حين تُروى قصص "العودة من الموت" أو تجارب الموت الوشيك NDE ، غالباً ما تبقى في إطار التجارب القصيرة أو الانطباعات العابرة. لكن ما يقدمه روبرت مارشال يتجاوز هذا الإطار بكثير. نحن أمام رواية ممتدة، مليئة بالتفاصيل الدقيقة، ومسنودة بسجلات طبية توثق لحظات توقّف قلبه، وغياب الأكسجين عن دماغه لفترات يعتبرها الطب كافية لإنهاء أي فرصة للعودة. ومع ذلك عاد،  ليس فقط حياً بل واعياً بكل ما يقول إنه عاشه خارج جسده.

بدأت القصة من لحظة اختناق داخل المستشفى، حين أُزيل أنبوب التنفس قبل التأكد من استقرار مجرى الهواء. خلال دقائق، انهار كل شيء. توقّف القلب، وغاب الأكسجين. حاول الأطباء إنعاشه، واستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن يعود النبض. لكن في تلك الأثناء، كما يروي، كان في مكان آخر تماماً.

في تجربته الأولى خارج الجسد، وصف لحظة الانفصال بوضوح لافت. لم يكن هناك انتقال تدريجي، بل إدراك مفاجئ بأنه لم يعد داخل جسده. كان يرى الأطباء من الأعلى، يسمع أصواتهم، يلاحظ حركتهم السريعة، وحتى تفاصيل دقيقة كالأدوات الطبية وحالة الارتباك في الغرفة. ثم خرج إلى الممر، ورأى زوجته في حالة انهيار كامل. هذه اللحظة، كما أكد لاحقاً، كانت من أقوى ما واجهه، لأنها ربطت بين العالمين، بين ما يحدث هنا وما يشعر به هناك ، لكن هذه المرحلة لم تدم طويلاً ، فجأة، انتقل إلى ما وصفه بأنه "الواقع الحقيقي".

وجد نفسه في بيئة لا تشبه الأرض، لكنها ليست غريبة بالكامل. كل شيء بدا مألوفاً بطريقة غير مفهومة. الأشجار، الماء، الهواء، لكنها جميعاً تحمل جودة مختلفة، كأنها النسخة الأصلية من الأشياء، بينما ما نعرفه نحن مجرد انعكاس باهت. الألوان لم تكن مجرد ألوان، الأصوات لم تكن ضوضاء، بل تناغم دائم، كأن الكون كله يعزف لحناً واحداً متناغماً ، في هذا المكان لم يشعر بالزمن ، لا ليل ولا نهار، ولا تعاقب لحظات. كان كل شيء حاضراً دفعة واحدة.

عندما التقى بوالده، لم يكن اللقاء مفاجئاً بقدر ما كان "طبيعيا". تحدثا كما يتحدث أي شخصين، دون رهبة أو شك. لكن الأهم كان ما أخبره به والده لاحقاً، حين أشار إلى وجود أعظم في ذلك المكان. لم يكن وصفاً مباشراً، بل توجيهاً لفهم ما سيحدث.

في التجربة الثالثة، التي بدت الأكثر عمقاً، اقترب مارشال من ذلك الحضور الذي أدرك أنه مصدر كل شيء. لم يكن مجرد لقاء، بل مواجهة مع معنى لا يمكن اختزاله في كلمات. يصف أنه لم يستطع الوقوف، فسقط أرضاً، ليس خوفاً بل نتيجة شعور طاغٍ بالعظمة والرهبة والسكينة في آن واحد ، عندما بدأ الحوار، لم يكن على هيئة أسئلة وأجوبة تقليدية. بل كان أقرب إلى تدفق معرفة مباشر. ومع ذلك، احتفظ مارشال ببعض الجمل التي بقيت راسخة في ذهنه.

سأل في البداية إن كان يمكنه العودة، بدافع رغبته في مواساة زوجته التي رآها تعاني. لم يتلق إجابة فورية. بدلاً من ذلك، بدأ "السير":. خلال هذا السير، الذي قدره لاحقاً بـ 44 ساعة، تلقى شرحاً واسعاً عن الحياة، عن الإيمان، عن أسباب الاختلافات البشرية، وعن كيفية فهم النصوص الدينية التي تبدو متناقضة للبعض ، لم يكن الشرح نظرياً بل تجربة مباشرة للفهم. كأن كل فكرة تتحول إلى إدراك حي.

لكن اللحظة الحاسمة جاءت عندما تبين له حقيقة وضعه الجسدي ، بأن جسده على الأرض لم يعد صالحاً للحياة. أن الدماغ تضرر بشدة بسبب غياب الأكسجين، وأن الأعضاء الحيوية بدأت بالانهيار. قيل له بوضوح إن العودة في تلك الحالة تعني أن يكون "محبوساً داخل جسد لا يعمل"، غير قادر على الحركة أو التواصل ، في تلك اللحظة، بدا الخيار واضحاً: إما البقاء في هذا السلام الكامل، أو العودة إلى معاناة قد لا تنتهي ، لكن الخيار لم يكن بهذه البساطة.

قيل له إنه يمكن إعادته، ولكن بشروط. أولها أن تكون عودته معجزة واضحة لا يمكن إنكارها، حتى من قبل الأطباء. ثانيها أن يحمل رسالة، وأن يشارك كل ما رآه وتعلمه، دون تردد، مع أي شخص يسأله. وثالثها أن يمر بتجربة الألم الجسدي الكامل عند عودته دون تخفيف كجزء من فهمه لما يُطلب منه .

