في قرية هادئة شمال شرقي تايلاند، يتحول اختفاء طفل إلى بداية سلسلة من الأحداث المرعبة، ومع تصاعد الشكوك والخوف، تعود إلى الواجهة أسطورة قديمة عن كائن غامض يتخفى بين البشر، ويخرج ليلاً بحثاً عن فرائسه، لكن هذه المرة، لا تتجه أصابع الاتهام إلى شبح مجهول، بل إلى رجل مسن يعاني من تدهور ذاكرته، ولم يعد قادراً حتى على الدفاع عن نفسه.
بهذه الفكرة يقدم مسلسل "الوهم" Delusion الذي عرضته نتفليكس في 24 سبتمبر 2026، حكاية تشويقية تمزج بين الجريمة والرعب النفسي والمعتقدات الماورائية، وتضع المشاهد أمام سؤال محير: هل يمكن أن تخفي الأسطورة حقيقة مرعبة، أم أنها مجرد وسيلة يلجأ إليها الناس عندما يعجزون عن فهم ما يحدث حولهم؟
لغز اختفاء يعيد الماضي إلى الحياة
تدور الأحداث في منطقة تشيانغ خان بمحافظة لوي التايلاندية، حيث يثير اختفاء طفل مخاوف السكان، ويعيد فتح ذكريات أحداث غامضة وقعت قبل أكثر من عشر سنوات.
ومع البحث عن الطفل، تنتشر الشائعات حول عودة كائن معروف في الفلكلور المحلي باسم "في فونغ" Phi Phong، وهو مخلوق يُعتقد أنه يتخفى في هيئة إنسان طبيعي، لكنه يظهر بطبيعته الماورائية مع حلول الظلام.
تتركز الشبهات سريعاً حول "نارونغ" وهو رجل مسن يعاني من الخرف، بعد أن بدأت تصرفاته غير المعتادة وفجوات ذاكرته تثير الريبة بين سكان القرية، ويزداد الموقف تعقيداً حين يصبح عاجزاً عن تفسير بعض تحركاته، أو تذكر ما فعله في أوقات معينة.
ترفض ابنته "وان" التي تعمل معلمة، الاتهامات الموجهة إلى والدها، وتصر على أن مرضه لا يعني أنه قاتل أو كائن شرير، لكنها سرعان ما تجد نفسها أمام ألغاز تتجاوز حالته الصحية، وتبدأ ثقتها بالأشخاص المقربين منها بالتزعزع.
في الوقت نفسه، يتولى المحقق "بيت" الذي انتقل من بانكوك إلى المنطقة، متابعة القضية، مستنداً إلى الأدلة الجنائية بدلاً من الشائعات والمعتقدات الشعبية، وبين إصراره على الوصول إلى تفسير منطقي وتمسك بعض السكان بالأسطورة، تتشابك خيوط الماضي مع الحاضر، وتتزايد الشكوك حول حقيقة ما جرى.
هل يمكن أن يصبح المريض متهماً لأنه فقد ذاكرته ؟
لا يعتمد المسلسل على ظهور الأشباح أو الكائنات المرعبة وحدها، بل يجد مادته الأساسية في هشاشة الذاكرة الإنسانية، ومدى تأثيرها في إدراك الشخص لذاته وفي علاقته بالآخرين.
فالخرف ليس مجرد نسيان بعض الأسماء أو الوقائع، وإنما مجموعة من الأعراض التي قد تؤثر في الذاكرة والإدراك والسلوك والقدرة على التعرف إلى الأشخاص والأماكن، وتختلف شدتها وطبيعتها بحسب المرض المسبب لها ومرحلته.
ومن هنا تنشأ المعضلة التي يطرحها العمل: ماذا لو اتُّهم شخص بجريمة لا يستطيع تذكر ظروفها ؟ وكيف يمكن لأسرته أن تدافع عنه عندما تصبح شهادته عن نفسه غير موثوقة، وتتحول تصرفاته المضطربة إلى قرائن ضده ؟
يضيف المسلسل إلى هذه المعضلة بيئة اجتماعية تتوارث حكايات المس والأرواح، حيث يصبح تفسير السلوك غير المعتاد بوجود قوة خفية أمراً مألوفاً لدى بعض السكان، وهكذا يتحول المرض إلى مصدر للريبة، والخوف إلى وسيلة لإدانة شخص قبل إثبات مسؤوليته.
