بل اجتماع التفاصيل: شارع مظلم، مشرحة قديمة، باب مغلق منذ سنوات، صوت خطوات لا يظهر صاحبه، وضربة تركت علامة في الجسد.
الرعب بعد الحادث
قال كرارة إنه ظل فترة طويلة يخاف من أي شخص يمشي خلفه، وهذا التفصيل، رغم بساطته، يكشف أن الحادثة لم تكن بالنسبة له مجرد قصة للتسلية في برنامج تلفزيوني، الخوف الذي يبقى بعد الحدث أحياناً يكون أقوى من الحدث نفسه، الإنسان قد ينجو من الضربة، لكن السمع يتغير: كل خطوة خلفه تصبح احتمالاً لعودة الشيء ذاته.
في القصص الواقعية الغامضة، لا نحتاج دائماً إلى ظهور كامل للشبح، يكفي أثره.، صوت خطوات، انعكاس في زجاج سيارة، ضربة بلا صاحب، باب لا يفتح منذ سنوات، ورجل يقسم أنه دخل منه.
بين الذاكرة والظلام
لا تقدم قصة أمير كرارة دليلاً قاطعاً على وجود عفريت، لكنها تقدم نموذجاً ممتازاً للحكاية التي تقف في منطقة رمادية بين الواقع والماورائيات، لدينا راوٍ معروف، إصابة ظاهرة، رواية تكررت في أكثر من لقاء، ومكان له خصائص تساعد الخيال الشعبي على النمو: شارع معتم، مستشفى، مشرحة، باب مهجور، وأشجار تخنق الضوء.
وفي المقابل، لدينا أسئلة لا يمكن تجاهلها: هل تسببت الضربة في اضطراب الذاكرة ؟ هل كان هناك شخص مجهول ضربه وهرب ؟ هل أخطأ في تحديد الباب بسبب الألم والدوار ؟ أم أن ما جرى فعلاً ينتمي إلى ذلك النوع من الحوادث التي يظل أصحابها يقولون عنها بعد سنوات: لا أعرف ماذا حدث… لكنني أعرف أنني عشته ؟
تبقى الحكاية كما رواها أمير كرارة: في شارع كان يسميه الأطفال «شارع الوحوش»، عاد شاب إلى مكان لعبه القديم، فسمع خطوات خلفه، لم يجد أحداً، نظر في زجاج سيارة. رأى شيئاً يرتفع، ثم استيقظ على جرح، وصدمة، وباب مشرحة مغلق منذ زمن.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد وقع الخطوات خلفه مجرد صوت عابر في شارع مظلم.
مصادر القصة وملاحظة تحريرية
اعتمدت هذه المادة على الروايات الإعلامية المنشورة عن لقاءات أمير كرارة، ومنها تغطية «الوطن» لروايته في برنامج «ضربة حظ»، وتغطية «المصري اليوم» للتفاصيل المرتبطة بشارع جسر السويس والبوابة الخلفية لمستشفى الجنزوري، إضافة إلى تغطية «الشروق» و«فيتو» لروايته الأحدث في برنامج «حبر سري» مع أسما إبراهيم، لا توجد في المصادر المتاحة وثيقة طبية منشورة أو شهادة مستقلة تثبت هوية الفاعل أو طبيعة الكيان؛ لذلك تُنشر القصة هنا بوصفها «حادثة واقعية كما رواها صاحبها»، مع بقاء تفسيرها مفتوحاً بين الغموض النفسي والاحتمال الجنائي والقراءة الماورائية.