ماذا لو استطاع العلم أن يقسم وعيك إلى شخصين لا يعرف أحدهما شيئاً عن الآخر ؟ أحدهما يعيش حياتك الطبيعية، والآخر لا يعرف سوى مكان عمله وكأنهما شخصان مختلفان يسكنان الجسد نفسه.
هذه هي الفكرة الجريئة التي يقدمها مسلسل Severance أي "الإنشطار" الذي يعد من الإنتاج الاصلي لمنصة أبل تي في والذي جرى أنتاج موسمين منه حتى الآن ويتم التحضير للموسم الثالث المزمع عرضه في عام 2027 ، تروي قصة المسلسل أن شركة غامضة تُدعى Lumon Industries تقوم بتطوير تقنية مبنية على زرع شريحة إلكترونية داخل الدماغ، تعزل الذكريات إلى عالمين منفصلين، فعند دخول الموظف إلى مقر الشركة تنشط شخصية جديدة تُعرف باسم إيني Innie، لا تتذكر شيئاً عن حياتها خارج العمل، وما إن يغادر المبنى حتى تختفي هذه الشخصية ويستعيد آوتي Outie وعيه الطبيعي، من دون أن يتذكر دقيقة واحدة مما حدث أثناء الدوام ، ويتم الانتقال بين الشخصيتين تلقائياً عند عبور نقطة محددة داخل مبنى الشركة فيتحول الموظف في لحظة من شخص إلى آخر، بينما يبقى الجسد واحداً.
تروج الشركة لهذه التقنية باعتبارها حلاً مثالياً لتحقيق التوازن بين العمل والحياة، فلا يحمل الموظف هموم منزله إلى المكتب ولا يعود إلى أسرته مثقلاً بضغوط العمل، لكن المسلسل لا يلبث أن يكشف أن الأمر يتجاوز تحسين الإنتاجية ليطرح أسئلة مقلقة عن السيطرة على الإنسان، وحدود الحرية، وإمكانية إعادة تشكيل الهوية نفسها.
ورغم أن فكرة Severance تنتمي إلى الخيال العلمي فإنها تستند إلى قضايا حقيقية ناقشها الطب وعلم الأعصاب، ففي اضطراب الهوية التفارقي قد تظهر لدى الشخص هويات متعددة تتبادل السيطرة على السلوك وإن كانت لا تنفصل بهذه الدقة، كما أن بعض مرضى Split-Brain الذين خضعوا لعمليات فصل الجسم الثفني وهو الجسر الرابط بين نصفي الكرة المخية أظهروا سلوكيات دفعت العلماء إلى التساؤل عما إذا كان الدماغ يستطيع أحياناً معالجة المعلومات عبر نظامين شبه مستقلين، إلا أن هذه الحالات لا تنتج شخصيتين منفصلتين كما يصور المسلسل، بل تكشف فقط أن الوعي البشري أكثر تعقيداً مما يبدو.
لكن السؤال الأكثر إثارة ليس طبياً، بل فلسفياً.
إذا كانت هناك شخصيتان تتقاسمان الجسد نفسه فمن هو الإنسان الحقيقي ؟ هل تصنع الذكريات هويتنا ؟ أم أن الجسد وحده هو صاحب الشخصية ؟ وإذا ارتكب الـ إيني Innie جريمة، أو وقع في الحب، أو عاش سنوات من المعاناة داخل الشركة، فهل يملك آوتي Outie الحق في اتخاذ القرارات نيابة عنه، رغم أنه لا يعرف شيئاً عن تلك الحياة ؟
بهذا المعنى، يتحول Severance من مسلسل عن المستقبل إلى تجربة فكرية تعيد طرح سؤال قديم: ما الذي يجعل الإنسان هو نفسه ؟
واللافت أن الفكرة تكتسب بعداً جديداً مع تطور الذكاء الاصطناعي، فاليوم أصبحت الأنظمة الذكية تعتمد على "وكلاء" مستقلين، لكل منهم ذاكرة وصلاحيات ومهام مختلفة بينما يعملون جميعاً داخل منظومة واحدة، صحيح أن هذه الوكلاء لا تمتلك وعياً كالإنسان لكنها تعكس اتجاهاً متزايداً نحو تقسيم المعرفة والوظائف بين كيانات مستقلة، وهو ما يجعل فكرة Severance تبدو أقل خيالاً مما كانت عليه قبل سنوات.
وربما لن يستطيع العلم قريباً تقسيم الوعي البشري إلى شخصيتين منفصلتين لكن المسلسل ينجح في جعلنا نتساءل عن شيء أكثر أهمية من التقنية نفسها، فإذا أصبح بالإمكان يوماً فصل الذكريات أو نسخها أو توزيعها بين هويات متعددة فهل سنظل الشخص نفسه... أم أننا سنخلق أشخاصاً جدداً يعيشون داخلنا من دون أن نعرفهم ؟