وتكمن قوة الفكرة في أن الرعب لا ينشأ بالضرورة من وجود كائن خارق، بل من احتمال أن يفقد الإنسان هويته في نظر الآخرين، وأن يصبح غريباً حتى عن أقرب الناس إليه.
حادثة واقعية ألهمت صناع المسلسل
على الرغم من أن حبكة المسلسل خيالية، فإن إحدى أفكاره الرئيسية جاءت من تجربة واقعية مؤلمة عاشتها أسرة أحد منتجيه ، ففي مقابلة نشرتها مجلة "a day" التايلاندية في 24 سبتمبر 2026 أوضح المخرج تشايان لاويودتراكول Chayan Laoyodtrakool أن والد أحد المنتجين كان مصاباً بالخرف في مرحلة متقدمة، حتى إنه فقد القدرة على التعرف إلى بعض أفراد أسرته.
وفي إحدى المرات، اعتقد الأب أن أشخاصاً داخل المنزل لصوص يحاولون اقتحامه، فحاول مهاجمتهم بسكين، وبعد ذلك عثرت الأسرة على ما بين عشرين وثلاثين سكيناً قديماً كان يحتفظ بها في أماكن مختلفة من المنزل، دون أن تتمكن من معرفة سبب جمعه لها، بعدما تدهورت ذاكرته إلى درجة لم تعد تسمح له بتقديم تفسير.
أثارت الحادثة لدى صناع العمل تساؤلاً عن الأسرار التي قد تختفي إلى الأبد عندما يفقد الإنسان ذاكرته، وعن قدرة المرض على تغيير الصورة التي نحملها عن الأشخاص الذين نعتقد أننا نعرفهم جيداً.
ومن هذه الفكرة تطورت قصة المسلسل، لتربط اضطراب الذاكرة بالاتهامات والمعتقدات الشعبية، لكن ذلك لا يعني أن الجرائم أو حالات الاختفاء التي يعرضها المسلسل وقعت في الحقيقة، وإنما أن العمل استلهم جانباً نفسياً وإنسانياً من تجربة حقيقية.
في فونغ: الكائن الذي لا يبدو مخيفاً في وضح النهار
اختار صناع "الوهم" استحضار أحد الكائنات الغامضة في الموروث الشعبي التايلاندي، وهو "في فونغ" Phi Phong المعروف باللغة التايلاندية باسم ผีโพง.
يرتبط هذا الكائن خصوصاً بتقاليد إقليم لانّا Lanna في شمال تايلاند، وله حضور أيضاً في الحكايات المتداولة في مناطق أخرى، ومنها الشمال الشرقي الذي استمد منه المسلسل أجواءه.
وخلافاً للصورة المعتادة للأشباح بوصفها أرواح أشخاص ماتوا، تصف بعض الروايات "في فونغ" بأنه إنسان حي تسكنه قوة غامضة، فيمارس حياته بصورة طبيعية خلال النهار، ثم يخرج ليلاً إلى الحقول والمستنقعات بحثاً عن غذاء غريب.
وأبرز ما يميزه في الحكايات الشعبية ضوء متوهج ينبعث من أنفه، ويبدو من مسافة بعيدة ككرة مضيئة تتحرك بين حقول الأرز، وتذكر الروايات أنه يقتات على المادة اللزجة التي تغطي أجساد الضفادع والعلاجيم، وأنه يحاول إخفاء هويته عن الناس، وقد يلجأ إلى الانتقام إذا كشف أحدهم سره.
وتختلف الحكايات في تفسير نشأته؛ فبعضها يربطه بوراثة قوة غامضة، وبعضها بممارسة السحر، بينما تنسبه روايات أخرى إلى عقوبة ناجمة عن أفعال ارتكبت في حياة سابقة.
