في أحدث دفعة من الوثائق العسكرية الأميركية المفرج عنها، برزت حادثة غامضة وقعت فوق منطقة غير معلنة من الشرق الأوسط، بعدما رصد طاقم عسكري ستة أجسام كروية صغيرة تتحرك مجتمعة وتغير اتجاهها بصورة أثارت انتباه المراقبين. ولم تبق الحادثة مجرد شهادة مكتوبة؛ فقد رافقها تسجيل بالأشعة تحت الحمراء التقطته منصة عسكرية أميركية، وظلت هوية الأجسام مجهولة في التقرير الرسمي.

وجاء نشر الحادثة ضمن Release 6 وهي الدفعة السادسة من المواد المنشورة عبر برنامج PURSUE التابع لوزارة الدفاع الأميركية، والتي تضم تقارير ومواد مرتبطة بحوادث UAP جرى رفع السرية عنها وإتاحتها للجمهور.

وقعت الحادثة في 29 يوليو 2025 أثناء مهمة جوية مرتبطة بعملية العزم الصلب Operation Inherent Resolve التابعة للقيادة المركزية الأميركية USCENTCOM، لكن تفاصيلها لم تصبح متاحة للجمهور إلا بعد رفع السرية عن التقرير في 10 يوليو 2026، ثم نشره في 18 سبتمبر ضمن دفعة جديدة من ملفات الظواهر الشاذة غير المحددة UAP.

وكان التقرير، الذي يحمل الرمز DOW-UAP-D108 مصنفاً في الأصل بدرجة "سري وغير مخصص للتوزيع على جهات أجنبية" SECRET//NOFORN وتكشف الوثيقة أن موعد الاتصال الأول بالأجسام سُجل عند الساعة 20:22 بالتوقيت العالمي، بينما حُجبت تفاصيل كثيرة، من بينها الموقع الدقيق ونوع المنصة العسكرية المستخدمة.

ست كرات تتحرك معاً

يصف التقرير الأجسام بوضوح بأنها ستة أجسام كروية صغيرة متجمعة معاً وسجل المراقب أنها بدت رشيقة الحركة وتغير اتجاهها بصورة متكررة.

والأكثر إثارة أن خانة "السلوك أو الخصائص الشاذة" في التقرير تشير إلى أن الأجسام كانت قادرة، بحسب المراقبة، على تغيير اتجاهاتها بسرعة وفي الوقت نفسه.

وقدرت سرعتها بنحو 480 ميلاً في الساعة، أي قرابة 770 كيلومتراً في الساعة على ارتفاع FL220، أي نحو 22 ألف قدم (6700 متر) وكانت تتحرك باتجاه الجنوب الشرقي، بينما كانت المنصة العسكرية تتجه نحو الشمال الغربي بسرعة مسجلة تبلغ 120 عقدة جوية، وصُنفت الحالة الفيزيائية للأجسام في التقرير بأنها "صلبة".

لكن هذه الأرقام تحتاج إلى قدر من الحذر، فالوثيقة نفسها تصنف السرعة والارتفاع والمسار باعتبارها تقديرات، كما تشير إلى عدم إجراء استجواب أو فحص مستقل للأهداف بواسطة مستشعر آخر في خانة Observation Interrogation، وهذا يعني أن رقم 480 ميلاً في الساعة لا ينبغي التعامل معه باعتباره قياساً رادارياً دقيقاً ومؤكداً.

فيديو حراري مدته دقيقة

إلى جانب التقرير، نشرت الجهات العسكرية تسجيلاً يحمل الرمز DOW-UAP-PR135 مصدره مستشعر يعمل بالأشعة تحت الحمراء على متن منصة عسكرية أميركية.

يبلغ طول التسجيل نحو 59 ثانية، ووفق الوصف الرسمي، تظهر بين الثانية الخامسة والعاشرة عدة مناطق متباينة تعبر مجال رؤية المستشعر من أعلى الصورة إلى أسفلها، وبين الثانية 11 و47 يتحرك المستشعر لملاحقتها، محاولاً إبقاءها قرب مركز الإطار، قبل تغيير مستوى التكبير في الثواني الأخيرة.

