ما سأرويه هنا ليس مجرد حادثة واحدة، بل سلسلة من التجارب التي مررت بها أنا، وأفراد من أسرتي وأقاربي، في فترات زمنية مختلفة. بعضها وقع في طفولتي، وبعضها لاحقني في مراحل متقدمة من عمري، بينما كان لأقاربي نصيبهم أيضاً من أحداث لا تقل غرابة. ورغم أننا أسرة محافظة، نلتزم بالصلاة وقراءة القرآن ونعيش حياة مستقرة في الغالب، إلا أن هذه الوقائع تركت في النفس تساؤلات لم أجد لها تفسيراً قاطعاً حتى اليوم.


الورقة الغامضة

أذكر أن والدتي حدثتنا ذات مرة، عندما كنا صغاراً في السودان، أنها أثناء تنظيف المنزل أو بحثها عن غرض ما، عثرت في إحدى الزوايا على ورقة ملفوفة بعناية. وعندما فتحتها، وجدت مكتوباً عليها عبارة غريبة: " الشح والشتات.." 

لم نفهم حينها معناها ، لكن وجود الورقة بهذا الشكل في ركن من أركان المنزل كان أمراً مريباً، خاصة أننا لم نعتد على مثل هذه الأمور في بيتنا.


حادثة والدتي في السعودية

عندما انتقلنا للعيش في السعودية، كنا نقيم في شقة داخل عمارة، وهناك بدأت بعض الأحداث غير المألوفة ، أتذكر موقفاً وقع وأنا طفل، ربما في السادسة أو السابعة من عمري. دخلت إلى غرفة والدتي وقت الظهيرة، وكنت أحمل كيس "شيبس" بيدي. كانت مستلقية على السرير، فنظرت إليّ باستغراب شديد، ثم إلى ما أحمله، وكأنها لا تدرك ما حولها، وقالت بنبرة متعبة: "ما هذا الذي بيدك ؟!" ، ظننت أنها استيقظت للتو، فأجبتها ببساطة: "هذا شيبس".

لكن ما تلا ذلك كان مقلقاً. بدأت حالتها الصحية تتدهور تدريجياً، وظهرت عليها أعراض تشبه الإنفلونزا، ثم تطور الأمر إلى اضطراب نفسي واضح. أصبحت سريعة الانفعال، تنهر هذا وتصرخ على ذاك، ثم تحولت حالتها إلى قلق شديد، خاصة إذا غاب والدي عن المنزل، فكانت تردد: " أين أبوكم ؟ أحضروه !"

بلغ بها الأمر أنها خرجت في وقت المغرب أو العشاء تبحث عنه بنفسها، في حالة غير طبيعية، ما اضطر إخوتي لمنعها من الخروج.

لاحقاً، تم تشغيل القرآن في المنزل، وحضر بعض الأقارب، كما أذكر أن والدي استعان بشيخ لقراءة القرآن، سواء في المنزل أو بأخذها إليه. وبعد فترة، تحسنت حالتها تماماً، وعادت إلى طبيعتها، ولم تعانِ من تلك الأعراض مرة أخرى، ولله الحمد.


خوف مفاجئ قطع صلاتي

بعد سنوات، وفي مرحلة الدراسة المتوسطة، مررت بتجربة لا أنساها. عدت ذات ليلة من صلاة العشاء، وقررت أن أصلي السنة في المنزل. دخلت الصالون وأغلقت الباب، وبدأت الصلاة ، لكن في الركعة الأولى أو الثانية، شعرت فجأة وكأن هناك شيئاً معي في الغرفة. قد يكون وهماً، لكن الخوف الذي اجتاحني كان حقيقياً وقوياً إلى درجة أني قطعت الصلاة وخرجت مسرعاً ، استعذت بالله وتوضأت مرة أخرى، وحاولت العودة، لكنني كنت متردداً وخائفاً من دخول الغرفة ، تلك الليلة لم أستطع النوم، إذ كان يلازمني شعور بأن هناك من يراقبني ، أكثرت من الوضوء وقراءة الأذكار والتحصينات، واستمر هذا القلق عدة أيام قبل أن يهدأ تدريجياً.


زيارة الشيخ وكتاب الجداول الغريبة

مرّت السنوات، وسافرت لاحقاً إلى السودان، ربما في نهاية الثانوية أو بداية الجامعة. هناك سمعت عن شيخ ذائع الصيت في الحي، ينتمي إلى إحدى الطرق الصوفية، ويقصده الناس للعلاج بالرقية، لكنه يستخدم طرقاً غير مألوفة في التشخيص.

