يقولون أن المدن كالبشر إذ ينتابك إحساس بالراحة والإلفة عندما تصافح عيناك إحدى المدن بينما تلفظك أخرى وأنت تضع أولى خطواتك فيها ، كما ينتابك إحساس محايد وأنت تدخل مدينة لأول مرة ، ذلك الأخير كان إحساسي وأنا أزور مدينة كسلا السودانية لأول مرة في حياتي.
لم أشعر بالإلفة وكذلك لم أشعر بالنفور ، فدخلتها كعابر سبيل فاقد الإحساس بالمكان والزمان ولم أجد الوقت الكافي للتعرف على المدينة وأهلها فطبيعة عملي لا تسمح بذلك فاكتفيت بالتعرف على الجيران الملاصقين لمنزلي .
وفي إحدى الليالي المقمرة أويت إلى فراشي باكراً على غير العادة فزارني في المنام رجل أسمر البشرة ذو شارب غزير فخاطبني باسمي قائلاً : " يا منتصر ..أنت لا تعرفني ولكني أعرفك .. أنا أسكن على بعد شارعين من منزلك ، لقد دخلت في غيبوبة فظن أهل بيتي أنني مت فاستعجلوا في دفني وأنا لا زلت حياً .. فأرجو منك الذهاب الى منزلي وإخبار إبني الأكبر بما ذكرته لك ليعودوا ويخرجوني " ، لم أنم ليلتها حتى طلوع الفجر ، فسارعت بالذهاب إلى المنزل الذي وصفه لي الرجل ذو الشارب الضخم ، ولم أجد صعوبة في العثور على المنزل لا سيما أن هنالك جمهرة من الرجال أمام المنزل وصوت البكاء يعلو من داخل المنزل المزدحم بالنساء ، اقتربت من مجموعة من الرجال وسألتهم عن الإبن الأكبر للمرحوم فتقدم نحوي شاب في العقد الثالث من العمر فأخذته بعيداً من الحشد وأخبرته بزيارة والده لي في المنام وما ذكره لي بالتفصيل ، وما على الرسول إلا البلاغ ، فنادى على أخويه واستشارهم فيما قلته له فرفضا فكرة نبش القبر مبررين رفضهم بأنه حتى وإن كان والدهم لا يزال على قيد الحياة وخرج من القبر حياً وهو أمر مستبعد ومستحيل حسب قولهم وسينعته الناس بـ " البعاتي" وهي صفة مكروهة وغير مستحبة ، رفض الأبناء نبش قبر والدهم حتى وإن كانت فرصة بقاءه حيا كبيرة ، وطلبوا مني عدم ذكر هذه القصة لأي شخص أيا كان حفاظاً على أسرار العائلة .. شاكرين مجيئي إليهم وإخبارهم بأمر الرؤيا المنامية.
فهل أخطأوا أم أخطأت أنا .. ام أخطأ المجتمع آنذاك .. ام أنني كنت ضحية رؤيا منامية ليس إلا ؟
يرويها منتصر (37 سنة) - السودان
تعقيب كمال غزال
البعاتي هو من أكثر القصص إثارة للجدال في المخيلة الشعبية السودانية، وقد بقيت الجدات يرددنها ويروينها بشكل دائم على مسامع الأطفال الصغار في الأحاجي وقصص ما قبل النوم، إذ لا تكاد تخلو ثقافة من ثقافات الشعوب حول العالم من عودة أرواح الموتى إلى عالمنا هذا بعد الموت.
ملاحظة
- نشرت تلك القصص وصنفت على أنها واقعية على ذمة من يرويها دون تحمل أية مسؤولية عن صحة أو دقة وقائعها.
-للإطلاع على أسباب نشر تلك التجارب وحول أسلوب المناقشة البناءة إقرأ هنا .