لطالما ارتبطت المرايا في المعتقدات الشعبية بقدرتها المزعومة على كشف ما لا تراه العين، حتى إن بعض التقاليد اعتبرتها بوابات للتواصل مع أرواح الموتى. لكن ماذا يحدث عندما تتحول هذه الفكرة القديمة إلى تجربة علمية، ويجلس أشخاص سبق لهم رؤية أشباح أمام مرآة في غرفة معتمة، بينما تراقب الأجهزة استجابات أجسادهم والتغيرات المحيطة بهم؟ هل تظهر أمامهم وجوه وأطياف غامضة، أم أن عقولهم هي التي تصنع تلك المشاهد ؟

هذا ما حاولت دراسة جديدة استكشافه، نُشرت في 6 أكتوبر 2026 بمجلة Journal of Anomalous Experience and Cognition، وأجرتها الباحثة كريستين سيموندز مور Christine Simmonds-Moore بالتعاون مع تشيس أوغوين ومايكل ستيدر وإيلينا مايفيلد، وقد ركز الفريق على تجارب الظهورات والإحساس بوجود كائنات غير مرئية، ومدى ارتباطها بخصائص الأشخاص والعوامل البيئية المحيطة بهم.

غرفة مرآة الأرواح

اعتمد الباحثون على أسلوب يعرف باسم  «غرفة استحضار الأرواح بالمرآة» Psychomanteum ، وهو أسلوب يقوم على الجلوس أمام مرآة في إضاءة خافتة والتحديق فيها لفترة طويلة، بهدف استثارة صور ذهنية أو إحساس بحضور أشخاص غير موجودين جسدياً.

ولا تعني هذه التسمية أن الغرفة تستحضر الأرواح بالفعل، بل إنها تشير إلى تقليد قديم ارتبط بمحاولات التواصل مع الموتى، قبل أن يصبح موضوعاً للتجارب النفسية والباراسيكولوجية الحديثة.

اختار الفريق 30 مشاركاً سبق لكل منهم أن مر بتجربة اعتقد أنها مرتبطة بشبح، وكان نصف المشاركين يعانون من ظاهرة نفسية عصبية تعرف باسم «الحس المرافق»Synesthesia وهي حالة تتداخل فيها الخبرات الحسية، فقد يرتبط سماع صوت معين بإدراك لون، أو تثير بعض الكلمات إحساساً حسياً إضافياً.

أراد الباحثون معرفة ما إذا كان أصحاب هذه الخاصية أكثر استعداداً لاختبار الظهورات أو الإحساس بحضور غير مرئي.

بدأت التجربة بجلسة تمهيدية مدتها 15 دقيقة، تلتها جلسة استغرقت 45 دقيقة من التحديق في المرآة، وخلال ذلك، طُلب من المشاركين الضغط على زر كلما شعروا بوجود شخص أو كيان غير مرئي، أو اختبروا صوراً ذهنية قوية وغير مألوفة.

ولم يكتف الفريق بما يرويه المشاركون؛ فقد استخدم أجهزة لمراقبة تغيرات نبض القلب، والمجالات الكهرومغناطيسية، والتقلبات المغناطيسية الأرضية، إلى جانب كاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء ومولد للأرقام العشوائية، كما جُمعت قياسات للمقارنة خارج جلسات التحديق، وأُجريت مقابلات واستبيانات بعد انتهاء التجربة.

ماذا كشفت التجربة ؟

أظهرت النتائج أن أصحاب الحس المرافق لم يكونوا أكثر عرضة من غيرهم للتجارب الاستثنائية أو الإحساس بحضور غير مرئي، كما لم تظهر فروق واضحة بين المجموعتين في مدى وضوح الصور التي اختبروها أو إحساسهم بواقعيتها.

لكن الباحثين وجدوا علاقة بين الإبداع وقوة الصور الذهنية؛ فالأشخاص الذين سجلوا درجات أعلى في الإبداع مالوا إلى وصف صور أكثر وضوحاً وإقناعاً، وكأن ما يدور في أذهانهم يتمتع بحضور قريب من الواقع.

