عندما وُلد لوك، لم يكن مجرد طفل عادي في نظر والدته. شعرت منذ اللحظة الأولى أن هناك شيئاً مختلفاً، ليس فقط في ملامحه أو ذكائه المبكر، بل في تلك الطريقة الغريبة التي كان يتحدث بها عن نفسه… وكأنه يحمل ذاكرة لا تخص عمره.

في عمر العامين فقط، بدأ يقول جملة أربكتها تماماً:  " قبل أن أصبح طفلة، كان شعري أسود".

لم تفهم الأم ما الذي يقصده. كيف لطفل لم يعش سوى عامين أن يتحدث عن ماضٍ لم يكن موجوداً أصلاً ؟ حاولت تصحيح كلامه، ظنت أنها مجرد كلمات عشوائية أو خيال طفل، لكن لوك لم يتراجع. كان يعيد الفكرة بثقة، وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش.

لم يكن الأمر مجرد خطأ لغوي أو خيال طفولي. كان يتحدث عن نفسه كأنه عاش حياة أخرى… حياة فتاة.

تفاصيل تتسلل من عالم آخر

بدأت المواقف تتكرر. ذات صباح، كانت الأم تضع أقراطها، فاقترب لوك ولمسها وقال ببساطة:   "كان لدي مثلها عندما كنت فتاة".

توقفت الأم للحظة، لكنها حاولت مرة أخرى تفسير الأمر بشكل منطقي. ربما يقلدها، ربما يربط الأشياء بما يراه يوميًا. لكن تكرار الجملة بنفس الصيغة جعل الشك يتسلل إليها.

لم يكن لوك يروي قصة خيالية. لم يكن يضيف أو يبالغ. كان يتحدث بطريقة هادئة، طبيعية، وكأنه يصف شيئًا عاشه فعلًا.

ثم ظهرت الكلمة التي ستغير كل شيء: "بام".

اسم بلا مصدر… وبلا تفسير

في أحد الأيام، وجدت الأم دعسوقة في الحديقة وأرادت أن تشرك ابنها في لحظة لعب بسيطة. سألته: ماذا نسميها؟

أجاب فوراً: "بام".

ضحكت. لم تعرف أي فتاة بهذا الاسم، ولم يكن اسمًا شائعاً في محيطهم أو في البرامج التي يشاهدها الطفل. تجاهلت الأمر في البداية، لكنها لاحظت شيئاً غريباً… لوك يكرر الاسم في مواقف مختلفة.

في عيد الحب، عندما علّقوا زينة على شكل بومات، سألته مجددًا عن اسم إحداها.

الإجابة كانت نفسها: "بام".

هذه المرة لم تضحك. شعرت أن هناك خيطاً يتكرر، خيطاً لا تفهمه بعد.

الاعتراف الذي قلب كل شيء

في لحظة لم تكن تتوقعها، قررت الأم أن تسأل بشكل مباشر: من هي بام ؟

نظر إليها لوك بثبات وقال جملة ستبقى عالقة في ذهنها طويلاً:

“كنتُ أنا… ثم متُّ، وصعدتُ إلى السماء، ودفعني الله إلى الوراء. عندما استيقظت، كنت رضيعًا… وسمّيتموني لوك”.

لم يكن كلام طفل يحاول لفت الانتباه. لم يكن هناك تردد أو ارتباك. كان وصفاً واضحاً لتجربة موت… ثم عودة.

هنا، لم تعد الأم قادرة على تجاهل الأمر.

الخوف الذي كشف الحقيقة

عند بلوغه الرابعة، حدثت لحظة مفصلية. كان يشاهد التلفاز عندما ظهرت لقطات لحريق في مبنى. فجأة، تغير وجهه وطلب إغلاق التلفاز فوراً. بدا عليه الخوف الشديد.

حاولت الأم تهدئته، أخبرته أن ما يراه مجرد برنامج. لكنه رد بجملة قصيرة:

" لكنني متُّ… ولا أحب التفكير في ذلك".

هذه المرة، لم تتردد الأم في السؤال: كيف متَّ ؟

أجاب: "كان حريقاً".

لم تعد القصة مجرد كلمات غريبة. أصبح هناك سبب وفاة، خوف حقيقي، وردة فعل عاطفية لا يمكن تجاهلها.

البحث الذي فتح الباب

قررت الأم أن تتحرك. لم تعد تكتفي بالاستماع. بدأت تجمع الخيوط:

اسم “بام”، مدينة شيكاغو، وفاة في حريق.

بحثت عبر الإنترنت باستخدام هذه التفاصيل. لم تتوقع أن تجد شيئًا، لكنها وجدت أكثر مما تخيلت.

ظهر أمامها حادثة حريق شهيرة: حريق فندق باكستون في شيكاغو عام 1993.

