ما زال الوعي واحداً من أكثر ألغاز الإنسان استعصاءً على العلم، فنحن نعرف أن الدماغ ضروري لظهور التجربة الواعية، لكننا لا نعرف حتى الآن كيف تتحول الإشارات الكهربائية والكيميائية داخل الدماغ إلى إحساس بالذات، وصور وأفكار ومشاعر وتجربة داخلية كاملة.
ومع ذلك، تقترب بعض التجارب الحديثة خطوة بعد أخرى من فهم ما يميز الدماغ عندما يكون الإنسان واعياً، وما الذي يتغير عندما يخفت هذا الوعي أو يتبدل.
وفي دراسة جديدة نُشرت في سبتمبر 2026، وجد باحثون من جامعة ميشيغان أن المواد المهلوسة وأدوية التخدير تنتج أنماطاً متعاكسة تقريباً في طريقة عمل شبكات الدماغ، وكأننا أمام صورتين في مرآة واحدة.
حالتان متعاكستان
قارن الباحثون نشاط الدماغ في حالات مختلفة: اليقظة العادية، النوم، التخدير، وحالات وعي متغيرة بفعل مواد مهلوسة مثل LSD والسيلوسيبين وهي المادة الفعالة في بعض أنواع الفطر المهلوس، إضافة إلى أكسيد النيتروز المعروف شعبياً باسم "غاز الضحك".
كما قارنوا هذه الحالات بدماغ أشخاص خضعوا للتخدير بواسطة البروبوفول، وهو دواء يستخدم بكثرة لإدخال المريض في حالة فقدان وعي أثناء العمليات الطبية.
واستخدم الفريق صوراً من نوع الرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI وهي تقنية لا تلتقط أفكار الإنسان نفسها، بل تتابع تغير تدفق الدم داخل الدماغ لمعرفة أي المناطق تعمل معاً في اللحظة نفسها.
ماذا حدث أثناء الهلوسة ؟
أظهرت النتائج أنه تحت تأثير المواد المهلوسة أصبحت مناطق الدماغ أكثر اتصالاً ببعضها.
بمعنى أبسط: الشبكات التي تعمل عادة بطريقة أكثر استقلالاً بدأت تتبادل المعلومات بدرجة أكبر، وأصبح نشاط الدماغ أكثر تنوعاً وتغيراً من لحظة إلى أخرى ، كما تحسن ما يسميه الباحثون تكامل الشبكات، أي سهولة انتقال المعلومات بين مناطق متباعدة من الدماغ.
وهذا ينسجم مع طبيعة التجربة المهلوسة نفسها، التي قد تتضمن صوراً وأحاسيس وأفكاراً غير معتادة، وشعوراً بأن الحدود بين الذات والعالم أصبحت أقل وضوحاً.
أما التخدير فعل العكس ، عندما نظر الباحثون إلى النوم والتخدير، وجدوا النمط المقابل تقريباً ، انخفض الاتصال بين الشبكات، وأصبحت مناطق الدماغ أقل قدرة على تبادل المعلومات فيما بينها، كما انخفض تنوع النشاط وتعقيده.
وبذلك ظهر تناقض لافت:
في الحالات المهلوسة يصبح الدماغ أكثر اتصالاً وديناميكية، بينما أثناء التخدير يصبح أكثر انعزالاً وأقل تعقيداً ، وهذا ما دفع الفريق إلى وصف الحالتين بأنهما تشبهان صورتين متعاكستين في المرآة.
هل وجد العلماء "مفتاح الوعي" ؟
ليس بهذه السرعة، الدراسة لا تقول إن زيادة الاتصال بين مناطق الدماغ تعني بالضرورة "وعياً أكثر" ولا أن انخفاض الاتصال يعني ببساطة اختفاء الوعي بالكامل ، فالوعي نفسه ليس شيئاً واحداً، قد يكون الإنسان مستيقظاً لكنه مشوش، أو نائماً ويحلم، أو تحت تأثير مادة تغير إدراكه للعالم ، لكن الباحثين يعتقدون أن ثلاثة عناصر قد تكون مهمة لفهم حالات الوعي المختلفة: مدى اتصال مناطق الدماغ ببعضها وسهولة انتقال المعلومات بينها ومدى تنوع النشاط العصبي ، إقرأ المزيد في حالات الوعي المغايرة ASC .
لماذا تهم هذه الدراسة ؟
القيمة الحقيقية للدراسة أنها لم تبحث عن "منطقة واحدة للوعي" داخل الدماغ بل تعاملت مع الوعي باعتباره نتيجة عمل شبكة واسعة من المناطق معاً.
وهذا قد يساعد مستقبلاً على فهم حالات يصعب تقييمها، مثل المرضى في الغيبوبة أو الحالات التي يكون فيها الشخص غير قادر على الحركة أو الكلام، مع احتمال بقاء جزء من الوعي لديه، كما قد يساعد في فهم سبب اختلاف التجربة الداخلية كثيراً بين النوم والتخدير والهلوسة واليقظة.
اللغز ما زال قائماً
مع كل ذلك، تبقى المشكلة الأكبر بلا حل، العلم يستطيع أن يرصد ما يحدث في الدماغ عندما يتغير الوعي، لكنه لا يزال عاجزاً عن الإجابة عن السؤال الأصعب:
لماذا يصاحب هذا النشاط الدماغي إحساس داخلي أصلاً ؟ ولماذا نشعر بأننا "نحن" بدلاً من أن يكون الدماغ مجرد آلة تعالج المعلومات بلا تجربة ذاتية ؟