بعد الواحدة صباحاً بقليل، في إحدى ليالي أبريل 2019، استيقظ ضابط في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) داخل غرفته بفندق في لندن على ألم عنيف في رأسه، لم يختبر مثله من قبل، كان جسده يتصبب عرقاً وشعر بأن عينيه تدوران داخل محجريهما، بينما فقد توازنه إلى درجة عجز معها عن الوصول إلى الحمام.
في صباح اليوم التالي، وجد نفسه عاجزاً عن تذكر أسماء زملائه الذين يعرفهم جيداً، ولم يستطع متابعة اجتماع العمل. ظن في البداية أنه تعرض لتسمم غذائي، لكن الدوار وطنين الأذن واضطراب التركيز استمرت لأسابيع.
وبعد خمسة أشهر، تكررت التجربة في فندق آخر بمدينة وارسو البولندية، هذه المرة بألم أشد، كأن أحداً يضرب رأسه بعنف، وعندما انكمش على أرض الغرفة، شعر بأن حدة الألم تراجعت قليلاً، عندها بدأ يتساءل عما إذا كان يتعرض لشيء يأتي من خارج جسده، وليس لمرض داخلي.
لم تكن تلك سوى واحدة من عشرات الروايات التي ارتبطت بما أصبح يعرف باسم متلازمة هافانا Havana Syndrome، وهي ظاهرة صحية غامضة أثارت خلافاً بين الأطباء والعلماء وأجهزة الاستخبارات الأميركية طوال عقد كامل، ومع ظهور معلومات جديدة عن جهاز غامض قادر على إصدار موجات ميكروية، وسحب تقييمات استخباراتية سابقة، عاد السؤال إلى الواجهة: هل تعرض هؤلاء الأشخاص لهجمات خفية بسلاح غير معروف، أم أن وراء الأعراض تفسيرات طبية وبيئية ونفسية لم تُفهم بعد ؟
من هافانا إلى عواصم العالم
بدأت القصة التي منحت الظاهرة اسمها أواخر عام 2016، عندما أبلغ دبلوماسيون وموظفون أميركيون في العاصمة الكوبية هافانا عن أحاسيس غير مألوفة، شملت سماع أصوات حادة أو الشعور بضغط مفاجئ داخل الرأس، أعقبتها أعراض مثل الصداع والدوار وطنين الأذن واضطرابات التوازن والتركيز.
كان بعض المصابين يصفون الإحساس بأنه يأتي من اتجاه محدد داخل الغرفة، بل إن بعضهم قال إن الأعراض كانت تخف عند الانتقال إلى مكان آخر.
وسرعان ما ظهرت بلاغات مشابهة في الصين وأوروبا ومناطق أخرى، ثم بين موظفين يعملون داخل الولايات المتحدة نفسها. وأطلقت الجهات الرسمية على هذه الحالات تسمية «الحوادث الصحية الشاذة» Anomalous Health Incidents – AHI تجنباً لافتراض سبب واحد يجمعها جميعاً.
ومن أكثر الروايات إثارة حالة المسؤول السابق في الاستخبارات الأميركية مارك بوليميروبولوس Marc Polymeropoulos، الذي استيقظ خلال زيارة إلى موسكو في ديسمبر 2017 على دوار شديد وصداع وطنين في الأذنين واستمرت معاناته بعد عودته إلى واشنطن قبل أن يخضع لاحقاً لتقييم طبي شُخصت خلاله إصابة دماغية رضية خفيفة.
وفي حادثة أخرى تعود إلى عام 2015 روت باحثة أميركية أنها شعرت أثناء إقامتها بفندق في بلغراد بإحساس غريب يشبه السقوط داخل مصعد، ثم بضغط يسحبها إلى الأسفل، وقالت إن شاشة حاسوبها بدأت تعرض تشويشاً أزرق، قبل أن تعاني لاحقاً ضعفاً واضطراباً في الكلام وألماً حاداً في إحدى عينيها، وصفته بأنه يشبه مثقاباً يخترق العين.
ورغم التشابه بين بعض هذه الروايات، لم يثبت أن جميع الحالات نتجت عن سبب مشترك.
لغز فندقي ناسيونال وكابري
لم تقتصر الحوادث الغامضة في هافانا على منازل الدبلوماسيين ومقرات عملهم، بل امتدت إلى فنادق شهيرة في العاصمة الكوبية. ففي أبريل 2017، أبلغ موظف أميركي يقيم في فندق كابري عن صوت حاد اخترق غرفته ليلاً، أعقبته أعراض غير مألوفة. وبعد أيام، أبلغ طبيب أميركي زائر عن تجربة مشابهة في الفندق نفسه، رغم أن نزلاء آخرين بالقرب منهما لم يسمعوا شيئاً.
