هناك جرائم تنتهي بإغلاق ملفاتها، وأخرى ترفض أن تموت حتى بعد مرور أكثر من قرن، وقضية ليزي بوردن من النوع الثاني؛ فقد تجاوز اسم المرأة الأمريكية التي اتُّهمت بقتل والدها وزوجة أبيها سجلات المحاكم، وأصبح جزءاً من الثقافة الشعبية وفولكلور الرعب الأمريكي.
وفي فيلم The Lizzie Borden Game يصل هذا التحول إلى مرحلة جديدة: ليزي لم تعد مجرد متهمة في جريمة تاريخية غامضة، بل شبحاً يمكن استدعاؤه عبر لعبة.
لعبة لا ينبغي أن تُلعب
تدور الحكاية حول إيميلي، شابة ما تزال تعاني آثار الموت الغامض لوالديها، تحاول صديقتها شيلبي إخراجها من عزلتها فتدعوها إلى الانضمام لمجموعة من الأصدقاء في رحلة إلى مكان منعزل تحيط به الغابات.
هناك يعثرون على لعبة غريبة تحمل اسم "لعبة ليزي بوردن" The Lizzie Borden Game، فكرتها مألوفة لعشاق الأساطير الحضرية: مرآة، كلمات تُردد، وروح يُفترض أنها ستظهر لمن يجرؤ على استدعائها.
لكن الاسم هذه المرة ليس شخصية خيالية، بل امرأة حقيقية ارتبطت بواحدة من أشهر جرائم القتل الأمريكية، وما يبدأ كلعبة سرعان ما يتحول إلى كابوس، بعدما يبدو أن المجموعة نجحت في استدعاء شبح ليزي بوردن لتبدأ مطاردة دموية يكون فيها الفأس حاضراً بقوة.
القصة الحقيقية وراء الفيلم
في 4 أغسطس 1892 تم العثور على رجل الأعمال أندرو بوردن وزوجته آبي مقتولين بضربات عنيفة داخل منزلهما في فال ريفر بولاية ماساتشوستس، واتجهت الشبهات إلى ابنته ليزي بوردن التي حوكمت قبل أن تبرئها هيئة المحلفين عام 1893، بينما بقيت هوية القاتل موضع جدل حتى اليوم.
أما المنزل الذي شهد الجريمة، فأصبح لاحقاً مقصداً للمهتمين بتاريخ الجريمة والظواهر الخارقة، وتدور حوله روايات عن أصوات وخطوات وتجارب غريبة.
من قافية أطفال إلى لعبة استحضار
لا يخترع الفيلم أسطورة ليزي من الصفر، بل يبني على شيء موجود بالفعل في الثقافة الشعبية الأمريكية، فبعد الجريمة والمحاكمة انتشرت قافية أطفال شهيرة تصف ليزي وهي تستخدم الفأس لقتل أفراد أسرتها، رغم أن كلماتها ليست دقيقة تاريخياً وأن المحكمة برأتها.
وهنا يجد الفيلم مدخله، فهو يحول تلك القافية من شيء يردده الأطفال إلى جزء من لعبة استحضار أمام المرآة، على غرار أسطورة ماري الدموية Bloody Mary حيث يتم ترديد الاسم أو الكلمات في ظروف معينة انتظاراً لظهور كيان مخيف.
بهذه الحيلة تصبح ليزي بوردن نفسها أقرب إلى شخصية من الأساطير الحضرية: تقف أمام المرآة، تنطق الكلمات، ثم تنتظر لترى إن كانت ستجيب.
واللافت أن المرآة ارتبطت طويلاً في المعتقدات والفولكلور بالعرافة والأرواح والحدود بين العالم المرئي والمجهول، ولهذا أصبحت عنصراً متكرراً في ألعاب الاستحضار وقصص الرعب ، إقرأ المزيد في المرآة : تاريخ وأساطير ومعتقدات.
ليزي السينما ليست ليزي التاريخ
هذه النقطة مهمة لفهم فيلم The Lizzie Borden Game ليس إعادة بناء للجريمة ولا فيلمًا تاريخياً عن القضية، وإنما يستخدم الصورة الأسطورية التي تشكلت حول ليزي عبر أكثر من قرن.
ليزي الحقيقية بُرئت أمام القضاء، لكن الثقافة الشعبية لم تتعامل معها بالطريقة نفسها. فقد أصبحت تدريجياً "قاتلة الفأس" في الأغاني والكتب والمسرح والسينما، حتى طغت الشخصية المتخيلة على المرأة الحقيقية.
الفيلم يستثمر هذه الصورة بالكامل: ليزي قاتلة، والفأس علامتها، ثم تعود من الموت لتطارد من يستدعيها. وهكذا تصبح الحقيقة القضائية أقل حضورًا من الأسطورة التي صنعها الناس.
رعب خارق بطابع "سلاشر"
لا يحاول الفيلم تقديم تحقيق جديد في القضية، بل ينتمي أساساً إلى الرعب الخارق الممزوج بأفلام الـ المطاردة والقتل المتسلسل أي سلاشر Slasher، فبعد لعبة الاستحضار يتحول المكان المعزول إلى مسرح للمطاردة والقتل.
وتباين استقبال الفيلم؛ إذ انتقدت بعض المراجعات محدودية ميزانيته وسيناريوه، بينما وجدت أخرى أن أجواءه القاتمة وجرائمه الدموية قد تجذب جمهور الرعب المستقل، لكن قيمة الفيلم بالنسبة إلى قصة ليزي بوردن لا تكمن بالضرورة في مستواه السينمائي بقدر ما تكمن في المرحلة التي وصلت إليها أسطورتها.
حين تبتلع الأسطورة الحقيقة
وهنا تكمن المفارقة الأجمل في فيلم The Lizzie Borden Game، ماتت ليزي بوردن عام 1927 من دون أن تثبت إدانتها بالجريمة، لكن الشخصية التي بقيت بعدها كانت مختلفة تماماً.
بدأ الأمر بجثتين داخل منزل في ماساتشوستس سنة 1892، ثم جاءت المحاكمة، فقافية الأطفال، فالكتب والأفلام والقصص، إلى أن أصبحت ليزي بعد أكثر من 130 عاماً شبحًا سينمائيًا يُستدعى أمام المرآة.
ولعل هذا هو الجانب الأكثر إثارة بالنسبة إلى قارئ ما وراء الطبيعة، فالسؤال ليس إن كان بالإمكان حقاً استدعاء شبح ليزي بوردن؛ فهذا جزء من خيال الفيلم، الأهم هو كيف استطاعت جريمة حقيقية غامضة أن تنفصل تدريجياً عن التاريخ وتتحول إلى فولكلور معاصر.
فالذي يعود من الموت في فيلم The Lizzie Borden Game ليس بالضرورة ليزي بوردن الحقيقية، بل الشبح الذي صنعته الحكايات عنها طوال أكثر من قرن.