قبل العودة، طُلب منه أن يختار بحرية. البقاء يعني نسيان كل ما يتعلق بحياته السابقة، بما في ذلك زوجته ، العودة تعني الاحتفاظ بالذاكرة لكن مع تحمل مسؤولية كبيرة.

فاختار العودة.

اللحظة التي عاد فيها إلى جسده كانت، بحسب وصفه، صدمة كاملة. كل الألم الذي كان غائباً عاد دفعة واحدة. الجسد الذي من المفروض أنه غير قادر على الشعور، شعر بكل شيء. العمليات الجراحية، محاولات الإنعاش، الألم في الصدر نتيجة كسر الأضلاع أثناء الإنعاش القلبي الرئوي.

واحدة من التفاصيل اللافتة أنه ذكر لاحقاً أنه كان يعرف أن أحد أضلاعه قد انكسر بطريقة معينة أثناء الإنعاش، رغم أن هذه المعلومة لم تُسجل في البداية في التقارير الطبية. عندما تمت مراجعة الحالة لاحقاً، تبين وجود الكسر فعلاً، وهو ما اعتبره دليلاً إضافياً على أنه كان "يرى" ما يحدث خارج جسده ، كما أشار إلى معرفته بتفاصيل داخل غرفة الطوارئ لم يكن من الممكن له إدراكها وهو فاقد للوعي، مثل ترتيب الأشخاص وحركاتهم، وحتى بعض الحوارات.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد ، عندما بدأ جسده يتعافى، لاحظ الأطباء تغيرات غير متوقعة ، لم يكن التعافي تدريجياً كما هو معتاد في حالات مشابهة، بل سريعاً بشكل غير مفهوم. الأعضاء التي كانت متضررة عادت للعمل ، الدماغ الذي كان من المفروض أنه تعرض لتلف دائم، استعاد وظائفه.

أحد أكثر الأمور إثارة للجدل كان ما ذكره عن تغير فصيلة دمه. يقول إنه قبل الحادثة كان يحمل فصيلة معينة، لكن بعد التعافي أظهرت الفحوصات فصيلة مختلفة. هذه النقطة تحديداً أثارت نقاشاً واسعاً، بين من يراها دليلًا على تغير جسدي غير مفسر، ومن يشكك في دقة السجلات السابقة.

كما أشار إلى أن بنيته الجسدية نفسها تغيرت، وأن جسده تعافى بطريقة وصفها الأطباء بأنها "غير قابلة للتفسير العلمي المعتاد".

لعبت زوجته دوراً محورياً في القصة. رغم إلحاح الأطباء على إيقاف أجهزة الإنعاش، خاصة بعد مرور وقت طويل دون تحسن، رفضت ذلك بشكل قاطع. تمسكت بقرار الاستمرار، وهو ما أتاح استمرار المحاولات الطبية حتى لحظة عودته.

بعد استعادته للوعي، بدأ مارشال يشارك ما حدث معه، ليس فقط كقصة شخصية، بل كرسالة ، تحدث مع الأطباء الذين عالجوه وأخبرهم بتفاصيل ما رآه أثناء محاولات إنعاشه،  بعضهم أبدى دهشة، خاصة عند تطابق بعض التفاصيل مع ما حدث فعلياً، رغم عدم وجود تسجيل كامل لكل لحظة ، لم يحاول إقناع الجميع لكنه ركز على نقل التجربة كما عاشها. 

بالنسبة له، ما حدث لم يكن مجرد حلم أو هلوسة ، ورغم الجدل تبقى قصته واحدة من أكثر الحالات التي تجمع بين التجربة الروحية والتوثيق الطبي. بين ما يمكن قياسه بالأجهزة، وما لا يمكن تفسيره إلا عبر الرواية الشخصية.

في النهاية، لا تقدم قصة روبرت مارشال إجابة قاطعة، لكنها تفتح باباً واسعاً للسؤال. هل الوعي مرتبط بالجسد فقط، أم يمكن أن يستمر خارجه ؟ وهل ما نعتبره نهاية، قد يكون في الحقيقة بداية لمرحلة أخرى لا نفهمها بعد ؟

ربما لن نجد إجابة نهائية قريباً. لكن قصصاً كهذه تذكرنا أن حدود المعرفة البشرية ما زالت أبعد بكثير مما نظن.

منصة Next Level Soul

ينشر روبرت/منصة Next Level Soul محتوى يركز على تجارب الاقتراب من الموت (NDE) باعتبارها دليلاً على أن الوعي يستمر بعد الموت ، وتتكرر في مقالاته ومقابلاته أفكار مثل الخروج من الجسد، رؤية النور، لقاء كائنات روحية، ومراجعة الحياة ، كما يقدم هذه التجارب بوصفها رسائل تؤكد أن الحب والرحمة والوعي أهم من الانتماء الديني الشكلي.

ويرى أن الحياة ليست عبثاً، بل رحلة روحية لها غرض أو مهمة يتعلم الإنسان من خلالها ، ويُظهر المحتوى أن كثيراً ممن مروا بهذه التجارب عادوا أقل خوفاً من الموت وأكثر ميلاً للتأمل والروحانيات ، لكن المنصة لا تتعامل مع هذه الحالات غالباً بمنهج علمي صارم، بل ضمن إطار روحي وتأملي وإلهامي ، لذلك يمكن وصف ما ينشره بأنه مزيج من شهادات عن تجارب الموت الوشيك NDE والروحانيات الحديثة وأفكار الحياة بعد الموت.