أروي هذه الأحداث كما عشتها في طفولتي، ولا أزال أتذكر تفاصيلها رغم مرور السنين.
كنا نسكن بيتاً قديماً في منطقة شعبية ببغداد، في حي عتيق بين سوق السراي وشارع المتنبي والقشلة ، بيت قديم كبقية بيوت المنطقة، متعدد الغرف، تتوسطه غرفة المعيشة، ويتصل بها ملحق وسرداب. لم يكن للسرداب باب، بل كانت تفصله ستارة فقط بسبب ضيق المساحة وكثرة عددنا. كنا عائلة مكونة من أبي وأمي وأربع بنات وولدين.
كنت أنام مع والديّ وأختي الصغيرة في غرفة المعيشة. ومنذ أن كان عمري نحو خمس سنوات، بدأت أتعرض لأمر غريب يتكرر كل ليلة تقريباً. كنت طفلة خفيفة النوم، وأستيقظ لأي صوت. فجأة أشعر أنني لا أستطيع الحركة أو إصدار أي صوت، وكأن شيئاً يقيدني. بعدها أسمع حفيف الستارة، وكأن أحداً يخرج من السرداب ببطء. أسمع خطوات خفيفة، كأن شخصاً يدوس على أوراق، رغم أن الأرض كانت نظيفة دائماً.
كنت أراه يتجه نحوي. أحياناً أشعر ببرد شديد، وأحياناً بحرارة مفاجئة. يقترب مني، يغطيني كأنه يضع بطانية فوقي، ثم أشعر بدفء يلفني، لكن الخوف كان يزداد. أحياناً أشعر بثقل فوق جسدي، وكأن شيئاً يضغط عليّ، ثم يعود كل شيء كما كان. أستعيد قدرتي على الحركة، فلا أجد غطاء فوقي ولا أحداً في الغرفة، لكن إحساس البرد أو الحر يبقى عالقاً في جسدي.
مرات أخرى كنت أرى ظلالًا سوداء تتحرك في الحوش، أو عند باب الغرفة. أحياناً تبدو كقط أسود، وأحيانًا كهيئة أطول من الطبيعي تمشي على أطراف قدميها الخلفيتين، ثم تختفي فجأة.
لم أكن وحدي. إخوتي أيضاً سمعوا أصواتاً غريبة ليلاً: كأن جماعة تفتح باب السطح، وتضرب بأوانٍ معدنية، ثم تنزل الدرج بقوة باتجاه الطابق الأول، وتصل إلى أبواب غرفهم، قبل أن تعود نحو غرفة إضافية قرب الحمام، حيث كان الضوء يطفأ ويشتعل من تلقاء نفسه. وفي تلك اللحظات كانوا يرون أشكالاً سوداء بأحجام غير طبيعية، صغيرة جداً أو طويلة بشكل مخيف.
كان والداي ملتزمين بالصلاة، ووالدي تحديداً كان يقرأ القرآن كثيراً، ويستيقظ في منتصف الليل ليصلي حتى الفجر. كان مريضاً هو وأمي، وحركته صعبة. في ليالي الصيف كنا ننام على السطح، وإذا احتجت النزول إلى الحمام كنت أخاف، فأرى من السور إن كان والدي مستيقظاً. أناديه فيجيبني، وأحيانًا ينزل إلى الحوش ليطمئنني. لكن حدث أكثر من مرة أن أراه واقفاً على السطح، فأصرخ وأختبئ عند أمي، ليخبرني لاحقاً أنه لم يكن قد صعد أصلًا. صحيح أنه أحياناً كان يصعد وحده بسبب الحر، إذ لم يكن في البيت تبريد، لكن ليس في كل مرة كنت أراه فيها.
هذه الأحداث وقعت في الثمانينيات والتسعينيات، في ذلك البيت القديم في شارع الرشيد. ربما كانت بعض الأصوات بسبب تقادم البناء، وربما لعب الخوف دوراً في تضخيم بعض المشاهد في خيال طفلة. لكن ما شعرت به من عجز عن الحركة، ومن إحساس بالبرد أو الثقل، وما رآه إخوتي أيضاً، كلها أمور لا أستطيع إنكارها.
أكتب شهادتي كما عشتها، لا أضيف عليها ولا أنقص منها، وما زلت حتى اليوم أتذكر تلك الليالي وكأنها حدثت بالأمس.
ترويها حنان - العراق
تحليل التجربة
قصة حنان ليست حالة فريدة، بل تتقاطع مع مئات الشهادات المشابهة التي وردت من ثقافات وبلدان مختلفة. عند قراءة تفاصيل تجربتها، يمكن تقسيم الظواهر التي وصفتها إلى مستويين: مستوى فردي مرتبط بحالتها الجسدية أثناء النوم، ومستوى بيئي جماعي مرتبط بالبيت ذاته وبقية أفراد الأسرة.
البدايات… ملامح شلل النوم
أبرز ما يلفت في روايتها هو: الاستيقاظ المفاجئ مع العجز الكامل عن الحركة ، عدم القدرة على الصراخ ، الإحساس بثقل فوق الجسد ، الشعور بالبرد أو الحرارة المفاجئة ، الإحساس بوجود شخص في الغرفة ، سماع خطوات أو حفيف ، هذه العلامات تكاد تكون وصفاً نموذجياً لحالة شلل النوم Sleep Paralysis.