وهنا يظهر فارق مهم بين ما يرويه التقرير وما يثبته الفيديو بمفرده.

فاللقطات تؤكد وجود أهداف أو مناطق تباين يتعقبها المستشعر، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن تلك الأجسام كانت تتحرك بسرعة 480 ميلاً في الساعة، أو أنها نفذت بالفعل مناورات استثنائية، بل أرفقت الجهة الناشرة الفيديو بتحذير صريح من اعتبار الوصف المرفق به حكماً تحليلياً أو استنتاجاً بشأن حقيقة الظاهرة أو طبيعتها أو أهميتها.

هل كانت تحت سيطرة ذكية ؟

لا يقدم التقرير إجابة، ففي الخانة المخصصة للسؤال عما إذا كانت الأجسام واقعة "تحت تحكم ذكي" جاءت الإجابة: "غير معروف"، وكذلك ظلت وسيلة الدفع مجهولة، والترددات الراديوية غير معروفة، ولم يسجل التقرير أي تأثير للأجسام على الأشخاص أو المعدات، ولم يعثر على أي مواد أو أجسام مرتبطة بها.

كما سجل التقرير «NO» في خانة القدرات أو المواد المتقدمة، وهو تفصيل مهم لأن وصف الظاهرة بأنها UAP لا يعني تلقائياً أن الجيش اعتبرها مركبة ذات تقنية غير معروفة أو ذات أصل غير بشري.

ماذا يمكن أن تكون ؟

من الفيديو المتاح وحده يصعب تحديد طبيعة الأجسام. فقد تطرح تفسيرات تقليدية مثل البالونات أو الطائرات المسيّرة الصغيرة أو أجسام أخرى تبدو غير مألوفة بسبب زاوية الرصد وحركة المنصة والمستشعر، لكن المعلومات المنشورة لا تكفي حالياً لإثبات أي من هذه الفرضيات.

وفي المقابل، فإن الوصف الوارد في التقرير: ستة أجسام كروية تتحرك كمجموعة وتغير اتجاهاتها بسرعة وبشكل متزامن، هو بالتحديد ما يمنح الحادثة أهميتها، إذا كان تقدير المراقب لحركتها دقيقاً.

وتبقى هناك مشكلة أخرى: الموقع نفسه محجوب، فالوثائق المنشورة لا تحدد الدولة التي وقعت الحادثة فوقها، وإنما تكتفي بوصف المنطقة بأنها "الشرق الأوسط"، فيما حُجبت إحداثيات الرصد ومعلومات تشغيلية أخرى.

بين المجهول والاستنتاج المتسرع

تكتسب القضية قيمتها من أنها لا تقوم على مقطع مجهول المصدر أو شهادة متداولة على الإنترنت، بل على تقرير مهمة عسكري رسمي وتسجيل صادر عن مستشعر عسكري وقد أحالت القيادة المركزية الأميركية الحادثة إلى مكتب حل الشذوذ في جميع المجالات AARO باعتبارها ظاهرة جوية غير محددة.

لكن كلمة "غير محددة" هي المفتاح هنا ، فالوثيقة لا تقول إن الأجسام مركبات فضائية، ولا تثبت امتلاكها تكنولوجيا تتحدى قوانين الطيران، ولا تقدم قياسات مستقلة تؤكد السرعة والمناورات المبلغ عنها، وفي الوقت نفسه، لم يقدم الملف المنشور حتى الآن تفسيراً تقليدياً نهائياً لما ظهر أمام الطاقم والمستشعر.

وهكذا تبقى الكرات الست في المساحة التي تجعل ملفات الأجسام الطائرة المجهولة مثيرة للاهتمام: حدث موثق بما يكفي لعدم تجاهله، لكنه غير موثق بما يكفي لمعرفة حقيقته.

فهل كانت ستة أجسام عادية بدت غريبة بفعل ظروف الرصد وحركة المستشعر ؟ أم أن الطاقم العسكري شاهد بالفعل مجموعة من الأجسام تنفذ حركة متزامنة غير مألوفة ؟

حتى الآن، لا يمنحنا التقرير السري السابق ولا الفيديو الحراري جواباً حاسماً.