أبلغ اليوم من العمر خمسة وثلاثين عاماً، لكن هناك أحداثاً من طفولتي لا تزال عالقة في ذاكرتي، كلما تذكرتها شعرت أن شيئاً ما لم يكن طبيعياً تماماً.
أول ما أتذكره يعود إلى سنوات كنا نقضيها في السودان. أخبرتني أمي أنها أثناء تنظيف البيت عثرت في إحدى الزوايا على ورقة ملفوفة، وعندما فتحتها وجدت مكتوباً عليها عبارة غريبة: “الشح والشتات”. لم نفهم وقتها معناها، ولم نولي الأمر أهمية كبيرة، خاصة أننا كنا أسرة محافظة تحرص على الصلاة وقراءة القرآن، ونعيش حياة هادئة خالية من أي مظاهر غريبة ، لكن الأمور بدأت تتغير لاحقًا عندما انتقلنا إلى السعودية.
كنت صغيراً، ربما في السادسة أو السابعة، حين دخلت على أمي في غرفتها وقت الظهيرة. كانت مستلقية على السرير، تبدو متعبة. نظرت إليّ باستغراب شديد، ثم إلى كيس الشيبس الذي أحمله، وسألتني وكأنها لا تدرك ما حولها: “ما هذا الذي بيدك؟” ، أجبتها ببساطة: “شيبس.”
لم يكن في الأمر ما يثير القلق في البداية، لكن بعدها بدأت حالتها تتدهور بشكل ملحوظ. ظهرت عليها أعراض تشبه المرض، ثم تحولت إلى عصبية شديدة، فصارت تصرخ على أتفه الأمور، وتتوتر بشكل غير طبيعي، خاصة إذا تأخر والدي خارج المنزل. أتذكر أنها في إحدى الليالي خرجت تبحث عنه في وقت الصلاة، وهي في حالة قلق شديد، حتى اضطر إخوتي لمنعها من الخروج.
أصبح البيت في حالة اضطراب، وحضر بعض الأقارب، ثم تم تشغيل القرآن في المنزل. لا أذكر كل التفاصيل، لكن ما أعلمه أنها تعافت لاحقاً، وعادت لحالتها الطبيعية وكأن شيئاً لم يكن ، ظننت أن القصة انتهت عند هذا الحد.
لكن بعد سنوات، حين كنت في المرحلة المتوسطة، مررت بتجربة مختلفة. عدت من صلاة العشاء، ودخلت إلى الصالون لأصلي السنة. أغلقت الباب وبدأت الصلاة، لكن في الركعة الأولى أو الثانية شعرت فجأة أنني لست وحدي. لا أستطيع وصف ذلك الإحساس، لكنه كان قوياً جداً… كأن هناك من يراقبني.
قطعت الصلاة وخرجت مسرعاً، وقلبي يخفق بشدة. حاولت العودة، لكن الخوف كان يسبقني إلى داخل الغرفة. لم أنم تلك الليلة، وبقيت أتوضأ وأقرأ حتى هدأت بعد أيام.
مرت السنوات، وخفّ ذلك الشعور، حتى سافرنا مرة أخرى إلى السودان.
هناك، سمعت عن شيخ في الحي يشتهر بالعلاج، ينتمي إلى إحدى الطرق الصوفية. ذهبت إليه بدافع الفضول. عندما جلست معه، طلب مني أن أشرح ما حدث، ثم أخرج كتاباً مليئاً بجداول وأسماء غريبة، وطلب مني أن أضع إصبعي على أحد المواضع وأنا مغمض العينين.
بعد لحظات قال لي بثقة: " هذه عين ! " ، لم أقتنع، فسألته كيف عرف ذلك، فغضب مني وقال: “ المريض لا يسأل الطبيب !” ثم طلب مني المغادرة ، فخرجت من عنده وأنا غير مقتنع، وقررت ألا ألتفت لمثل هذه الأمور ، لكن بعض الأحداث لم تكن تخصني وحدي ، كان لي ابن عم أصغر مني، كان طبيعياً تماماً، حتى عاد من السودان في إحدى المرات وقد تغير بشكل واضح. بدأ يشكو من سماع أصوات تتحدث إليه، ويقول إن أحدهم صنع له سحراً. حاولت طمأنته، واعتبرت الأمر مجرد أوهام ، لكن حالته تطورت ، أخبرني مرة أنه يرى علامات حمراء على صفحات المصحف، وكأنها إشارات (X).
لاحقاً ، وبعد أن اغتسل بماء مقروء عليه، قال إن هذه العلامات اختفت ، وفي إحدى المرات، بينما كنت أنصحه بالالتزام بالقراءة والتحصين، قال لي بصوت منخفض: " لقد قالوا لي الآن… لا تقرأ ! " ، أخذه أهله إلى أكثر من شيخ، بعضهم قال إن به سحراً مدفوناً، وآخرون لم يجدوا شيئاً ، ومع الوقت تحسنت حالته نسبياً، لكنه لم يعد كما كان تماماً.
أما أنا، فقد خف حدوث تلك الامور مع مرور الزمن، حتى أنني لم أعد أشعر بشيء يُذكر سوى بعض الاستيقاظ المفاجئ من النوم بين الحين والآخر ، حتى اليوم، لا أعلم إن كانت تلك الأحداث مجرد مصادفات نفسية… أم أن هناك شيئاً خفياً مرّ بحياتنا، ثم اختفى دون أن يترك تفسيراً واضحاً.