ذهبت إليه، وكان المكان مزدحماً بالرجال والنساء. انتظرت دوري، ثم جلس معي على انفراد وسألني: "مم تشكو ؟"

سردت عليه ما حدث معي في السعودية من شعور مفاجئ بالخوف. اكتفى بالقول: "حسناً"، ثم أخذني إلى الخارج، وجلسنا، وأحضر كتاباً غريباً.

فتح الكتاب على صفحة تحتوي جداول مليئة بأسماء وعبارات لم أفهمها، ثم طلب مني أن أضع إصبعي السبابة اليمنى على أحد المواضع، وأن أغمض عينيّ. بينما كنت كذلك، كان يحرك الكتاب.

عندما فتحت عيني، رأيته يواصل تحريك الكتاب، وإصبعي يشير إلى موضع معين داخل الجدول. أغلق الكتاب فجأة وقال: "هذه عين ! هذه عين !"

لم أقتنع بما قاله، فسألته أمام الحاضرين: "يا شيخ، كيف عرفت أنها عين؟"

فغضب وقال بحدة: " المريض لا يسأل الدكتور عن عمله ! تفضل، سلام عليكم !" ، أي أنه طلب مني المغادرة.

خرجت دون اقتناع، ولم أعد أهتم كثيراً بما قاله. ومع مرور السنوات، خفّت تلك الأحاسيس، وإن كنت أستيقظ أحياناً مفزوعاً من النوم، وقد تكرر ذلك مرتين فقط. أما الآن، فلا أشعر بشيء، ولله الحمد.


تغير مفاجئ في حال ابن عمي

لم تكن هذه التجارب مقتصرة عليّ وحدي. فقد مرّ ابن عمي، وهو أصغر مني، بتجربة مختلفة لكنها لا تقل غرابة.

كان يدرس في السعودية، ثم سافر إلى السودان لإكمال دراسته الجامعية. في البداية، كان طبيعياً تماماً، لكن بعد فترة بدأت حالته تتغير فجأة.

أخبرني أنه يسمع أصواتاً تحدثه، وادعى أن أحد الخياطين وضع له سحراً في بنطاله. كنت أظن أنه يتوهم، وكنت أحاول طمأنته.

لكنه بدأ يتغيب عن محاضراته، ويذهب إلى بعض الشيوخ للعلاج. ثم أخبرني أنه عندما يفتح المصحف، يرى علامات "إكس" حمراء على بعض الصفحات.

أحد أقاربنا أحضر له ماءً مقروءاً عليه، مضافاً إليه ورق السدر، وطلب منه أن يغتسل به. وبعد ذلك، قال إن تلك العلامات اختفت.

"لا تقرأ !"… صوت يسمعه هو فقط.

في إحدى المرات، كنا نجلس معاً في منزلي، وكنت أنصحه بالالتزام بالصلاة وقراءة القرآن. فجأة قال لي بصوت منخفض:

"لقد قالوا لي الآن: لا تقرأ !... لا تقرأ !"

كانت تلك اللحظة من أكثر اللحظات التي أثارت قلقي عليه.


بين الشيوخ والتفسيرات المتضاربة

لاحقاً، سافر ابن عمي إلى قريتنا حيث يقيم جدي وجدتي، ليتعالج هناك. ثم ذهب به عمي إلى أحد الشيوخ في منطقة بعيدة قليلاً، لكن تبين أنه أيضاً يتبع طريقة صوفية ويستخدم أساليب غريبة.

أخبرهم ذلك الشيخ أن عليه سحراً مدفوناً في إحدى المقابر ! لم يقتنع عمي بهذا التفسير، وقال مستنكراً: "على ماذا يسحرونه ؟ !" ، دفع له المال وخرج.

بعد ذلك، استعان عمي بشيخ من معارفنا، فقرأ على ابن عمي في جلستين، لكن لم تظهر أي ردود فعل معتادة كالصراخ أو التشنج. وفي النهاية قال الشيخ: " لم يظهر لي شيء."


الوضع الحالي… وتحسن جزئي

حالياً، تحسنت حالة ابن عمي بشكل جزئي، وأصبح يعيش حياته بشكل شبه طبيعي، لكنه لا يزال يعاني من بعض الأعراض بين الحين والآخر ، هناك تفاصيل أخرى في قصته، لكنها تطول. أسأل الله له الشفاء التام.


يرويها م.ا.ي (35 سنة) - السودان