هناك لحظة مرعبة يعرفها كثير ممن اختبروا شلل النوم: تستيقظ، تدرك أنك في غرفتك، ترى ما حولك، لكن جسدك يرفض الحركة، تحاول الصراخ فلا يخرج صوت، وقد تشعر بأن أحداً يقف بالقرب من السرير، أو أن ظلاً يراقبك من زاوية الغرفة.
العلم يملك تفسيراً لهذه الحالة، لكن الثقافات البشرية عرفت التجربة قبل ظهور طب النوم بقرون طويلة، ومنحت ذلك "الزائر" أسماء كثيرة: ساحرة تجثم فوق الصدر، روح شريرة، جني، شيطان ليلي، أو رجل أسود بلا ملامح.
من هذه المنطقة الواقعة بين النوم والفولكلور والرعب جاء فيلم The Last Rite عام 2021 الذي لا يكتفي بتحويل شلل النوم إلى تجربة مخيفة، بل يطرح سؤالاً أكثر ظلمة: ماذا لو لم يكن ما يظهر أثناء الجاثوم مجرد هلوسة عابرة ؟
قصة الفيلم
تدور الأحداث حول لوسي، طالبة طب تعيش مع صديقها وتعمل على دراستها من المنزل، تبدأ معاناتها بنوبات من شلل النوم، تستيقظ خلالها عاجزة عن الحركة، بينما تشعر بوجود غريب بالقرب منها ، ثم يظهر رجل غامض يرتدي قبعة، مجرد هيئة سوداء تكاد تخلو من الملامح.
في البداية تبدو المسألة وكأنها اضطراب نوم، خصوصاً أن لوسي نفسها تنتمي إلى بيئة يفترض أن تبحث عن تفسير طبي لما يحدث، لكن التجربة تبدأ بالتجاوز التدريجي لحدود غرفة النوم؛ فالظواهر التي كانت تحدث بين اليقظة والحلم تقتحم حياتها وهي مستيقظة، ويتحول السؤال من: "هل تتخيل لوسي ما يحدث ؟" إلى احتمال أكثر رعباً يتعلق بوجود كيان يريد الاستيلاء عليها.
ومع تدهور حالتها تلجأ إلى الكاهن الأب روبرتس، الذي لا يتعامل معها منذ البداية باعتبارها حالة مسّ، بل يتردد في قبول هذا التفسير، وحين تتصاعد الأحداث يجد نفسه أمام خيار صعب بين اتباع إجراءات الكنيسة أو التدخل بنفسه لإجراء طقس لطرد الأرواح.
هذه هي النقطة التي ينتقل عندها الفيلم من رعب شلل النوم إلى سينما المسّ وطرد الشياطين، من دون الحاجة إلى كشف ما يحدث بعد ذلك.
مبني على أحداث حقيقية
يتك التسويق للفيلم أحياناً بعبارة "مبني على أحداث حقيقية" Based on True Events، ما قد يوحي بأنه مقتبس من ملف شهير لحالة مسّ حقيقية، إلا أن الأمر ليس بهذه الصورة.
الفيلم ليس إعادة تمثيل لقضية موثقة بعينها بل استوحى المخرج والكاتب البريطاني "ليروي كينكيد" Leroy Kincaide جانباً مهماً منه من تجاربه الشخصية.
يقول كينكيد إنه عانى في طفولته ومراهقته من الرعب الليلي وشلل النوم حتى اقترابه من سن العشرين وكانت ترافق بعض تجاربه ذكريات عن أشكال أو ظلال غامضة، وفي إحدى المرات، بعد مشاهدته في سن الثامنة عشرة فيلماً وثائقياً عن شلل النوم، عادت إليه بصورة مفاجئة ذكريات قديمة مرتبطة بهذه النوبات، حتى إنه توجه إلى كنيسة باحثاً عن شخص يساعده على فهم ما حدث له، لكنه لم يجد إجابات مرضية.