يحدث شلل النوم يحدث عندما يستيقظ الدماغ جزئياً بينما يبقى الجسد في حالة ارتخاء عضلي تام (وهي آلية طبيعية تمنعنا من الحركة أثناء الأحلام). في هذه اللحظة قد يختلط الحلم بالواقع، فتظهر: هلوسات بصرية (ظلال، أشخاص، كائنات) ، أو هلوسات سمعية (خطوات، همسات، حفيف) ، أو إحساس بالضغط على الصدر أو الاختناق ، أو شعور بوجود “شخص” في المكان، وهو عرض معروف في الأدبيات الطبية باسم توهم حضور كيان Presence Hallucination.
اللافت أن حنان كانت طفلة خفيفة النوم، وتقول إن الأمر تكرر منذ سن الخامسة تقريباً، وهو سن يمكن أن تبدأ فيه هذه الظاهرة بالظهور، خصوصاً لدى الأطفال ذوي الخيال النشط أو الذين يعيشون في بيئة مثقلة بالقصص الشعبية عن الخوف.
لماذا كانت ترى “شخصاً” يخرج من السرداب ؟
العقل أثناء شلل النوم يميل إلى “تجسيد الخطر”. فإذا كان في البيئة عنصر مظلم أو غامض (مثل سرداب بلا باب وستارة تتحرك)، فإن الدماغ قد يستخدمه كنقطة انطلاق لبناء المشهد الهلوسي.
السرداب في البيوت القديمة رمز قوي في اللاوعي: مكان منخفض ومظلم ، مخفي جزئياً ويثير الترقب ، فمن الطبيعي أن يختار الدماغ هذا المكان ليكون “مصدر الوجود”.
الشعور بالبرد أو الحرارة
الإحساس المفاجئ بالبرودة أو الحرارة أثناء شلل النوم قد يكون نتيجة اضطراب في الجهاز العصبي اللاإرادي أو ارتفاع مفاجئ في الأدرينالين بسبب الخوف أو توتر عضلي وانقباضات دقيقة ، أما الإحساس بالغطاء الذي يوضع ثم يختفي لاحقاً هو أيضاً شائع في حالات التداخل بين الحلم واليقظة.
الظلال في الحوش… والقط الأسود
رؤية ظلال تتحرك ليلاً في بيت قديم يمكن تفسيرها بعدة عوامل : إضاءة ضعيفة ، انعكاسات ضوء الشارع ، حركة ستائر أو أشجار ، نشاط حيوانات ليلية (قطط فعلاً) ، الدماغ البشري مبرمج على تفسير الظلال سريعاً على أنها كائنات حية، خاصة في حالات القلق أو الترقب.
لكن ماذا عن بقية الأسرة ؟
هنا تصبح الحالة أكثر تعقيداً ، إخوتها سمعوا: أصوات ضرب أواني ، خطوات على الدرج ، فتح باب السطح ، إضاءة تشتعل وتنطفئ.
في البيوت القديمة، خصوصاً في أحياء تاريخية كبعض مناطق شارع الرشيد : يؤدي تمدد المعادن بفعل الحرارة يصدر طرقات ليلية ، كما أن أنابيب المياه تُحدث أصواتاً تشبه الطرق ، علاوة على إسهام الرياح في الممرات الضيقة في توليد صفير واحتكاك ، الأسلاك الكهربائية القديمة قد تسبب تذبذباً في الإضاءة.
عندما يعيش عدة أفراد في بيئة مشحونة بالخوف، يحدث ما يسمى بـ العدوى الإدراكية: يتشارك الجميع تفسيراً واحداً للأصوات الغامضة، فيتضخم الإحساس الجماعي بالحدث.
رؤية الأب على السطح
هذه النقطة تحديداً تُصنف غالباً ضمن: إسقاط بصري في الإضاءة الخافتة ، تشابه ظلال مع هيئة مألوفة أو بقايا صورة ذهنية (Afterimage) تتحول إلى إدراك واقعي لحظي ، الدماغ أحياناً يملأ الفراغات بسرعة اعتماداً على أقرب تفسير مألوف.
دور البيئة النفسية
البيت قديم ومظلم نسبياً والأسرة مريضة ومتعبة ، الأب يستيقظ ليلًا للعبادة (حركة ليلية متكررة) وعدم وجود تبريد في الصيف ، نوم متقطع ، كل هذه عوامل تزيد احتمال اضطرابات النوم والهلوسات العابرة.
هل يمكن استبعاد التفسير الماورائي تماماً ؟
من منظور علم النفس وطب النوم، يمكن تفسير الجزء الأكبر من حالة حنان باضطراب نومي متكرر مصحوب بعوامل بيئية ، لكن ما يجعل التجربة مؤثرة هو تكرارها واستمراريتها، إضافة إلى شعورها القوي بالواقعية.
تجارب شلل النوم غالباً ما تكون أكثر واقعية من الحلم وأكثر رسوخاً في الذاكرة ، ومصحوبة بإحساس حقيقي بالتهديد.