أنا أب أعيش في المغرب، في مدينة كبيرة وحديثة، ولم أكن يوماً من الأشخاص الذين يمرّون بتجارب غريبة أو خارقة، ولا حتى ابنتي التي تبلغ من العمر 10 أو 11 سنة، كانت طفلة طبيعية جداً، لا تعاني من هواجس أو مخاوف غير مألوفة ، لكن ما حدث معها جعلني أعيد التفكير في أشياء كثيرة.
في إحدى الفترات، كانت ابنتي تعاني من ألم في ساقها استمر لبعض الوقت، ثم تحسنت حالتها والحمد لله، لم أربط حينها بين مرضها وما سيحدث لاحقاً، لكنني أذكر هذه التفاصيل لأن كل شيء بدأ بعد تلك المرحلة.
كانت ابنتي تقضي معظم وقتها في غرفة نومنا، وخلال النهار تحديداً بدأت تشتكي من شيء غريب:
قالت إنها ترى “سواداً" يقف أمامها على مسافة تقارب مترين، لم يكن مجرد ظل عابر، بل شكل طويل، مظلم، يتحرك أحياناً… وكان، بحسب وصفها، يهمس لها بصوت واضح.
في البداية، لم آخذ الأمر على محمل الجد، لكن تكرار الحالة بالطريقة نفسها جعلني أقلق.
كل مرة كانت تراه، كانت تناديني بسرع، وعندما أذهب إليها، أجدها تنظر إلى نقطة قريبة مني بل أحياناً أعلى مني قليلاً، وعيناها ممتلئتان بالخوف، كانت تشير بيدها وتؤكد لي أن "ذلك الشيء" يقف بجانبي.
الغريب أنه، حسب كلامها، كان يبقى واقفاً لبعض الوقت، ثم يختفي.
حاولت أن أهدئها وأطمئنها قدر الإمكان، وكنت أكرر عليها أن لا تخاف، وقلت لها بوضوح إن هذا الكيان – إن كان موجوداً – لا يستطيع أن يؤذيها، لأنه ليس مثلنا، ليس ذا أبعاد ثلاثية كجسد الإنسان.
كما نصحتها بأمرين:
أن تقرأ بعض الآيات القرآنية عندما تراه، وأن تتعوذ بالله، والأهم من ذلك أن تتجاهله تماماً، فلا تنظر إليه ولا تعطيه أي اهتمام، وكانت غايتي من ذلك أن لا يتعاظم في مخيلتها أو يزيد من رعبها.
في أحد الأيام، قررت أن أجرب شيئاً مختلفاً.
قلت لها: إذا رأيته مرة أخرى، اذكري اسم شيخ مبارك نعرفه في المغرب، وهو الشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله، الذي كان الناس يعرفونه بالصلاح ويعتبره البعض من أولياء الله.
سبب اقتراحي هذا يعود إلى تجربة قديمة لي، عندما كنت أصغر سناً، كان لدي صديق، وكانت هناك فتاة صغيرة في الجوار يقال إنها "ممسوسة"، وكانت تؤذيه أحياناً، نصحته يوماً أن يذكر اسم الشيخ عبد السلام ياسين أمامها إن ضايقته، وبالفعل عندما فعل ذلك، اسودّ وجهها فجأة وبدأت تصيح وابتعدت عنه.
لذلك، طلبت من ابنتي أن تفعل الشيء نفسه.
لكن ردّها كان مفاجئاً.
قالت لي إن الكيان بدأ يضحك، وقال لها: "أنا لا أخاف"
طلبت منها أن تسأله لماذا يزعجها، فأجابها – حسب قولها –:
" أنا أريد التسلية فقط".
ثم قال لها جملة غريبة:
"سأذهب إلى شخص آخر".
بعد تلك الحادثة، لم يعد يظهر لها بنفس الهيئة كما في السابق، أخبرتني أنه عاد مرة واحدة فقط بعد ذلك، ثم اختفى تماماً.
مع مرور الوقت، توقفت ابنتي عن الحديث عنه نهائياً، وأنا بدوري لم أعد أفتح الموضوع معها، حتى لا أعيد تركيزها عليه فيعود إلى الظهور.
كان هذا الأمر بيني وبينها فقط، لم نخبر أمها ولا إخوتها، حتى لا نثير القلق داخل البيت.
المنزل الذي نعيش فيه حديث، وليس قديماً، ولا توجد مرايا قريبة من المكان الذي كانت تجلس فيه، باستثناء مرآة في الصالون بعيدة عن غرفة النوم.
لكن هناك نقطة أذكرها أيضاً:
ابنتي كانت تقضي وقتاً طويلاً في مشاهدة مقاطع على يوتيوب عبر الهاتف أو الآيباد.
اليوم، وبعد أن اختفى كل شيء، ما زلت أتساءل :
ما الذي كانت تراه ابنتي فعلاً ؟
وهل كان مجرد خيال… أم شيء آخر ؟
يرويها ع.م (50 سنة) - المغرب
تحليل التجربة - كمال غزال
عند قراءة هذه التجربة، نجد أنفسنا أمام حالة تتقاطع فيها التفسيرات الماورائية مع المعطيات النفسية بطريقة معقدة، وهو أمر يتكرر كثيراً في تجارب الأطفال تحديداً. من الزاوية الماورائية، تبدو ملامح الكيان كما وصفتها الطفلة مألوفة في التراث الشعبي، حيث يظهر في هيئة سواد غير محدد، يتخذ شكلاً طولياً ويتحرك دون ملامح واضحة، هذه الصورة تحديداً تتكرر في كثير من روايات الكيانات الخفية، وكأن الإدراك البشري، خاصة لدى الأطفال، لا يستطيع منحها شكلاً مكتملاً، فيكتفي بتمثيلها كظل كثيف أو كتلة مظلمة.