وكان كينكيد أيضاً مهتماً بالتحقيق في الظواهر الخارقة وقال إنه بحث خلال إعداد الفيلم في روايات أصحاب الظل Shadow People وظاهرة الرجل الذي يرتدي قبعة فيدورا Hat Man إضافة إلى المعتقدات المرتبطة بالمس وطقوس طرد الأرواح، لذلك فإن الأدق وصف الفيلم بأنه مستوحى من تجارب شخصية وروايات ماورائية حقيقية، ثم أعيد تركيبها داخل قصة خيالية.
وهنا تحديداً يصبح الفيلم أكثر إثارة للاهتمام من قصة طرد أرواح تقليدية.
الرجل ذو القبعة
أكثر عناصر الفيلم التصاقاً بالفولكلور المعاصر هو ذلك الرجل الأسود الطويل الذي يظهر للوسي مرتدياً قبعة ، هذه الشخصية ليست اختراعاً خالصاً للفيلم ، فمنذ سنوات تنتشر على الإنترنت شهادات لأشخاص يصفون رؤية هيئة سوداء بشرية أثناء شلل النوم، ويظهر في بعض الروايات رجل طويل بلا ملامح يرتدي معطفاً وقبعة عريضة، حتى أصبح يعرف باسم: The Hat Man الرجل ذو القبعة.
كينكيد نفسه قال إن الفكرة بدأت بصورة ظلت عالقة في ذهنه عن رجل في الظلال يرتدي قبعة، وأنها امتزجت فيما بعد بذكرياته الخاصة عن شلل النوم، اللافت أنه لم يرغب في إظهار الكيان بوضوح لأن أكثر ما أرعبه في تجربته لم يكن شكل المخلوق بقدر ما كان الإحساس بوجود شخص آخر في الغرفة بينما تعجز عن الحركة.
وأصبح الرجل ذو القبعة اليوم جزءاً من الفولكلور الرقمي؛ تتكرر أوصاف متشابهة له في المنتديات وشهادات شلل النوم، من دون وجود دليل على أنه كيان مستقل فعلاً، ومن منظور علمي يمكن وضعه ضمن ظاهرة "إحساس الدخيل" التي ترافق بعض نوبات شلل النوم، حيث يشعر الشخص بحضور أحد بجواره أو يرى شكلاً بشرياً غامضاً ، لكن المثير هنا أن الرجل صاحب القبعة ليس سوى نسخة حديثة من قصة قديمة جداً.
الجاثوم: كائن واحد بأسماء مختلفة
قبل أن يعرف البشر شيئاً عن مرحلة حركة العين السريعة REM أو آليات الدماغ أثناء النوم، كانوا بحاجة إلى تفسير لحالة بالغة الواقعية: عقل مستيقظ، جسد مشلول، ضغط على الصدر وشعور بأن شيئاً غير مرئي موجود في المكان، ومن هنا ظهرت تفسيرات متشابهة على نحو لافت في ثقافات متباعدة.
في جزيرة نيوفاوندلاند الكندية معروفة الظاهرة باسم العجوز الشمطاء Old Hag وكان الاعتقاد الشعبي يقول إن ساحرة أو روحاً تأتي ليلاً وتجثم على صدر النائم، وقد وجد الباحث روبرت نِس في دراسة ميدانية كلاسيكية عام 1978 أن أوصاف هذه التجربة تتطابق بدرجة كبيرة مع ما يعرف طبياً بـ شلل النوم.
وفي أوروبا القديمة ارتبطت التجربة بمخلوقات مثل السقوبة Succubus والحضون Incubus وهي شياطين ليلية اعتقد أنها تزور النائم أثناء الليل وأصبح ضغط الصدر والاختناق والإحساس بوجود مخلوق فوق الجسد جزءاً أساسياً من صورتها في التراث، وحتى أصل كلمة كابوس بالانجليزية Nightmare يعيدنا إلى الـ مارا Mara وهي روح ليلية في الموروث الأوروبي كان يعتقد أنها تضغط على النائم وتخنقه.
وفي تركيا توجد تسمية كاراباسان Karabasan المرتبطة بكائن أو قوة مظلمة تضغط على النائم، بينما تظهر تصورات أخرى للمشهد نفسه في ثقافات آسيوية وأفريقية عديدة.
تختلف أسماء المخلوقات، لكن المشهد يتكرر: استيقاظ، شلل، خوف، وجود غريب، وأحياناً ثقل فوق الصدر.