كان الحريق كارثيًا. تقارير الصحف تحدثت عن أشخاص عالقين في النوافذ، عن ضحايا قفزوا هربًا من النيران، وعن فوضى في تحديد الهويات.

ثم وجدت اسماً: باميلا.

تطابق يثير القلق

واصلت البحث. اكتشفت أن الجنازة أقيمت في منطقة “ماي وود” في ولاية إلينوي، وهي منطقة ذات أغلبية من الأمريكيين الأفارقة.

سألت ابنها ببساطة: ما لون بشرة بام ؟

أجاب فوراً: "سوداء".

هنا، شعرت الأم أن الأمر لم يعد صدفة.

كل تفصيلة تتطابق مع الأخرى، دون أن تكون قد طرحت هذه المعلومات على طفلها من قبل.

صدمة الأب

عندما عاد الأب إلى المنزل، أخبرته بكل ما اكتشفته.

كانت ردة فعله مباشرة: “أنتِ مجنونة”.

لم يكن مستعداً لتقبل فكرة كهذه. هو وزوجته يتبنيان نظرة علمية للحياة، ولا يؤمنان بفكرة تناسخ الأرواح. بالنسبة له، ما يحدث مجرد خيال أو مبالغة.

لكن الأم لم تتراجع. كانت ترى التطابقات تتراكم أمامها، قطعة بعد أخرى.

اختبار الحقيقة

قررت أن تقوم بخطوة حاسمة. جمعت عدة صور، من بينها صورة تعتقد أنها تعود لباميلا. عرضتها على لوك دون أي توجيه.

سألته: هل تعرف أيًا من هؤلاء ؟

تردد قليلاً، ثم قال: "أعرف شخصاً… يمكنني أن أتذكره".

ثم أشار مباشرة إلى الصورة الصحيحة.

لم يكتفِ بذلك، بل قال إنه يتذكر التقاط الصورة، لكن في وقت مختلف.

في تلك اللحظة، لم تجد الأم تفسيرًا منطقيًا. لم يكن هناك دليل مادي مباشر، لكن ما حدث كان كافيًا لزعزعة كل يقين سابق.

بين العلم واللامعقول

هذه القصة ليست الوحيدة من نوعها. هناك مئات الحالات التي وثقها باحثون حول العالم لأطفال يتحدثون عن “حياة سابقة” بتفاصيل دقيقة.

لكن ما يجعل حالة لوك مختلفة هو أنها حدثت في بيئة لا تؤمن بهذه الأفكار حيث التفسير السائد يميل إلى العلم والتجربة، وليس الروحانيات.

هل يمكن أن يكون العقل البشري قادرًا على اختلاق كل هذه التفاصيل ؟

أم أن هناك ظاهرة لم نفهمها بعد ؟

ذاكرة أم صدمة ؟

بعض الباحثين يفسرون هذه الحالات على أنها نوع من “الذاكرة المزيفة”، حيث يبني الطفل قصة من عناصر متفرقة التقطها دون وعي.

لكن هذا التفسير يضعف عندما تظهر تفاصيل دقيقة لم يتعرض لها الطفل من قبل.

وفي حالة لوك، لم يكن هناك رابط واضح بينه وبين الحادثة أو المدينة.

تفسير آخر يرى أن ما يحدث هو نوع من “الصدمة المنقولة”، حيث يحمل الطفل مشاعر لا يعرف مصدرها، فيحاول عقله تفسيرها عبر قصة.

لكن ماذا عن الاسم ؟

وماذا عن الصورة ؟

الأم بين الخوف والقبول

رغم كل شيء، لم تسعَ الأم لإثبات نظرية أو تبني معتقد جديد. كان همها الأساسي هو ابنها.

رأت فيه طفلاً خائفاً من النار، طفلاً يحمل ذكرى مؤلمة لا يفهمها.

قررت أن تتعامل مع الأمر ببساطة: تمنحه الأمان، وتساعده على تجاوز خوفه.

كانت تقول لنفسها: حتى لو كانت هذه مجرد قصة في عقله، فهي حقيقية بالنسبة له.

هل انتهت القصة ؟

مع مرور الوقت، بدأت هذه الذكريات تخف تدريجياً. وهي ظاهرة تتكرر في معظم الحالات المشابهة. الأطفال الذين يتحدثون عن حياة سابقة غالباً ما يفقدون هذه الذكريات مع تقدم العمر ، كأن الذاكرة القديمة تنطفئ… لتترك المجال لحياة جديدة بالكامل.

لكن السؤال يبقى:

هل كان لوك مجرد طفل بخيال واسع ؟ أم أن "بام" عادت فعلًا، لتعيش فرصة أخرى في هذا العالم ؟

الإجابة ليست سهلة. وربما لن تكون نهائية أبداً.

لكن ما حدث يترك أثراً عميقاً… ويفتح باباً للتساؤل لا يمكن إغلاقه بسهولة.