الأكثر إثارة للاهتمام هو طبيعة التفاعل، فالحوار الذي نقلته الطفلة لم يكن معقداً أو رمزياً، بل بسيطاً ومباشراً، وهو ما يتكرر أيضاً في كثير من الروايات التي تصف كيانات "عابثة" أكثر منها عدائية.
عبارة "أنا أريد التسلية فقط" تحمل دلالة نفسية بقدر ما تحمل طابعاً ماورائياً، إذ توحي بأن الكيان – إن وُجد – لا يسعى للإيذاء بقدر ما يستجيب لحالة الانتباه والخوف التي تصدر من الطفل. حتى رده على ذكر اسم شخصية من "أهل الكرامات" ، حين قال "أنا لا أخاف"، يمكن فهمه ضمن هذا الإطار؛ فبدل أن يعكس قوة مستقلة، قد يكون صدىً لتوقعات داخلية أو لصورة ذهنية تشكلت مسبقاً حول طبيعة هذه الكيانات.
لكن عندما ننتقل إلى القراءة النفسية، تبدأ الصورة في الاتضاح بشكل مختلف وأكثر تماسكاً. ثبات المسافة التي يظهر فيها الكيان، وتكرار ظهوره في نفس المكان تقريباً، يشيران إلى أن ما حدث ليس إدراكاً لكيان يتحرك بحرية في البيئة، بل إسقاط بصري ناتج عن نشاط ذهني داخلي. الدماغ، خصوصاً لدى الأطفال، قادر على إنتاج صور شديدة الواقعية تُرى وكأنها خارجية، خاصة في حالات التركيز أو القلق أو بعد التعرض لمحفزات بصرية متكررة. هنا يصبح "الكيان" أقرب إلى صورة ثابتة يعيد العقل عرضها في نفس الإطار المكاني.
وجود الهمس يضيف بعداً آخر، إذ أن الدماغ في بعض الحالات لا يكتفي بإنتاج الصورة، بل يربطها بإدراك سمعي، فيتحول المشهد إلى تجربة شبه مكتملة. هذا لا يعني بالضرورة اضطراباً مرضياً، بل يعكس مرونة الإدراك في هذا العمر، حيث لا تزال الحدود بين التخيل والواقع قابلة للاختراق، خاصة في ظل غياب عوامل تصحيح فورية.
العامل الثقافي يلعب دوراً حاسماً في تشكيل محتوى التجربة. فالطفلة لم ترَ مجرد ظل، بل كياناً يتكلم، يضحك، ويتوعد بالانتقال إلى شخص آخر. هذه ليست تفاصيل عشوائية، بل تعكس بنية سردية مألوفة في الثقافة الشعبية المرتبطة بالجن والكيانات الخفية. العقل هنا لا يخلق الصورة فقط، بل يملؤها بسيناريو جاهز مستمد من المحيط الثقافي، ليمنحها معنى وسياقاً يمكن فهمه. حتى فكرة "التسلية" أو "الانتقال لشخص آخر" تبدو وكأنها مقتبسة من هذا المخزون الجمعي.
ولا يمكن تجاهل دور المحتوى الرقمي، خاصة مع الإشارة إلى أن الطفلة تقضي وقتاً طويلاً أمام اليوتيوب. هذا النوع من التعرض المستمر، حتى لو لم يكن مرعباً بشكل مباشر، يغذي الخيال البصري ويعزز قابلية الدماغ لتجسيد الأفكار في صور شبه واقعية. مع الوقت، قد تتحول هذه الصور من مجرد تخيل إلى تجربة إدراكية تُرى وتُسمع.
النقطة الأكثر حسماً في هذه الحالة هي طريقة اختفاء الظاهرة. تلاشي الكيان تدريجياً مع التجاهل، وعدم التركيز عليه، وعدم إعادة استحضاره في الحديث، يشير بقوة إلى أنه كان يعتمد في وجوده على الانتباه الذهني للطفلة. الظواهر النفسية من هذا النوع تتغذى على التركيز والخوف، وتضعف عندما يُسحب منها هذا الوقود. وهذا يفسر لماذا لم يعد يظهر بعد أن تم توجيه الطفلة نحو تجاهله، ولماذا اختفى نهائياً عندما توقف الحديث عنه.
في ختام هذا التحليل لا بد من توجيه كلمة تقدير صادقة للأب، الذي تعامل مع الموقف بوعي وهدوء يُحسب له ، فقد اختار أن يطمئن ابنته بدل أن يغذي خوفها، وأن يوجّهها نحو التجاهل والسيطرة على انتباهها بدل الاستسلام للرعب، هذا النوع من الاحتواء النفسي يلعب دوراً حاسماً في مثل هذه الحالات، إذ يمنع تضخم الفكرة في ذهن الطفل ويحول دون ترسخها بشكل قد يتطور إلى اضطراب نفسي أو اعتقاد راسخ بوجود مؤذٍ يسيطر عليه.
إن الطريقة التي تعامل بها الأب لم تُبعد الخوف عن ابنته فحسب، بل منحتها أيضاً إحساساً بالقوة والقدرة على المواجهة، وهو ما يفسر على الأرجح تلاشي التجربة مع الوقت. ففي مثل هذه المواقف، يكون الفارق كبيراً بين طفل يُترك فريسة لهواجسه، وآخر يجد من يرشده بهدوء نحو تجاوزها.
وهنا تكمن أهمية الوعي الأسري: فالتصرف الحكيم لا يحمي الطفل فقط من الخوف، بل قد يجنّبه الانزلاق نحو تفسيرات مرعبة أو حالات نفسية أكثر تعقيداً، سواء فُسرت على أنها اضطراب داخلي أو "مسّ" خارجي.