وفي أغسطس من العام نفسه، سُجلت حادثتان إضافيتان داخل فندق ناسيونال دي كوبا Hotel Nacional de Cuba، أحد أشهر معالم هافانا التاريخية، وأظهرت الفحوص اللاحقة أن الشخصين اللذين أبلغا عنهما ظهرت لديهما أعراض تتفق مع الحالات التي كانت السلطات الأميركية تحقق فيها.
وأثارت هذه الوقائع تساؤلات حول سبب تركز بعض البلاغات في غرف ومواقع محددة، وما إذا كان الأشخاص قد تعرضوا لمؤثر خارجي مجهول، لكن التحقيقات لم تثبت وجود جهاز صوتي أو كهرومغناطيسي داخل الفندقين، ولم تحدد مصدراً مؤكداً للأعراض.
هل يوجد سلاح يهاجم الدماغ دون أن يُرى ؟
منذ السنوات الأولى، طُرحت فرضيات متعددة لتفسير هذه الحوادث، منها التعرض لمواد سامة أو عوامل بيئية، واضطرابات الأذن الداخلية، والصداع النصفي، والاستجابات النفسية المرتبطة بالخوف والتوقع.
لكن الفرضية الأكثر إثارة للجدل كانت استخدام سلاح يعمل بالطاقة الموجهة وخصوصاً الموجات الميكروية النبضية Pulsed Microwave Energy، فالموجات الكهرومغناطيسية تستطيع التفاعل مع الأنسجة الحية، وتوجد ظاهرة فيزيائية معروفة باسم «التأثير السمعي للموجات الميكروية» Microwave Auditory Effect، يمكن فيها للنبضات الراديوية، ضمن ظروف معينة، أن تولد إحساساً بأصوات مصدرها داخل الرأس.
غير أن وجود هذا التأثير لا يثبت أن جهازاً محمولاً يستطيع إحداث جميع الأعراض المنسوبة إلى متلازمة هافانا، ولا أن مثل هذا الجهاز استُخدم بالفعل ضد الموظفين الأميركيين.
وفي عام 2020، رأت لجنة من الأكاديميات الوطنية الأميركية أن الطاقة الراديوية النبضية الموجهة تمثل تفسيراً معقولاً لبعض السمات المميزة للحالات الأولى، لكنها لم تحسم السبب.
ثم خلصت لجنة علمية أميركية أخرى عام 2022 إلى أن بعض الأعراض المبلغ عنها حقيقية ولافتة، وأن التعرض لمؤثرات خارجية قد يفسر مجموعة محدودة منها.
ماذا كشفت الفحوص الطبية ؟
لم تتوصل الدراسات الطبية إلى صورة موحدة لما يسمى متلازمة هافانا، ففي مارس 2024، نشرت المعاهد الوطنية للصحة الأميركية NIH نتائج فحوص موسعة لأكثر من 80 شخصاً أبلغوا عن حوادث صحية شاذة، وقارنتهم بمجموعات ضابطة ولم يجد الباحثون اختلافات ثابتة في تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي أو معظم المؤشرات الطبية المقاسة.
لكن غياب هذه العلامات لا يعني أن الأعراض كانت متخيلة، ولا يستبعد حدوث تأثير صحي لم يترك تغيرات قابلة للرصد بتلك الوسائل.
وفي المقابل، يرى بعض الباحثين أن جمع حالات متباينة تحت تسمية واحدة قد يكون ضخم الانطباع بوجود ظاهرة مشتركة، وأن الصداع النصفي واضطرابات التوازن والتوتر والتوقعات النفسية يمكن أن تفسر جانباً من البلاغات.
وهكذا بقي الخلاف قائماً بين من يرى أن بعض الحالات تحمل نمطاً طبياً غير مألوف يستحق البحث عن مؤثر خارجي، ومن يعتبر أن الأدلة المتاحة لا تكفي لإثبات وجود هجمات بسلاح جديد.
الشكوك تتجه نحو الاستخبارات الروسية
اكتسب الملف بعداً استخباراتياً عندما لاحظ صحفيون ومحققون أن عدداً من المصابين كانوا يعملون في ملفات تتعارض مع مصالح روسيا، أو تعرضوا للأعراض خلال مهمات في مناطق تنشط فيها أجهزة استخباراتها.
وظهرت اتهامات تربط بعض الحوادث بعناصر من الاستخبارات العسكرية الروسية، خصوصاً الوحدة المعروفة باسم 29155 التي ارتبط اسمها بعمليات سرية خارج روسيا.
لكن الربط بين تحركات عناصر استخباراتية ومواقع بعض الحوادث لا يثبت تنفيذ هجمات، كما أن تقارير عن وجود هواتف مرتبطة بعملاء روس قرب مواقع حوادث معينة لم تتحول إلى أدلة علنية حاسمة.
