لم يمت حاتم في ساعةٍ مناسبة.
وهل للموت ساعة مناسبة ؟
كان ذلك في مساء ثلاثاء عادي، من تلك الأمسيات التي لا تترك في الذاكرة شيئاً سوى رائحة القهوة الباردة على حافة المكتب، وضوء الهاتف وهو يلمع برسائل مؤجلة، وصوت زوجته ليلى من آخر الممر تقول له للمرة الثالثة:
— تعالَ نتعشى قبل أن يبرد الطعام.
فقال من وراء الباب، وهو لا يرفع عينيه عن شاشة الحاسوب:
— خمس دقائق فقط.
كانت تلك آخر كذبة صغيرة قالها في حياته.
لم تكن كذبة شريرة، ولا مقصودة، بل من ذلك النوع الذي نكرره كل يوم حتى نصدق أن الوقت ملك أيدينا.
"خمس دقائق"، "بعد قليل"، "غداً"، "عندما أرتاح"، "عندما تنتهي هذه الضغوط"، "عندما تتحسن الأمور".
لكن الأمور لا تتحسن دائماً، أحياناً تنتهي فجأة.
وجدته ليلى بعد ساعة، جالساً على كرسيه، مائلاً قليلاً إلى جهة اليسار، كأن النوم غلبه وهو يكتب ، كان كوب الشاي إلى جانبه، لم يمسّه
وعلى الشاشة ملف مفتوح باسم غريب: "إلى ليلى".
لم تفتحه في تلك الليلة.
في الحقيقة، لم تفتح شيئاً في تلك الليلة سوى باب البكاء.
كان حاتم رجلاً كثير الانشغال، أو هكذا كان يقول عن نفسه، يعمل في شركة هندسية، يحمل البيت على كتفيه كما يعتقد، ويمشي في الحياة كمن يطارد قطاراً لا يراه أحد غيره
كان يحب ليلى، لكنه كان يحبها بصمت قاسٍ، كأن الحب شيء مفهوم لا يحتاج إلى عبارة.
كانت هي تعرف أنه يحبها، أو تحاول أن تعرف.
كانت تصنع له الشاي قبل أن يطلبه، تحفظ مواعيد أدويته أكثر مما يحفظها، تغفر انفعاله حين يعود متعباً، وتعيد ترتيب أوراقه كلما بعثرها القلق ، وإذا تعثر مشروع من مشاريعه جلست إلى جواره وهي تقول :
— ستبدأ من جديد وتجعله أفضل بمشيئة الله.
أما هو فكان يرد غالباً بجملة عملية :
— لا تقلقي كثيراً.
وكأنها كانت تقلق لأنها لا تفهم، كلا ... لأنها تحب.
في الشهر الأخير قبل موته، كانت بينهما مسافة صغيرة تكبر كل يوم، لم تكن خصومة بل تراكم خفي من الأشياء التي لا تُقال، كانت ليلى تشعر أنه لم يعد يراها، وهو كان يشعر أنه لا يملك وقتاً ليشرح لها كم يخاف، وكم يتعب، وكم يحتاجها ، كان يظن أن اعترافه سيجعله أصغر في عينيها ولم يعرف أن من يحبوننا لا يخذلهم ضعفنا، بل يوجعهم أن نغلق أبوابنا في وجوههم.
في تلك الليلة، قبل أن تناديه للعشاء، كان قد فتح الملف وكتب سطراً واحداً:
" ليلى، لا أعرف كيف أقول لك إنني آسف…"
ثم توقف.
رنّ هاتفه ، جاءت رسالة من العمل، عاد إلى الجداول والأرقام والمخططات، قال لنفسه: أكملها بعد العشاء.
لكنه لم يصل إلى العشاء.
بعد الأربعين، بدأ البيت يتغير.
في البداية ظنت ليلى أن الحزن هو الذي يعبث بحواسها، كانت تسمع أحياناً صوت لوحة المفاتيح من غرفة المكتب، نقرات خفيفة متقطعة كما لو أن أحداً يكتب بإصبعين مترددين، فإذا فتحت الباب وجدت الغرفة ساكنة والشاشة مطفأة والكرسي في مكانه.
ثم صارت رائحة عطره تظهر فجأة عند الفجر.
لم يكن عطراً نفاذاً، رائحة بسيطة، خشبية، كانت تلتصق بياقة قمصانه، اعتادت أن تشمها حين يمر بجانبها مسرعاً أو حين يخلع معطفه ويتركه على ظهر الكرسي، والآن، بعد موته، صارت تأتي من العدم، تقف لحظة في الممر ثم تتلاشى.
قالت أمها حين أخبرتها :
— هذه من النفس يا ابنتي، الحزن يصنع أشباحه.
لم تجادلها ليلى.
لكنها لم تقتنع.
