خمسة خيول نافقة في ريف الأرجنتين، أنسجة مفقودة، وجروح يصفها صاحب الحيوانات بأنها تبدو مقطوعة بالليزر، ثم تأتي روايات عن أضواء غريبة في السماء، فتتحول خسارة محيرة لمربٍّ إلى قصة عن أطباق طائرة وتجارب جينية، لكن بين العثور على الجثث وتحديد المسؤول عنها مسافة لا تختصرها الصور الصادمة ولا كثرة تداول الخبر.

مشهد غير مألوف في باتاغونيا

وقعت الحادثة قرب بلدة ريو مايو Río Mayo في مقاطعة تشوبوت، جنوبي الأرجنتين، وبحسب التغطيات المحلية المنشورة مطلع سبتمبر 2026، عثر فرانثيسكو كيلودران Francisco Quilodrán على ثلاثة أفراس وحصانين نافقة في منطقة ريفية تبعد نحو ستة كيلومترات عن البلدة ، وقال إن الجيف افتقدت عيوناً وألسنة وآذاناً وأنسجة أخرى دون دم ظاهر أو آثار اعتاد رؤيتها عند هجمات الحيوانات. 

وفي مقابلة مع إذاعة Radio 3 أوضح المالك أن تساقط الثلوج منعه من تفقد المكان عدة أيام وأن خمسة من خيوله الثمانية كانت نافقة عند عودته، وذكر العثور في الطريق على فرس أخرى اعتقد أنها ماتت من البرد،  لا يثبت هذا أن الخيول الخمسة ماتت للسبب نفسه، لكنه يكشف فجوة زمنية مهمة: لم يشاهد أحد لحظة نفوقها، ولم تكن الجثث تحت مراقبة مستمرة قبل اكتشافها.

كانت خبرة الرجل بالحياة الريفية سبباً في استغرابه، غير أن صدق الصدمة لا يكفي وحده لتحديد آلية الإصابة؛ فملاحظة أن المشهد غير مألوف تختلف عن إثبات أنه يستحيل حدوثه طبيعياً.

كيف دخلت الأطباق الطائرة إلى القصة ؟

بدأ الربط بالسماء يتعزز بعد نشر صور الحيوانات، قال كيلودران إنه تلقى رسائل من أشخاص يزعمون مشاهدة أضواء وأجسام غريبة في المنطقة، وأوضح أنه لم يشاهد تلك الأضواء بنفسه، تضمنت الروايات جسماً يشبه الطبق وله ذيل وأضواء قوية شُبّهت بالكشافات، مع اختلاف أوقات المشاهدات المزعومة. 

وتداولت وسائل إعلام لاحقاً مقطعاً من  ألديا أبيليغ Aldea Apeleg وصفته بأنه يُظهر ضوءين يتحركان في السماء ليلاً، إلا أن التغطية لا تثبت أن التصوير تزامن مع موت الخيول، أو أنه جرى فوق موقع الجثث، أو أن الضوءين تفاعلا مع الحيوانات، بل طرحت الصلة بين الحدثين كسؤال مفتوح. 

هنا يقع الانتقال الحاسم في القصة: جمع حدثين محيّرين ضمن رواية واحدة قد يجعل العلاقة بينهما تبدو بديهية، مع أنها تحتاج إلى دليل مستقل. وحتى لو بقي مصدر الأضواء مجهولاً، فإن ذلك لا يحدد طبيعتها ولا يجعلها سبباً لنفوق الخيول.

ما الذي وجدته الشرطة ؟

في الأول من سبتمبر، نقلت إذاعة Radio del Mar عن رئيس شرطة ريو مايو، نيستور بينيا Néstor Peña، أن الشرطة تدخلت بعد انتشار الصور، وقدّرت أن الحيوانات ماتت قبل نحو أسبوع، ولم تجد دماً في الموقع أو أسلاك سياج مقطوعة أو آثار مركبات تدعم دخول أشخاص لذبح الخيول وسرقة لحومها.

طرح بينيا احتمال أن تكون الأنسجة قد تضررت بعد الموت بفعل الحيوانات، لكنه لم يجزم بسبب النفوق، وأشار إلى أن التقييم البيطري قد يوفر إجابة أوضح،  كما قال إن شهادات الأضواء التي وصلت إلى الشرطة لم تكن مدعومة آنذاك بتسجيلات قُدمت إليها.