الجاثوم والجن في الثقافة العربية والإسلامية
لا تبدو قصة الفيلم في العالم العربي بعيدة عن الموروث الشعبي؛ فالحالة معروفة شعبياً باسم الجاثوم، ويربطها بعض الناس منذ زمن بالجن أو المسّ.
وقد قدمت دراسة مقارنة أجريت على أشخاص عانوا من شلل النوم في مصر والدنمارك مثالاً واضحاً على أثر الثقافة في تفسير التجربة، ففي العينة المصرية من عامة السكان اعتقد 48% ممن مروا بالتجربة أن الجن كان سبباً لها، بينما كانت التفسيرات الخارقة أقل شيوعاً بكثير في العينة الدنماركية.
وهذا لا يثبت أن الجن هو سبب شلل النوم، كما أنه لا ينفي المعتقد الديني بوجود الجن؛ بل يكشف شيئاً آخر مهماً: التجربة الجسدية نفسها يمكن أن تلبس تفسيراً مختلفاً بحسب البيئة الثقافية للشخص.
فمن تربى على حكايات الجن قد يفسر الكيان الذي رآه بأنه جني، ومن نشأ على أساطير الساحرات قد يراه ساحرة، بينما قد يصف شخص معاصر الشكل نفسه بأنه صاحب الظل الأسود Shadow Person أو الرجل ذو القبعة Hat Man.
وهنا يلامس فيلم The Last Rite فكرة مثيرة دون أن يناقشها صراحة: هل نصنع نحن صورة الكائن الذي يظهر أثناء الجاثوم، أم أن الثقافات المختلفة تحاول فقط تسمية شيء واحد غامض؟
لماذا نشعر بوجود شخص في الغرفة ؟
التفسير العلمي أقل إثارة للرعب، لكنه لا يجعل التجربة أقل واقعية لمن يعيشها ، أثناء نوم حركة العين السريعة REM تكون الأحلام شديدة النشاط، وفي الوقت نفسه يعطل الدماغ معظم عضلات الجسم مؤقتاً حتى لا ينفذ الإنسان حركات أحلامه فعلياً ، في شلل النوم تحدث حالة غير متزامنة: يستعيد الشخص وعيه بينما يستمر شلل REM لثوانٍ أو دقائق.
وقد يستمر أيضاً جزء من نشاط الحلم، فتظهر هلوسات سمعية أو بصرية أو حسية: وقع خطوات، همسات، ظل يتحرك، شخص يقف بجانب الفراش أو إحساس بضغط على الصدر.
كما توصف فئة من هذه التجارب بأنها هلوسات دخيلة Intruder hallucinations حيث يكون الإحساس بوجود "دخيل" في الغرفة قوياً إلى درجة أن المصاب قد يكون مقتنعاً تماماً بأنه لم يكن وحيداً، وتوجد أيضاً تجارب الطفو والخروج من الجسد ضمن الظواهر التي يمكن أن ترافق شلل النوم.
هل يستحق المشاهدة ؟
لا يقدم فيلم The Last Rite ثورة في أفلام طرد الأرواح وقد رأى بعض النقاد أنه يعود في أجزائه الأخيرة إلى عناصر مألوفة جداً في هذا النوع، في المقابل حظي تصويره لشعور شلل النوم والوجود غير المرئي بإشادة أكبر، خصوصاً حين يعتمد على الإيحاء بدلاً من إظهار الوحش أمام الكاميرا.
قيمته الحقيقية بالنسبة لمتابع الماورائيات تكمن في النصف الأول من فكرته: ارتباط شلل النوم بأشخاص الظل والرجل ذي القبعة، ثم الانتقال التدريجي من ظاهرة طبية معروفة إلى تفسير ديني يقوم على المسّ.
فهو فيلم يستطيع المشاهد المؤمن بالتفسير الخارق أن يراه قصة عن كيان استغل لحظة ضعف للدخول إلى حياة امرأة، بينما يستطيع المشاهد المتشكك رؤيته بوصفه تحويل إحدى أغرب حالات النوم وأكثرها رعباً إلى قصة شيطانية.