في تاريخ السينما، تناولت أفلام كثيرة الأشباح واللعنات والمسوخ والظواهر الخارقة، لكن قلة منها اختارت أن تجعل "المعجزة" نفسها محور القصة، ومن بين هذه الأعمال يبرز فيلم The Green Mile أو الميل الأخضر، الذي صدر عام 1999 بوصفه واحداً من أكثر الأفلام تأثيراً في الوجدان الإنساني، لأنه يطرح سؤالاً بسيطاً وعميقاً في آن واحد: ماذا لو وُجد إنسان يستطيع شفاء الآخرين بمجرد لمسهم ؟
الفيلم لا يقدم إجابة مباشرة، ولا يشرح مصدر هذه القدرة، بل يترك المشاهد عالقاً بين الإيمان والشك، وبين المعجزة والباراسيكولوجي، وهو ما جعله يحظى بمكانة خاصة حتى لدى المهتمين بموضوعات ما وراء الطبيعة.
ما قصة "الميل الأخضر" ؟
تدور أحداث الفيلم داخل جناح المحكوم عليهم بالإعدام في أحد السجون الأمريكية خلال ثلاثينيات القرن الماضي، حيث يعمل الحارس بول إدجكومب، الذي يؤدي دوره توم هانكس، وكان الممر المؤدي إلى غرفة الإعدام مغطى بمشمع أخضر، ولذلك أطلق عليه السجناء والحراس اسم "الميل الأخضر".
تسير الحياة داخل السجن بروتينها المعتاد حتى يصل سجين جديد يدعى جون كوفي، رجل ضخم الجثة أسود البشرة، متهم باغتصاب وقتل طفلتين صغيرتين، وبسبب ضخامة جسده وهيبته، يظن الجميع أنه مجرم بالغ الخطورة، لكنهم يكتشفون سريعاً أن خلف هذه الهيئة المخيفة شخصية مسالمة، تبكي بسهولة، وتخاف الظلام، وتعجز عن إيذاء حتى فأر صغير.
ومع مرور الأيام، تبدأ أحداث لا يستطيع أحد تفسيرها.
الرجل الذي يشفي بلمسة
في إحدى أكثر مشاهد الفيلم شهرة، يضع جون كوفي يديه على جسد الحارس بول، الذي كان يعاني ألماً مزمناً، وما هي إلا لحظات حتى يختفي المرض تماماً.
لكن عملية الشفاء لا تبدو سهلة، إذ يدخل كوفي في حالة من العذاب، ثم يخرج من فمه سحباً سوداء كثيفة أشبه بالحشرات أو الدخان، وكأنه امتص المرض من جسد المريض إلى داخله قبل أن يتخلص منه.
لاحقاً يكرر الأمر مع زوجة مدير السجن المصابة بورم دماغي قاتل، فتشفى بصورة كاملة، في مشهد يعد من أكثر لحظات الفيلم إثارة للدهشة.
المثير أن الفيلم لا يصور هذه القدرة على أنها سحر أو شعوذة، بل يقدمها كموهبة غامضة ولد بها الرجل، دون أن يفهم هو نفسه طبيعتها.
هل كان جون كوفي قديساً أم صاحب قدرة خارقة ؟
لا يدعي جون كوفي أنه نبي، ولا يستخدم تعاويذ، ولا يمارس طقوساً دينية، ولا ينسب قوته إلى الجن أو الأرواح، إنه فقط يشعر بآلام الآخرين كما لو كانت آلامه، ويستطيع أن ينتزع المرض منهم، لكنه يدفع ثمناً جسدياً ونفسياً في كل مرة يفعل ذلك.
لهذا اختلفت تفسيرات المشاهدين والنقاد.
فبعضهم رأى فيه رمزاً مسيحياً للتضحية والفداء، خصوصاً أن شخصية بريئة تُعدم رغم امتلاكها قدرة على منح الحياة، بينما اعتبره آخرون تجسيداً أدبياً لفكرة "المعالج الروحي"، وهي شخصية تظهر في ثقافات عديدة حول العالم، يعتقد الناس أنها قادرة على نقل الألم من المريض إلى نفسها أو امتصاص الطاقة السلبية منه.
أما ستيفن كينغ، مؤلف الرواية، فلم يمنح تفسيراً نهائياً، تاركاً الباب مفتوحاً أمام القارئ ليختار ما يراه.
