في ليلة 18 يناير 1957، وبينما كانت قاذفة أمريكية من طراز B-52 تحلق فوق شمال شرقي المملكة العربية السعودية، ظهر على شاشة رادارها هدف جوي غير معروف، في منطقة لم يكن يُتوقع وجود طائرات أخرى فيها. 

بقي الهدف ظاهراً لعدة دقائق، على مسافة تقارب خمسة كيلومترات ونصف من القاذفة، قبل أن يختفي عقب انعطافها،  وبعد نحو 69 عاماً، أفرجت وزارة الدفاع الأمريكية عن تقرير استخباراتي كان مصنفاً سابقاً بدرجة "سري"، يكشف تفاصيل هذه الحادثة التي وقعت خلال واحدة من أشهر المهمات الجوية في تاريخ الحرب الباردة.

جاء الكشف ضمن الدفعة السابعة من ملفات الظواهر الجوية غير المحددة (UAP)، المنشورة في 23 أكتوبر 2026، وتضمنت وثيقة تحمل الرمز DOW-UAP-D155 بعنوان Air Intelligence Information Report, Saudi Arabia, 1957  وهي تقرير استخباراتي من خمس صفحات أُعد في 19 يناير 1957، أي بعد يوم واحد من الواقعة.

هدف مجهول خلال رحلة حول العالم

كانت القاذفة الأمريكية، التي تحمل الرقم 394، تشارك في عملية عسكرية حملت اسم Power Flite نفذتها القيادة الجوية الاستراتيجية الأمريكية لإثبات قدرة قاذفات B-52 على الدوران حول العالم دون الهبوط، بالاعتماد على التزود بالوقود جواً.

انطلقت المهمة في 16 يناير 1957 من قاعدة كاسل الجوية في كاليفورنيا، بمشاركة خمس قاذفات، أكملت ثلاث منها الرحلة بنجاح، قاطعة نحو 39 ألف كيلومتر خلال 45 ساعة و19 دقيقة.

وخلال مرور إحدى القاذفات فوق الأراضي السعودية، وتحديداً قرب الإحداثيات 27 درجة شمالاً و47 درجة شرقاً، رصد طاقمها انعكاساً غير معروف على شاشة رادار التسديد الخلفي من طراز A-3A.

وكانت الطائرة تحلق ليلاً على ارتفاع 39 ألف قدم، أي نحو 11.9 كيلومتراً، بقيادة المقدم ج. م. موريس J. M. Morris من جناح القصف الثالث والتسعين التابع للقوات الجوية الأمريكية.

ووفقاً للتقرير، ظهر الهدف المجهول قبيل موعد التقاء القاذفة بطائرة للتزود بالوقود جواً، وبقي انعكاسه عند علامة 6000 ياردة على شاشة الرادار، أي ما يعادل نحو 5.5 كيلومترات، لمدة تراوحت بين خمس وسبع دقائق.

وللمقارنة، كانت هناك قاذفة B-52 أخرى تظهر على الشاشة في الوقت نفسه، لكن انعكاس الهدف المجهول كان أصغر من انعكاس القاذفة المرافقة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الجسم كان أصغر حجماً، لأن قوة الانعكاس الراداري تتأثر أيضاً بالشكل والاتجاه والمواد المكوِّنة للهدف.

اختفاء الهدف باتجاه منطقة بغداد الجوية

استمر الرصد حتى نفذت القاذفة انعطافاً نحو اليسار، وعندها اختفى الهدف من شاشة الرادار، وأشار التقرير إلى أن الاختفاء ربما كان نتيجة تغير اتجاه القاذفة نفسها، لكنه أضاف أن الهدف بدا وكأنه اختفى باتجاه منطقة تعريف الطيران التابعة لبغداد.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من موقع الحادثة، الذي كان قريباً من المجال الجوي العراقي، لكن الوثيقة لا تقدم بيانات مستقلة تثبت أن الهدف انتقل فعلياً إلى تلك المنطقة.

أما العبارة الأكثر لفتاً للانتباه فجاءت في خانة الأهمية الاستخباراتية، حيث أوضح معد التقرير أن الهدف ظهر على شاشة الرادار في منطقة لم يكن يُتوقع وجود طائرات فيها.

وقد أعد التقرير النقيب ألفا سميث Alva Smith مستنداً إلى إفادة طاقم القاذفة، وحمل تصنيفاً لتقييم المصدر والمعلومات يشير إلى اعتبار المصدر موثوقاً عادةً والمعلومات محتملة الصحة.

رسم راداري ضمن الوثيقة السرية

لا تتضمن الوثيقة صورة فوتوغرافية للجسم أو تسجيلاً إلكترونياً أصلياً للرادار، لكنها تحتوي على رسم تخطيطي يوضح ما شاهده الطاقم على شاشة جهاز A-3A، مع موضع الهدف غير المعروف مقارنة بالطائرة المرافقة.

ويتيح هذا الرسم تصور كيفية ظهور الهدف أثناء الحادثة، لكنه لا يكفي لتحديد شكله الحقيقي أو حجمه أو سرعته.

كذلك لا تشير الوثيقة إلى أن الطيارين شاهدوا الجسم بأعينهم، إذ يبدو أن الرصد اقتصر على شاشة الرادار. ولم يرد في الصفحات المنشورة ما يؤكد إجراء تحقيق لاحق انتهى إلى تحديد هويته.

هل كان جسماً طائراً مجهولاً بالفعل ؟

من الناحية التوثيقية، تمثل الحادثة بلاغاً عسكرياً معاصراً عن هدف راداري غير محدد الهوية، لكنها لا تقدم دليلاً على وجود مركبة ذات خصائص استثنائية.

فمن الاحتمالات التي ينبغي أخذها في الحسبان وجود طائرة أخرى لم تكن معروفة للطاقم، أو انعكاس راداري غير معتاد، أو تأثير مرتبط بظروف تشغيل الجهاز وحركة القاذفة،  وتبقى هذه احتمالات تفسيرية، لا نتائج أثبتها التحقيق.

كما أن استمرار الانعكاس عند علامة مسافة محددة لا يثبت وحده أن الهدف كان يرافق القاذفة أو يتحرك بسرعتها، لأن ذلك يحتاج إلى معلومات إضافية عن اتجاهه وحركته والبيانات الرادارية الأصلية.

ومع غياب تلك البيانات، يصعب إجراء تحليل تقني مستقل للحادثة بعد مرور ما يقارب سبعة عقود، ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية للوثيقة تكمن في أنها تحفظ شهادة عسكرية مباشرة عن رصد غير مألوف فوق الأراضي السعودية، خلال مهمة استراتيجية بالغة الأهمية في ذروة الحرب الباردة.

وبينما لم تُحسم هوية الهدف الذي ظهر على شاشة القاذفة في يناير 1957، أعاد الإفراج عن التقرير في أكتوبر 2026 حادثة منسية إلى سجل الأجسام الجوية المجهولة، تاركاً سؤالاً مفتوحاً: ما الذي رصده طاقم القاذفة الأمريكية فوق السعودية قبل نحو 69 عاماً ؟