وفي اليوم التالي، نقلت ADNSUR تصريحاً أكثر جزماً عن المسؤول الشرطي كريستيان موليرو Cristian Mulero، أرجع فيه فقدان الأنسجة الرخوة إلى الحيوانات القمّامة والطيور والحشرات، وفسّر مظهر الجلد بتأثير الشمس والرياح والجفاف وانكماشه فوق العظام، وقدمت الصحيفة التصريح تحت عنوان يفيد بأن اللغز حُلّ. 

لكن المعاينة الشرطية، على أهميتها، لا تعادل تشريحاً بيطرياً، والسؤالان اللذان يجب الفصل بينهما هما: ما الذي قتل الخيول ؟ وما الذي أحدث فقدان الأنسجة ؟ فقد تكون الإصابات لاحقة للوفاة، وعندها لا يفسر تحديد مصدرها سبب الموت نفسه.

تبدو "مقطوعة بالليزر"

من أكثر عناصر الخبر إثارة وصف الجروح بأنها تبدو مقطوعة بالليزر، والجلد بأنه يبدو محترقاً،  إلا أن هذه العبارات جاءت من وصف المالك ولم تُعرض بوصفها نتائج فحص للأنسجة أو تحديد لأداة مستخدمة.

بل إن موقع Ovniologia  يقر في متن مادته بعدم وجود تقرير بيطري أو علمي يحدد سبب الموت والإصابات، وينقل أيضاً أن ربط المالك بين الأضواء والخيول نابع من عجزه عن العثور على تفسير آخر. 

كذلك، فإن عدم العثور على دم ظاهر حول الجثث لا يثبت استنزاف الدم من أجسامها، وبين الملاحظتين فرق يحتاج إلى فحص، لا إلى وصف أكثر إثارة.

ولم تكن الإصابات متطابقة في جميع الحيوانات؛ فقد نقلت صحيفة Jornada عن المالك أن أحد الخيول فقد عيناً فقط، بينما وصف فقدان أنسجة أوسع في فرس أخرى، ولذلك فإن تصوير الحادثة كخمس عمليات جراحية متماثلة يتجاوز التفاصيل المنشورة. 

ظاهرة قديمة تحتاج إلى فحص كل حالة

تذكّر الواقعة بما يُعرف باسم "تشويه الماشية" Cattle Mutilations حيث يُربط فقدان أجزاء من أجسام الحيوانات بتدخل غامض. لكن لهذا المظهر تفسيرات خضعت للدراسة البيطرية.

في سبتمبر 1989، نشر الباحثان P. N. Nation وE. S. Williams ورقة في Canadian Veterinary Journal قارنا فيها أنماط تغذي آكلات الجيف على الأبقار النافقة بتقارير التشويه في ألبرتا الكندية، وخلصا إلى أن الحالات التي تناولاها تتفق مع نشاط آكلات الجيف، وأن ادعاء التدخل البشري يستلزم أولاً استبعاد هذا الاحتمال.

لا تشخّص تلك الورقة خيول باتاغونيا؛ فالنوع الحيواني والبيئة والحالة مختلفة، لكنها توضح أن مظهر "التشويه" لا يكفي دليلاً على استخدام أدوات، وأن تفسير الشرطة يستند إلى آلية طبيعية معروفة تستحق الاختبار في هذه الواقعة.

من الشك إلى "التجارب الجينية"

بلغ التصعيد ذروته عندما زعم الباحث في الأطباق الطائرة سيرخيو سوريا Sergio Soria أن الخيول نُقلت إلى مركبة فضائية لإجراء تجارب جينية، معترضاً على تفسير الشرطة. غير أن التغطية التي نقلت تصريحاته لم تعرض دليلاً مادياً أو نتائج مختبرية تثبت النقل أو التجارب، هذا الادعاء لا يملأ الفراغ في الأدلة بل يضيف إليه افتراضات جديدة، فقبل البحث في أهداف كائنات مفترضة، يلزم إثبات وجودها وصلتها بالواقعة أصلاً.

حتى تاريخ إعداد هذا التحقيق لم نعثر ضمن المصادر التي راجعناها على تقرير تشريح بيطري منشور يحسم سبب نفوق الخيول، المتاح هو واقعة عاينتها الشرطة وشهادة مالك مصدوم وتفسير طبيعي محتمل لفقدان الأنسجة، وروايات أضواء لم تثبت صلتها بالحيوانات.

يبقى السؤال المشروع: ماذا حدث لهذه الخيول خلال الأيام التي غاب فيها صاحبها ؟ والإجابة تبدأ بفحص الجثث وظروف نفوقها؛ أما السماء، فلا تصبح طرفاً في القضية لمجرد أننا لم نجد الإجابة على الأرض بعد.