ولا يوجد دليل علمي يثبت وجود هذا الكائن، لكن أسطورته ظلت جزءاً من التراث الشفهي التايلاندي، وقدمت مادة خصبة لحكايات الخوف والظواهر الغامضة.
واللافت أن الأسطورة لا تجعل من "في فونغ" وحشاً يمكن التعرف إليه بسهولة، بل تصوره كائناً يحتفظ بهيئته البشرية، وهذه السمة تمنحه قدرة خاصة على إثارة الشكوك، إذ يصبح أي شخص غريب الأطوار أو يتصرف بصورة غير مألوفة عرضة لأن تنسب إليه صفات الكائن.
وقد وجد صناع المسلسل في هذه الفكرة مدخلاً مناسباً للربط بين الموروث الشعبي ومرض الخرف، حيث يصبح الاختلاف السلوكي الذي يمكن تفسيره طبياً سبباً للريبة والاتهام في مجتمع يخشى الأرواح واللعنات.
ولمن يرغب في التعرف إلى الجذور التاريخية والفلكلورية لهذا الاعتقاد، يمكن الرجوع إلى حكايات "في فونغ" في تراث لانّا، بما فيها الروايات المتعلقة بانتقال اللعنة، والنباتات السحرية، والأضواء الغامضة التي يُزعم ظهورها فوق حقول الأرز.
بين الحقيقة والخرافة
اختيار "في فونغ" ليس مجرد وسيلة لإضافة عنصر رعب تقليدي إلى القصة، بل يضع المشاهد أمام صراعين متداخلين: الأول بين المعتقدات الموروثة والتحقيق القائم على الأدلة، والثاني بين الحقيقة التي يستطيع الإنسان تذكرها وتلك التي قد تفلت من ذاكرته إلى الأبد.
وقد أوضح المخرج أن هدفه لم يكن صناعة مسلسل أشباح تقليدي، وإنما عمل يمزج الغموض والتحقيق الجنائي بالدراما العائلية، ويركز على الارتياب والشك أكثر من اعتماده على مشاهد الرعب المفاجئة.
ومن الناحية النفسية، يستثمر المسلسل قدرة الخوف على تغيير أحكام الناس، فحين تتكرر الأحداث الغامضة داخل مجتمع يؤمن بوجود كائن شرير، قد تبدأ الشائعات باكتساب صفة الحقيقة، ويصبح من السهل إعادة تفسير تصرفات الأشخاص وأقوالهم بما يتفق مع الاعتقاد السائد.
ويمكن قراءة ذلك في ضوء ما يعرف بالانحياز التأكيدي، أي ميل الإنسان إلى البحث عن المعلومات التي تدعم اعتقاداته السابقة، وإعطاء وزن أكبر لما يؤكدها، مع التقليل من أهمية الأدلة التي تناقضها.
لكن العمل يطرح أيضاً جانباً إنسانياً لا يقل أهمية، يتعلق بالعلاقة بين الذاكرة والهوية والثقة، فالإنسان لا يعرف الآخرين من خلال مظهرهم فحسب، بل من خلال تاريخ مشترك من الذكريات والتجارب، وحين يبدأ ذلك التاريخ بالتلاشي لدى أحد أفراد الأسرة، تصبح العلاقات نفسها معرضة للاهتزاز.
وهنا يكتسب الرعب في "الوهم" بعداً يتجاوز الخوف من الأشباح؛ إذ لا يعود مصدر التهديد واضحاً، ولا يصبح من السهل التمييز بين الحقيقة والاعتقاد، أو بين ما وقع فعلاً وما أعادت الذاكرة والخرافة تشكيله.
وهذا ما يجعل مسلسل "الوهم" تجربة تتجاوز حكاية اختفاء وتحقيق جنائي؛ إذ يتحول السؤال من البحث عما إذا كان "في فونغ" موجوداً بالفعل إلى سؤال أعمق:
هل الوحش هو الكائن الذي نخافه، أم الصورة التي نصنعها في عقولنا عن الآخرين ؟