هل الفيلم مقتبس من قصة حقيقية ؟
فيلم The Green Mile مقتبس عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب الأمريكي ستيفن كينغ، ونُشرت لأول مرة عام 1996، وهي عمل روائي خيالي بالكامل، ولم يصرح كينغ بأنها تستند إلى حادثة واقعية أو إلى شخص حقيقي يمتلك مثل هذه القدرات.
لكن هذا لا يعني أن الرواية ولدت من فراغ، إذ استند الكاتب إلى أبحاث تاريخية دقيقة حول السجون الأمريكية، والإعدام بالكرسي الكهربائي، وطبيعة الحياة داخل أجنحة المحكوم عليهم بالإعدام في ثلاثينيات القرن العشرين، وهو ما منح الرواية واقعية كبيرة رغم عنصرها الخارق.
هل استُلهم جون كوفي من شخصية حقيقية ؟
ظهرت على الإنترنت رواية متداولة تزعم أن جون كوفي مستوحى من جورج ستيني الابن، وهو فتى أمريكي أسود أُعدم عام 1944 بعد محاكمة اعتبرت لاحقاً من أكثر المحاكمات ظلماً في التاريخ الأمريكي.
ورغم التشابه في بعض العناصر، مثل اللون والبراءة والظلم، فإن ستيفن كينغ لم يصرح يوماً بأن هذه الشخصية كانت مصدر إلهامه، ولا يوجد دليل موثق يربط بينهما.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الرواية تعكس أجواء العنصرية والتمييز التي كانت سائدة في الولايات المتحدة خلال تلك الحقبة، وهو ما منح شخصية جون كوفي بعداً إنسانياً مؤثراً.
هل يوجد "جون كوفي" في الواقع ؟
هنا يخرج الفيلم من عالم السينما ليلامس واحداً من أكثر موضوعات الباراسيكولوجي إثارة للجدل.
فعبر التاريخ ظهرت شخصيات كثيرة ادعت امتلاك قدرة على شفاء المرضى بمجرد اللمس أو نقل الطاقة، مثل بعض معالجي الريكي في اليابان، والمعالجين بالطاقة في الغرب، والجراحين الروحيين في الفلبين والبرازيل، إضافة إلى شخصيات اشتهرت بأنها كانت تشعر بآلام المرضى قبل أن تزول أعراضهم.
ويصف بعض هؤلاء تجاربهم بطريقة تذكر بما يحدث لجون كوفي؛ إذ يقولون إنهم يشعرون بحرارة أو ألم شديد أثناء العلاج، وكأن المرض انتقل إليهم مؤقتاً قبل أن يختفي.
لكن حتى اليوم، لم تستطع الدراسات العلمية إثبات وجود قدرة خارقة على الشفاء باللمس تتجاوز ما يمكن تفسيره بالعوامل النفسية، أو تأثير الإيحاء، أو التحسن الطبيعي لبعض الحالات. ولذلك يبقى هذا المجال مثيراً للجدل بين المؤمنين بوجود طاقات علاجية مجهولة، وبين الباحثين الذين يرون أن الأدلة المتوافرة لا تكفي لإثباتها.
لماذا بقي الفيلم خالداً ؟
لم ينجح The Green Mile لأنه تحدث عن رجل يمتلك قوة خارقة، بل لأنه جعل هذه القوة وسيلة لطرح أسئلة أخلاقية عميقة.
ماذا يحدث عندما يظهر شخص مختلف عن الجميع ؟
هل يستطيع المجتمع تقبل ما لا يفهمه ؟
وهل يمكن أن يُدان إنسان، لا لأنه مذنب، بل لأن وجوده نفسه يتجاوز قدرة الآخرين على التفسير ؟
لهذا لم يكن جون كوفي بطلاً خارقاً بالمعنى التقليدي، بل كان لغزاً إنسانياً، رجل يحمل في داخله قدرة تبدو أقرب إلى المعجزة، لكنه عاجز عن إنقاذ نفسه من ظلم البشر.
وربما لهذا السبب، وبعد أكثر من ربع قرن على صدور الفيلم، ما زال The Green Mile يُعد أحد أجمل الأعمال السينمائية التي مزجت الدراما الإنسانية بأسئلة ما وراء الطبيعة، دون أن تقدم إجابات جاهزة، بل تاركة للمشاهد حرية الاختيار بين أن يراه قصة خيالية... أو احتمالاً لم يُكتشف بعد.