في الأيام التي أعقبت الزلزالين العنيفين اللذين ضربا شمال فنزويلا في 24 يونيو 2026، انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تُظهر سماء كاراكاس وقد اكتست بلون أحمر قانٍ عند الغروب، وسرعان ما تحوّل المشهد وسط الصدمة التي خلفتها الكارثة إلى مادة خصبة لسلسلة من الادعاءات التي ربطت الظاهرة بـ «أسلحة سرية» و«أشعة ليزر» وتقنيات للتحكم بالمناخ، بل وبمشروع هارب HAARP الذي كثيراً ما يُستدعى في نظريات المؤامرة المرتبطة بالكوارث الطبيعية.
لكن البداية الأصح لفهم ما جرى ليست من السماء، بل من الأرض، فقد سجلت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS زلزالاً بلغت قوته 7.2 درجات قرب يوماري في شمال فنزويلا عند الساعة 22:04:33 بالتوقيت العالمي، أعقبه بعد 39 ثانية فقط زلزال أقوى بلغت قوته 7.5 درجات قرب مورون، على عمق ضحل نسبياً بلغ نحو 10 كيلومترات، أما مركز GFZ الألماني فقد قدّر الهزتين بقوتي 7.3 و7.4، موضحاً أن الفارق القصير بينهما يجعل الحدث أقرب إلى تمزق زلزالي مزدوج ومعقد على امتداد حدود الصفائح بين الصفيحة الكاريبية وصفيحة أمريكا الجنوبية.
ورغم أن مركز الهزات لم يكن داخل العاصمة نفسها، فإن كاراكاس ومناطق ساحلية قريبة مثل لا غوايرا شعرتا بالاهتزازات بقوة، وسُجلت أضرار واسعة وانهيارات في مبانٍ، بينما أعلنت السلطات حالة الطوارئ وبدأت عمليات بحث وإنقاذ وسط حصيلة بشرية كانت تتغير مع مرور الساعات والأيام ، ووفق تقرير مبكر للجزيرة تحدثت السلطات عن مئات القتلى وآلاف الجرحى، مع توقع ارتفاع الأرقام بسبب حجم الدمار وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة.
في هذا السياق النفسي المشحون، لم يكن غريباً أن يثير مشهد السماء الحمراء خوفاً واسعاً ، فالكوارث الكبرى تجعل الناس أكثر استعداداً لربط الأحداث المتزامنة ببعضها، خصوصاً عندما تظهر في المشهد ظاهرة بصرية غير مألوفة، غير أن التفسير العلمي لاحمرار السماء لا يحتاج إلى سلاح سري ولا إلى تدخل خارق بل يرتبط بظاهرة معروفة في البصريات الجوية هي تشتت الضوء Light Scattering.
عند الغروب، تكون الشمس قريبة من الأفق، فتقطع أشعتها مساراً أطول داخل الغلاف الجوي مقارنة بوقت الظهيرة. وخلال هذا المسار الطويل، تتشتت الأطوال الموجية القصيرة، مثل الأزرق والبنفسجي، بدرجة أكبر، بينما تبقى الأطوال الموجية الأطول، مثل الأحمر والبرتقالي، أكثر قدرة على الوصول إلى عين الراصد. ولهذا تبدو السماء عند الشروق أو الغروب أكثر ميلاً إلى الحمرة، وهي ظاهرة طبيعية معروفة في أنحاء العالم.
أما لماذا بدا اللون في فنزويلا أكثر حدة، فذلك يرتبط غالباً بتركيز الجسيمات الدقيقة في الجو، مثل الغبار، والرطوبة، والهباءات الجوية Aerosols، وربما سحب الغبار القادمة من الصحراء الكبرى التي تصل دورياً إلى منطقة الكاريبي وشمال أمريكا الجنوبية. هذه الجسيمات تزيد من تفاعل الضوء مع الغلاف الجوي، فتجعل درجات الأحمر والبرتقالي أكثر وضوحاً في وقت الغروب. وقد وصفت تقارير علمية وإخبارية هذه الظاهرة محلياً باسم «كانديلازو» Candilazo، وهو تعبير شائع في فنزويلا وبعض مناطق أمريكا الجنوبية للإشارة إلى الغروب الأحمر أو البرتقالي شديد اللمعان.
وهنا يجب التمييز بين التزامن والسببية. ظهور السماء الحمراء بعد أيام من الزلزال لا يعني أن الزلزال هو الذي صبغ السماء بهذا اللون. صحيح أن الدمار العمراني قد يضيف محلياً بعض الغبار إلى الهواء، لكن التفسير الأقوى للمشهد هو تفسير جوي بصري، لا زلزالي. كما أن ما يُعرف أحياناً باسم «أضواء الزلازل» هو ظاهرة نادرة ومختلفة في طبيعتها، إن حدثت، وتظهر عادة على هيئة ومضات أو توهجات عابرة، لا كغروب واسع يغمر السماء بلون أحمر متجانس.
أما ربط المشهد بمشروع هارب HAARP، فهو قفزة لا تستند إلى دليل. فهارب، واسمه العربي «برنامج الشفق القطبي النشط عالي التردد»، منشأة بحثية في ألاسكا لدراسة طبقة الأيونوسفير وسلوكها باستخدام موجات راديوية عالية التردد، وتشغله حالياً جامعة ألاسكا فيربانكس لأغراض البحث العلمي في الغلاف الجوي العلوي. وقد ارتبط اسمه شعبياً منذ سنوات بادعاءات عن التحكم بالطقس أو الزلازل أو العقول، لكن هذه الادعاءات تكرر ظهورها دون أدلة علمية موثوقة، كما أن منشأة لدراسة الأيونوسفير لا تمتلك القدرة الفيزيائية على تحريك صفائح تكتونية أو إنتاج زلزال بهذا الحجم.
وينطبق الأمر نفسه على المقاطع التي تحدثت عن «ليزر أحمر» أو «أجسام طائرة» فوق كاراكاس. فمجرد تداول مقطع في ظرف كارثي لا يجعله دليلاً. في مثل هذه الحالات يجب التحقق من مصدر الفيديو، ووقت تصويره، وموقعه، وسياقه الأصلي، وإمكانية تعديله أو توليده رقمياً. ومع اتساع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، باتت المشاهد المثيرة تحتاج إلى تدقيق مضاعف قبل تحويلها إلى رواية عن سلاح سري أو مؤامرة عالمية.
ما حدث في فنزويلا كان كارثة جيولوجية حقيقية ومؤلمة: زلزالان قويان متتاليان، أضرار واسعة، وخوف جماعي مفهوم. وما ظهر في السماء كان على الأرجح ظاهرة بصرية طبيعية زاد من وقعها توقيتها الدرامي بعد الكارثة. لكن الجمع بين الحدثين في قصة واحدة عن «سلاح خفي» لا يضيف فهماً، بل يصنع ضباباً فوق ضباب.
قد يكشف العلم مستقبلاً ظواهر جديدة لم نفهمها بعد، وهذا جوهر البحث العلمي القائم على السؤال والتجربة. لكن المنهج العلمي يفرض التمييز بين الفرضية المدعومة بالدليل، والادعاء الذي يولد من الخوف، أو من مقطع مبتور، أو من رغبة قديمة في تفسير الكارثة بمؤامرة. وفي زمن تنتشر فيه الصور أسرع من الحقائق، يصبح التحقق العلمي ضرورة لا ترفاً، حتى لا تتحول السماء الحمراء إلى مرآة لأوهامنا أكثر مما هي مشهد من مشاهد الطبيعة.