ذات مساء، بينما كانت تجمع أوراقه لتضعها في صندوق، وجدت دفتراً أزرق لم تره من قبل، كان مخفياً بين ملفات قديمة ، على الصفحة الأولى كتب حاتم بخطه المرتب:
" أشياء يجب أن أقولها قبل أن يفوت الوقت."
ضحكت ليلى ضحكة قصيرة انكسرت في حلقها.
— فات الوقت يا حاتم.
فتحت الدفتر، وجدت صفحات كثيرة تحمل عناوين فقط، كأنه كان يهيئ نفسه لاعتراف طويل ثم يهرب منه كل مرة:
"عن خوفي."
"عن غضبي."
"عن أبي."
"عن ليلى."
وتحت عنوان "عن ليلى" كانت الصفحة شبه فارغة، إلا من جملة واحدة:
"هي لم تكن تقف في طريقي، كانت تمنعني من السقوط."
وضعت ليلى يدها على فمها ، جلست على الأرض والدفتر في حضنها وبكت بكاءً هادئاً، لا يشبه صراخ الليلة الأولى، كان بكاء من وجد أخيراً باباً صغيراً في جدار طويل.
في تلك اللحظة، انطفأ المصباح ثم عاد.
مرة واحدة.
لم تخف، رفعت وجهها نحو السقف وقالت بصوت مبحوح :
— هل أنت هنا ؟
لم يحدث شيء.
لكن الصفحة التالية من الدفتر تحركت برفق، كأن نسمة عبرت الغرفة، مع أن النافذة كانت مغلقة.
في الأسبوع التالي، لم تعد ليلى تنام جيداً.
كان الحلم يتكرر: ترى حاتم واقفاً في آخر ممر طويل، يحمل أوراقاً كثيرة تتطاير من يده ، كانت تناديه لكنه لا يجيب ، وكلما اقتربت منه ابتعد ، لا خوفاً منها بل كمن لا يعرف الطريق إليها.
في المرة الثالثة، قالت له في الحلم :
— ماذا تريد ؟
نظر إليها بحزن غريب، لا يشبه حزن الأحياء، كان في عينيه هدوء بعيد، كأنه يرى البيت والسنوات والمشاجرات الصغيرة من مكان أعلى ثم أشار إلى غرفة المكتب.
استيقظت ليلى قبل الفجر، ظلّت جالسة في السرير حتى أذان الفجر ، بعدها قامت واتجهت إلى المكتب.
فتحت الحاسوب.
كان الملف ما يزال هناك: "إلى ليلى".
ارتجفت أصابعها فوق لوحة المفاتيح ، ضغطت عليه.
ظهر السطر الوحيد :
" ليلى، لا أعرف كيف أقول لك إنني آسف…"
ثم فراغ أبيض طويل.
تركت الشاشة مفتوحة وذهبت إلى المطبخ ، صنعت كوبين من الشاي كما كانت تفعل كل ليلة ، وضعت أحدهما إلى جوار الحاسوب وجلست أمام الملف.
قالت للفراغ :
— أكمل.
لم تكن تؤمن أن الراحلين يعودون ليكتبوا، لكنها لم تعد تؤمن أيضاً أن الغياب كامل كما يقال، كان الحزن قد جعل العالم هشّاً، كأن بين الحياة والموت شقاً صغيراً يمكن لكلمة واحدة أن تعبر منه.
مرّت دقائق طويلة.
ثم ظهر حرف على الشاشة.
ظنت أنها ضغطت خطأ، أبعدت يديها تماماً.
ظهر حرف آخر.
ثم كلمة.
ثم جملة.
لم تكن الكتابة سريعة، كانت تتكون ببطء، كما لو أن أحداً يتعلم من جديد كيف يستعمل يداً لم تعد له.
"آسف لأنني أشعرتك بالوحدة"
تجمدت ليلى في مكانها.
تتابعت الكلمات :
" آسف لأنني كنت أظن أن التعب يعفيني من الحنان، كنت أعود إلى البيت محملاً بخوفي، فألقيه عليك في هيئة صمت أو غضب، وأنتِ كنتِ تلتقطينه دون أن تشتكي."
غطّت ليلى وجهها بيديها ، لم تصرخ، لم تهرب، كانت تخاف أن يتوقف الكلام إذا تحركت.
" كنت أريد أن أقول لك إنني لم أنسَ شيئاً، لم أنسَ الليالي التي بقيتِ فيها مستيقظة وأنا مريض، لم أنسَ كيف بعتِ سوارك القديم حين ضاقت بنا الدنيا وقلتِ إنه لم يعد يعجبك. لم أنسَ أنك كنتِ تبتسمين أمامي وتبكين في المطبخ كي لا أرى."
توقفت الكتابة لحظة.
ثم ظهرت الجملة الأخيرة:
"سامحيني لأنني تأخرت في معرفة قيمتك، حتى جاء وقت لم تعد فيه لي يد أمدّها إليك".