وفي مارس 2023، خلص تقييم للاستخبارات الأميركية إلى أن مسؤولية جهة أجنبية عن الحوادث المبلغ عنها مستبعدة جداً، وظل معظم مجتمع الاستخبارات متمسكاً بهذا الموقف في تقييم محدّث صدر مطلع 2025، رغم أن إحدى الوكالات أصبحت ترى احتمالاً متقارباً لاستخدام سلاح أو جهاز تجريبي في عدد محدود من الحالات.
وبذلك لم يكن الخلاف حول وجود الأعراض، بل حول ما إذا كانت بعض هذه الأعراض نتيجة اعتداء متعمد، ومن يمكن أن يكون وراءه.
جهاز غامض يعيد فتح الملف
شهدت القضية تطوراً جديداً عندما ظهرت تقارير تفيد بأن الحكومة الأميركية حصلت في أواخر عام 2024 على جهاز محمول يُعتقد أنه قادر على إصدار موجات ميكروية نبضية، وذلك عبر عملية سرية مرتبطة بشبكة بيع غير مشروعة يُشتبه بصلتها بروسيا.
ووفق معلومات نقلها تحقيق نشرته صحيفة الغارديان The Guardian في 10 أكتوبر 2026، أكد مصدران أن الجهاز نُقل إلى الولايات المتحدة لإخضاعه للاختبارات، كما تحدثت مصادر عن تجارب على الحيوانات أظهرت احتمال إحداث أعراض تشبه بعض ما ورد في بلاغات متلازمة هافانا.
إذا تأكدت هذه النتائج علمياً، فقد تدعم إمكانية تصنيع جهاز قادر على إحداث بعض تلك التأثيرات، وهي مسألة ظل كثيرون يشككون فيها.
لكن هناك حدوداً مهمة لهذه المعلومات؛ فالمواصفات التقنية للجهاز ونتائج الاختبارات التفصيلية لم تُنشر للتحقق المستقل، ولا يوجد دليل معلن يثبت استخدام الجهاز نفسه في أي من الحوادث السابقة.
لذلك يبقى وجود جهاز محتمل بهذه الخصائص مختلفاً تماماً عن إثبات وقوع حملة هجمات منظمة.
آخر مستجدات التحقيق
في يونيو 2026، اتخذ الملف منعطفاً مهماً عندما سحبت مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية آنذاك، تولسي غابارد Tulsi Gabbard تقييمين استخباراتيين صدرا في عامي 2023 و2025 وكانا يقللان من احتمال تورط جهة أجنبية.
وبرر مكتبها القرار بوجود أوجه قصور في التحليل، شملت استبعاد معلومات ذات صلة، وعدم تمثيل بعض المصادر والتقديرات بصورة دقيقة، والاعتماد على دراسة طبية أثارت إشكالات أخلاقية، لكن سحب التقييمين لم يصاحبه نشر أدلة جديدة تثبت وقوع الهجمات أو تحدد المسؤول عنها.
وفي 10 أكتوبر 2026، أعادت صحيفة الغارديان The Guardian فتح الملف بتحقيق موسع يستند إلى مقابلات مع مصابين وعلماء ومصادر استخباراتية، وإلى معلومات من كتاب استقصائي جديد بعنوان The Havana Syndrome أعده الصحفيان مايكل ري Michael Rey وأوريانا زيل دي غرانادوس Oriana Zill de Granados، ومن المقرر صدوره في 13 أكتوبر.
ويعرض التحقيق شهادات وقرائن تعزز، في نظر أصحابها، احتمال تورط أجهزة استخبارات روسية في بعض الحالات، كما ينقل عن العالم ديفيد ريلمان David Relman الذي ترأس اللجنة العلمية الأميركية عام 2022 اعتقاده بأن التعرض لموجات ميكروية نبضية يمثل تفسيراً معقولاً لمجموعة محدودة من الحوادث غير المألوفة.
وفي المقابل، لا يزال خبراء ومصادر استخباراتية أخرى يشيرون إلى غياب دليل مباشر يربط روسيا بتنفيذ تلك الهجمات، فيما رفض مدير الاستخبارات المركزية السابق وليام بيرنز اتهامات التستر، مؤكداً أن التحقيقات السابقة كانت جادة وشاملة.
وبعد عشر سنوات من ظهور الحالات الأولى في هافانا، لم يعد السؤال مقتصراً على معرفة ما أصاب هؤلاء الأشخاص، بل امتد إلى مدى قدرة التحقيقات الطبية والاستخباراتية على التمييز بين المرض والتهديد الخفي.
فهل كانت بعض الحوادث نتيجة سلاح غير مرئي، أم أن متلازمة هافانا اسم واحد أُطلق على حالات مختلفة لا يجمعها سبب واحد ؟
حتى الآن، لم تُحسم الإجابة، لكن الجهاز الذي يجري الحديث عنه وسحب التقييمات السابقة والوثائق والشهادات الجديدة، أعادت القضية إلى دائرة التحقيق بعد أن بدا لكثيرين أنها أُغلقت.