وهذه النتيجة تثير سؤالاً مهماً: هل يمكن أن تؤدي القدرة القوية على التخيل، مع التحديق الطويل في المرآة والإضاءة الخافتة، إلى تجربة تبدو لصاحبها وكأنها لقاء حقيقي مع كائن غير مرئي ؟

ولم تتوقف النتائج عند الجانب النفسي، فقد وجد الفريق ارتباطات إحصائية بين بعض التغيرات الكهرومغناطيسية والمغناطيسية الأرضية، وبين استجابات الجسم والطريقة التي وصف بها بعض المشاركين تجاربهم، خصوصاً لدى أصحاب الحس المرافق.

كذلك ظهرت علاقة إحصائية بين مخرجات مولد الأرقام العشوائية وبعض تقييمات التجربة لدى هذه المجموعة، ورصدت الكاميرات بالأشعة تحت الحمراء شذوذات بصرية، لكنها ظهرت أثناء جلسات المرآة وكذلك خلال فترات القياس الأساسية، وهو ما يمنع اعتبارها دليلاً على ظهور كيان غامض.

أما الارتباطات المسجلة فلا تثبت أن المجالات المغناطيسية سببت التجارب، أو أن مولد الأرقام تأثر بقوة غير معروفة، فالدراسة استكشافية، وعينتها صغيرة، وتحتاج نتائجها إلى اختبارات مستقلة قبل استخلاص استنتاجات أوسع.

هل تصنع المرآة شبحاً في أذهاننا ؟

من المعروف أن التحديق المطول في الوجوه أو الانعكاسات، خصوصاً تحت إضاءة ضعيفة، قد يؤدي إلى تغيرات غريبة في الإدراك البصري؛ إذ يمكن أن تبدو الملامح مشوهة أو مختلفة، وأحياناً كأنها تعود إلى شخص آخر.

ويفسر بعض الباحثين هذه الظواهر بتكيف النظام البصري مع الصورة الثابتة، إلى جانب دور الانتباه والتوقعات والعمليات التي يستخدمها الدماغ في تفسير المعلومات الحسية الناقصة.

غير أن تجربة «مرآة الأرواح» لا تقتصر على رؤية صور غريبة، بل تشمل أيضاً الإحساس بحضور شخص غير مرئي، وهو شعور قد يكون شديد الواقعية رغم غياب دليل خارجي على وجود ذلك الشخص.

ومن هنا تأتي أهمية الدراسة الجديدة؛ فهي لا تحاول إثبات وجود الأشباح بقدر ما تستكشف الظروف التي قد تجعل الإنسان يختبر حضوراً غامضاً، وكيف تتداخل خصائصه النفسية مع المؤثرات المحيطة به.

بين المعتقد القديم والتفسير العلمي

سبق أن تناولنا حضور المرايا في المعتقدات والأساطير، وما نُسب إليها من قدرات على كشف الأرواح أو فتح نوافذ على عوالم خفية، أما الدراسة الجديدة فتنقل الاهتمام من المعتقدات الموروثة إلى تجربة الإنسان نفسه: ماذا يرى، وماذا يشعر، وكيف يمكن قياس بعض الظروف المصاحبة لتلك التجربة ؟

لم تقدم الدراسة دليلاً على أن الأرواح تظهر في المرايا، ولم تثبت وجود قوة خارقة تؤثر في الأجهزة، لكنها سلطت الضوء على ظاهرة تستحق المزيد من البحث، وهي قدرة بعض الأشخاص على اختبار صور وأحاسيس تبدو حقيقية إلى درجة يصعب عليهم التمييز بينها وبين أحداث العالم الخارجي.

ويبقى السؤال مفتوحاً: عندما يرى شخص وجهاً غريباً في المرآة أو يشعر بأن أحداً يقف خلفه، فهل تكشف المرآة شيئاً موجوداً خارج نطاق إدراكه المعتاد، أم أنها تتيح للدماغ ظروفاً غير مألوفة يعيد فيها تشكيل الواقع الذي يراه ؟

حتى الآن، تميل التفسيرات العلمية إلى دراسة آليات الإدراك والتوقع والانتباه، بينما يظل وجود مصدر خارجي خارق لهذه التجارب ادعاءً لم تثبته الأدلة المتاحة.