هنا انقطع التيار عن البيت كله.
بقيت الشاشة مضيئة ببطارية الحاسوب، وبقيت الجملة الأخيرة مثل جرح من نور.
في اليوم التالي، حملت ليلى الحاسوب إلى محل صيانة.
قال الفني بعد فحص سريع :
— غريب، الملف لم يتم تعديله منذ ليلة وفاة زوجك.
نظرت إليه بصمت.
أدار الشاشة نحوها :
— آخر حفظ كان منذ شهر وبضعة أيام تقريباً، لا وجود لتعديلات جديدة.
قالت :
— لكنني رأيت الكتابة.
ابتسم الشاب ابتسامة محرجة كمن لا يريد أن يجرح امرأة حزينة ، ثم لزم الصمت.
لم تكمل نقاشها معه.
عادت إلى البيت وهي تحمل الحاسوب كمن يحمل دليلاً لا يعترف به أحد.
في المساء، فتحت الملف.
كان فارغاً إلا من السطر الأول القديم :
" ليلى، لا أعرف كيف أقول لك إنني آسف…"
اختفت الرسالة.
لكنها لم تشعر بالجنون، على العكس، شعرت للمرة الأولى منذ موته أن شيئاً ناقصاً بدأ يجد طريقه إلى الاكتمال.
فتحت الدفتر الأزرق وجلست تكتب.
لم تكتب باسمها، كتبت كأنها ترد عليه :
" حاتم، وأنا آسفة أيضاً، آسفة لأنني كنت أنتظر منك كلاماً لم تعرف كيف تقوله، ولم أسألك عن الخوف الذي كان يأكلك، ظننت أنك بعيد لأنك لم تعد تحبني، ولم أفهم أنك كنت تغرق ولا تريد أن تبللني معك."
كتبت حتى انتصف الليل.
وعندما انتهت، وضعت الدفتر مفتوحاً على المكتب، وقالت :
— الآن سمع كل منا الآخر.
في تلك الليلة، حلمت به للمرة الأخيرة.
لم يكن في الممر الطويل، كان جالساً على كرسيه القديم، لكن الغرفة لم تكن غرفة المكتب، كانت مكاناً واسعاً بلا جدران، فيه ضوء يشبه الفجر حين لا يكون للشمس مصدر واضح.
كان يبتسم هذه المرة ابتسامة خفيفة كأن حملاً ثقيلاً أزيح عن كتفيه وحينها نقل إليها دون أن ينطق :
"الحب لا يرضى بجملة مبتورة ، لا تؤجلي الكلام الذي يستحق أن يُقال؛ فبعض القلوب لا تبقى طويلاً قربنا لتسمعه".
استيقظت على صوت صفحات تتحرك.
كان الفجر يدخل من النافذة، والدفتر الأزرق ما يزال مفتوحاً على الصفحة التي كتبت فيها رسالتها.
بعد أشهر، بدأت ليلى تفعل شيئاً غريباً.
كانت تكتب رسائل للناس الذين حولها.
رسالة لأمها تقول فيها إنها ممتنة لأنها بقيت قوية أكثر مما ينبغي ، رسالة لأخيها تعتذر فيها عن خصام قديم، رسالة لصديقة انقطعت عنها بسبب سوء فهم تاف، لم تكن تنتظر موتاً جديداً كي تفهم قيمة الكلام ، كانت تضع الرسائل في أظرف بسيطة، أو ترسلها عبر الهاتف، أو تقرأها وجهاً لوجه وهي ترتجف.
اكتشفت أن الأحياء يخافون من الاعتراف أكثر مما يخافون من الفقد، وأن جملة واحدة صادقة قد تنقذ سنوات من البرود.
أما غرفة المكتب، فلم تعد مكاناً للموت.
تركت كرسي حاتم كما هو لكنها وضعت فوقه شالاً دافئاً، وعلى المكتب صورة لهما من سفر قديم، وفي كل مساء ثلاثاء، كانت تصنع كوبين من الشاي، تشرب واحداً وتترك الآخر حتى يبرد.
لم تكن تفعل ذلك لأنها تنتظر عودته.
كانت تفعل ذلك لأنها فهمت أخيراً أن من نحبهم لا يختفون دفعة واحدة، يبقون في عاداتنا، في الجمل التي تعلمناها منهم، في الأشياء التي لم يقولوها ثم صارت تغير حياتنا بعد رحيلهم.
وفي آخر صفحة من الدفتر الأزرق، كتبت ليلى عبارة واحدة، ثم أغلقت الدفتر إلى الأبد :
" ليست الأرواح عالقة دائماً لأنها تركت ما لم تستطع إكماله، قلوبنا قد تبقى عالقة بما لم نسمعه، لذلك قولوا أحبك الآن، قولوا سامحني الآن، قولوا شكراً الآن، قبل فوات الأوان ، وقبل أن يأتي الغد بالندم".