بعض وحوش الرعب ولدت في حكايات شعبية عمرها مئات السنين، وانتقلت من جيل إلى آخر قبل أن تصل إلى السينما، أما The Rake  فسلك الطريق المعاكس تقريباً؛ ولد في فضاء الإنترنت، وتشكلت ملامحه بين مستخدمين مجهولين، ثم أخذت قصته تنتشر حتى أصبح بالنسبة إلى كثيرين أشبه بـ"أسطورة حضرية" لها مشاهدات وشهادات مزعومة، وفي عام 2018 وصل هذا الكائن إلى السينما في فيلم حمل اسمه ببساطة: The Rake.

لكن الفيلم لم يحاول تقديم نسخة حرفية من القصص المتداولة عن الكائن، بل أخذ صورته العامة وبنى حوله حكاية جديدة.

جريمة بدأت قبل عشرين عاماً

تبدأ القصة عندما كان آشلي وبن طفلين، في ليلة تتحول فجأة إلى كابوس ، يشهد الشقيقان مقتل والديهما بطريقة وحشية على يد رجل كان من مرضى والدهما الطبيب النفسي،  لكن القضية لا تنتهي بالنسبة إلى آشلي عند فكرة قاتل مضطرب دخل المنزل وارتكب جريمة، فهي تعتقد أن شيئاً آخر كان موجوداً تلك الليلة ، شيئاً ليس بشرياً.

تمر نحو عشرين سنة، يتمكن بن من بناء حياة تبدو طبيعية نسبياً، بينما تقضي آشلي سنوات طويلة وهي تعاني آثار التجربة وتخضع للرعاية النفسية، وعندما يجتمع الشقيقان مجدداً خلال مناسبة عائلية، تعود الذكريات القديمة، وتبدأ آشلي بالشعور بأن الكابوس الذي بدأ في طفولتها لم ينتهِ بالفعل.

تظهر رؤى غريبة، ويتزايد شعورها بوجود شيء يراقبهم، بينما يبقى السؤال معلقاً أمام المشاهد :

هل ما تراه آشلي أثر متأخر لصدمة طفولية عنيفة، أم أن الكائن الذي تتحدث عنه موجود فعلاً ؟

وهنا يبني الفيلم الجزء الأكبر من توتره.

هل الوحش في الخارج أم في الداخل ؟

لا يعتمد فيلم The Rake فقط على فكرة مخلوق يختبئ في الظلام ويهاجم ضحاياه، بل يضيف إليها عنصراً مختلفاً: احتمال أن يكون تأثير الكائن أشبه بشيء ينتقل إلى الإنسان أو يستقر داخله.

حتى الملخص الرسمي للفيلم يتعمد صياغة السؤال بهذه الطريقة: هل آشلي مصابة بصدمة نفسية، أم أن شيئاً حقيقياً قد استيقظ بداخلها ؟

هذه الإضافة تبعد الفيلم قليلاً عن صورة المسخ الزاحف ـRake المعروفة على الإنترنت حيث يظهر عادة باعتباره مخلوقاً شاحباً هزيلاً يتحرك على أربع ويتسلل ليلاً إلى غرف البشر.

الفيلم يحاول بدلاً من ذلك الجمع بين رعب المخلوقات Creature Feature والرعب النفسي، بحيث يصبح من الصعب في مراحل من القصة تحديد أين تنتهي الصدمة وأين يبدأ الخارق للطبيعة.

وحش صنعه الإنترنت

تبقى المفارقة الأكثر إثارة في The Rake خارج الفيلم نفسه، فمن يشاهد العمل من دون معرفة خلفية الاسم قد يظن أنه أمام كائن من الفلكلور الأمريكي أو أسطورة قديمة تطورت عبر أجيال ، لكن التحقيق في جذور الحكاية يكشف قصة مختلفة.

فالمسخ الزاحف Rake كما نعرفه اليوم ينتمي أساساً إلى ثقافة الرعب على الإنترنت، وترتبط بدايات تكوينه التشاركي بنقاشات ظهرت على لوحة **/b/** في موقع 4chan عام 2005، قبل أن تتراكم حوله لاحقاً حكايات ووثائق مزعومة أعطته مظهراً تاريخياً أقدم بكثير من عمره الحقيقي.

وهنا تحديداً تصبح مشاهدة فيلم The Rake أكثر إثارة.

لأننا لا نشاهد فقط فيلماً عن وحش خيالي، بل مرحلة أخرى من تطور أسطورة حديثة: فكرة ظهرت بين مستخدمين مجهولين على الإنترنت، ثم اكتسبت اسماً وصورة وقصصاً، وبعد سنوات أصبح لها ممثل يرتدي هيئة الوحش أمام كاميرا سينمائية.

أما قصة نشأة هذا الكائن، والشهادات التي نسبت إليه، والصور والمقاطع التي ساهمت في تحويله من  كريبي باستا Creepypasta إلى ما يشبه الأسطورة الحضرية، فقد تناولناها بالتفصيل في تحقيق مستقل حمل عنوان حقيقة المسخ الزاحف THE RAKE.

اللافت أن مشروع الفيلم نفسه بدأ بالطريقة التي يمكن توقعها من وحش ولد على الإنترنت، بحسب شركة الإنتاج، كان المخرج توني واش وفنان المؤثرات جيسون كاين  Jason Kain يتحدثان في أكتوبر 2014 عن مشروع آخر تعثر، عندما طرح كاين ببساطة فكرة صنع فيلم عن The Rake، ثم عرض على واش ملخصاً عن الكائن مأخوذاً من عالم الكريبي باستا.

أعجبت الفكرة واش، خصوصاً أنه من محبي أفلام المخلوقات، واستعان بجيريمي سيلفا للمشاركة في كتابة السيناريو، وأصبح لديهما نص قابل للتصوير خلال أقل من ثلاثة أشهر. بدأ التصوير في ربيع 2015 قبل أن يصل الفيلم إلى الجمهور عام 2018.

وهذا يجعل الفيلم واحداً من الأمثلة الواضحة على انتقال أساطير الإنترنت إلى صناعة الرعب نفسها.

فالحكاية لم تبدأ بقرية نائية أو مخطوطة قديمة، وإنما على شاشة حاسوب، ثم انتقلت إلى القصص والصور ومقاطع الفيديو، ومنها إلى السينما.

لكنه ليس الـRake الذي تعرفه تماماً

من يشاهد الفيلم بعد قراءة القصص الأصلية عن The Rake سيلاحظ سريعاً مقدار الحرية التي أخذها صناع العمل، النسخة الأشهر من الحكاية تصفه كائناً شاحب البشرة، نحيل الجسد، ذا أطراف طويلة، يتحرك بطريقة تجمع بين الإنسان والحيوان، ويظهر غالباً ليلاً بجوار الأسرة أو في الأماكن المعزولة ، أما الفيلم فيستخدم هذه الصورة نقطة انطلاق فقط.

فبدلاً من إعادة بناء "الوثائق" والشهادات المزعومة التي اشتهرت بها قصة الإنترنت، اختار تقديم دراما عائلية تتحدث عن طفولة محطمة وذكريات مكبوتة وخوف ينتقل عبر السنين.

وبذلك يتحول السؤال من:

هل يوجد مخلوق اسمه The Rake ؟

إلى سؤال أكثر ارتباطاً بشخصيات الفيلم :

ماذا لو كان الوحش الذي رأيته في طفولتك لم يرحل أبداً ؟